الاصلاحات التي يقودها بنيت: كابوس تربوي

الاصلاحات التي يقودها وزير التربية بنيت تسعى الى تحويل الطلاب لماكينات اقتصادية ناجعة ومنصاعة: المزاوجة بين هذه وبين التلقين القومجي هو كابوس تربوي، اجتماعي وسياسي.
يوسي دهان

 

في مؤتمر صحفي احتفالي بمناسبة افتتاح السنة الدراسية استعرض وزير التربية نفتالي بنيت الأهداف والإصلاحات التي وضعتها الوزارة على أجندتها. احدى الاصلاحات المركزية ستتم بمجال تدريس الانجليزية تحت شعار “شكسبير أقل، عملي أكثر”. منذ الآن بدل “تضييع الوقت” على تدريس المراجع الأدبية باللغة الانجليزية، سيتعلم كل طالب الانجليزية المحكية ويعرف كيف يكتب بريد الكتروني بالانجليزية.

هذه التوصية ذكرتني بحديث لكن روبينسون، احد المحاضرين الأكثر تأثيراً في العالم، والذي شاهد أكثر من 300 مليون شخص محاضرته في “TED”. كنموذج عن التربية الخلاقة والمثالية التي تقدم للطلاب فرص للتعبير عن قدراتهم الابداعية تحدث روبينسون عن زيارته لمدرسة بحي “كوريا تاون” بمدينة لوس انجلوس، الحي الذي يسوده العنف والجريمة ولا تعتبر الانجليزية فيه اللغة الاولى للطلاب اولاد المهاجرين الذين يسكنون فيه. على الرغم من أن الكثيرين منهم يعانون من صعوبات بتعلم القراءة والكتابة فنسبة النجاح بين طلاب المدرسة مرتفعة نسبياً حتى أن قسم من الخريجين يكملون تعليمهم في الجامعات او يحبون المهن التي يعملون بها.

احد اسرار نجاح المدرسة هو المعلم ريف اسكويت الذي يعلم الطلاب في سن 9-11 مسرحية واحدة لشكسبير في كل عام. بالتوازي مع تعلم المسرحية يتعلم الطلاب أيضاً العزف على آلات موسيقية، وفي نهاية العام يقومون بعرض المسرحية مع أغاني “للبيتلز”، “كولدبلاي” وفنانين آخرين. ايان مكالين، من أبرز الممثلين لمسرحيات شكسبير، قال بأنه احد أفضل العروض التي رآها. بحسب اصلاح بنيت، اسكويت الذي حصل على شارة تميز من رئيس الولايات المتحدة كان عليه ان يترك مشروعه التربوي ويركز على تدريس الانجليزية العملية وكتابة البريد الالكتروني او ادارة محادثة بالانجليزية المحكية.

هذه الاصلاحات على أشكالها تعبر عن رؤية تربوية واجتماعية واسعة ومنتشرة ترى بأنه لا توجد قيمة داخلية ومستقلة للتربية بل أنها نشاط يأتي لخدمة أهداف خارجية أخرى: جهاز التربية هو ببساطة عبد للجهاز الاقتصادي.

التوجه “العلمي أكثر” يقف من وراء مبادرة اخرى يقودها الوزير- الحملة الشرسة التي تديرها وزارة التربية بالأشهر الأخيرة للحث على تعلم الرياضيات بمستوى خمس وحدات (اعلى مستوى ممكن بالمرحلة الثانوية). حملة كل رسالتها بأنه اذا لم تتعلم خمس وحدات من الرياضيات فأنت فاشل- رسالة تحصر قدرة الطلاب على تطوير خيالهم، ابداعهم ومعرفتهم في مجال واحد فقط. هذا التوجه يتجسد بشكل مؤسساتي وجوهري أيضاً بخطة الوزير (التي عمل على دفعها بهمة كبيرة عندما كان وزيراً للاقتصاد أيضاً) واتحاد الصناعيين لتوسيع التربية المهنية والتي، كما تثبت الابحاث، تتضمن بغالبيتها على مساقات تعليمية متدنية مقارنة بالمساقات الثانوية النظرية وتستقصد بالأساس الطلاب الشرقيين، العرب وغيرهم من أبناء الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية.

هذه الاصلاحات على أشكالها تعبر عن رؤية تربوية واجتماعية واسعة ومنتشرة ترى بأنه لا توجد قيمة داخلية ومستقلة للتربية بل أنها نشاط يأتي لخدمة أهداف خارجية أخرى: جهاز التربية هو ببساطة عبد للجهاز الاقتصادي. بحسب هذه الرؤية، الهدف المركزي لجهاز التربية هو المساهمة بالنمو الاقتصادي بواسطة تأهيل خريجين أصحاب قدرة على الانتاج ليمنحوا اسرائيل أفضلية اقتصادية بالسوق العالمي التنافسي. التعامل مع الطلاب يتم بصفتهم “ثروة إنسانية” يجب العمل على زيادة قدرتها لدر الأرباح الى أقصى حد ممكن.

هذا النموذج العملي والاقتصادي من المفترض بأن يستبدل التربية الديمقراطية غير الناجعة والتي تضع الطالب بالمركز، التربية التي تسعى لتمكين الطلاب من اكتشاف وتحقيق قدراتهم الكامنة، لتحويلهم لمواطنين ديمقراطيين أصحاب معرفة وقدرة نقدية قادرين على تحدي تعسف الحكم، لمواطنين لديهم حس بالعدل ومتعاطفين مع الآخرين- مع المستضعفين والمهمشين. “التعرف على الآخر”، كما صرح الوزير، ليس من بين أهداف الوزارة. هو يفضل بأن ينقل للطلاب الهوية اليهودية بصيغتها القومجية والمعادية للديمقراطية والتي تتجسد في كتاب المدنيات الجديد وفي مشاريع أخرى لتعميق الهوية اليهودية والممولة بمئات ملايين الشواقل.

المزاوجة ما بين التربية التي تحول الطلاب لماكينات اقتصادية ناجعة ومنصاعة وبين التلقين القومجي هو كابوس تربوي، اجتماعي وسياسي.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.