النهضة الثقافية الشرقية والطابور لمكتب الرفاه

يركز الحراك الشرقي في السنوات الأخيرة على النضال من أجل الحقوق الثقافية الجماعية لكن النهضة التي وضعت الفنون بواجهة الخطاب الشرقي لا تخلو من الاشكاليات. سمدار لافي تطرح أسئلة ثاقبة حول الشرقية المتخيلة والحقيقية، العلاقة مع الفلسطينيين وحياة الامهات الشرقيات الوحيدات.
سمدار لافي

 

منذ صدور كتابي “محاطات بعلم إسرائيل”(2014) اخترق الفن، المسرح، الموسيقى والشعر الشرقي التيار المركزي الثقافي الاسرائيلي الذي تهيمن علية الأقلية الأشكنازية. جمعية “أختي- من أجل النساء بإسرائيل” وائتلاف “قلبي بالشرق- من أجل التوزيع المتساوي لموارد الثقافة بإسرائيل” قاموا بنشر أبحاث ريادية توصم العنصرية التي تميز تخصيص الاموال العامة للثقافة الشرقية. من هم اللاعبين المركزيين بهذه النهضة الثقافية؟ هؤلاء يصفون أنفسهم، بسخرية ذاتية، ب”النخب الجديدة”.

في السنوات الأخيرة يركز الحراك الشرقي على النضال من أجل الحقوق الثقافية الجماعية. في عام 2002، عندما طرحت فكرة الحقوق الثقافية أمام الهيئة العامة ل”القوس الديمقراطي الشرقي” تسائل أعضاء “القوس” ان كنت قد فقدت صوابي. كيف ستجلب الحقوق الثقافية الجماعية الأمن الغذائي لمجتمعنا، تساءلوا؟ اليوم، وبعد مرور سنوات، يبدو بأن النضال الشرقي من أجل الحقوق الثقافية يعتم على الاحتياجات السياسية والاقتصادية الماسة لتلك المجموعات الشرقية.

النهضة التي وضعت الفنون بواجهة الخطاب الشرقي تشمل “عرض بوئتيكا”، مجموعة من الشعراء والشاعرات المندفعين: الاوركسترا الاندلسية: مخرجي أفلام: مجموعات مسرح: فنانين بصريين: أدباء: مغنين وفرق. نشطاء هذه النهضة الثقافية يوجهون ابداعهم لداخل المجتمع اليهودي بإسرائيل على العنصرية التي تميزه. حن مسجاف (2015) يكتب بأن “حركة أختي” بدأت تركز أكثر على الجوانب الثقافية للهوية الشرقية، ذلك “على العكس من الحراك الذي دعم احتجاج الأمهات الوحيدات الذي قادته فيكي كنافو عام 2003”. مسجاف يقتبس أقوال الناشطة المخضرمة يالي هش التي تنظر الى النهضة الثقافية الشرقية بعين ناقدة:

الانفصال عن الحيز النسوي كان مرتبطاً بخط أصبح هو المسير بنهاية المطاف- من ضمن أمور أخرى، في أعقاب من أصبحت مديرة الجمعية- وينص هذا الخط على وجود الاجندة الثقافية في الصدارة، أي أن المنظمة منهمكة بالمعارض، الكتب والائتلافات المختلفة التي تعنى بتشجيع الثقافة الشرقية. المبنى نفسه تحول لما يشبه الجاليريا، علاقات من عملوا بالموضوع الثقافي ازدادت وتشعبت بينما الاجندة الناشطة التي اقيمت المنظمة من حولها، وبالأساس اجندتها النسوية، راحت تختفي أكثر فأكثر، لأن الثقافة تعني النساء والرجال أيضاً. الثقافة هي ليست أمر سيء بالطبع ولكن علينا أن نسأل دائماً هل ما زال هناك متسع لإجراء نقاش يقظ وديناميكي تلتقي به التوجهات النسوية الشرقية مع الواقع وتجري معه حواراً ذا صلة؟

مئير عمور، عالم اجتماع متفوق من جامعة كونكورديا في مونتريال، يناقش هو الآخر النهضة الثقافية الحالية. ولو أنه قبل ان ينهي درجة البروفيسوراة حصل على وظيفة ثابتة في كندا ولكنه لم ينجح بالحصول حتى على وظيفة محاضر خارجي في أية جامعة إسرائيلية. منذ سنوات ال-1980 ينتقد عمور الشق الذي يركز على الثقافة بالحراك الشرقي. بحسب ادعائه، يجب كشف العنصرية اليهودية الداخلية في إسرائيل ليس فقط بمصطلحات ثقافية فحسب. “لا تمدين بلا تشريق”، يكتب عمور. من ناحيته، امكانية اقامة مجتمع مدني يعرف بوضوح حقوق وواجبات مواطنيه- اليهود وعرب ال-48 على حد سواء- مشروطة بتسييس الواقع الشرقي حتى تتمتع الأغلبية الديمغرافية بإسرائيل، وهي شرقية، بحقوق مواطن كاملة. في مجتمع مدني ديمقراطي، يكتب عمور، لا يمكن بأن تحفظ الحقوق المدنية فقط للأقلية الأشكنازية التي تحدد التيار المركزي الاجتماعي- ولهذا تمول بيد كريمة أيضاً. هذه الحقوق يجب أن تذهب، بالدرجة الاولى، للأغلبية الشرقية وللأقلية الأصلانية الفلسطينية من عرب ال-48.

لتحقيق هذا الهدف ينادي عمور بالاحتجاج غير العنيف بما معناه التوقف عن المشاركة بالحياة المدنية التي يديرها الاشكناز والمتزلفين لهم من الشرقيين. بكلمات أخرى، على الأغلبية المدنية ان ترفض معظم الكينونة المدنية بدولة إسرائيل. لتحقيق المساواة الكاملة يطالب عمور النخبة الأشكنازية بإخلاء مكان للأغلبية الشرقية من حول طاولات الادارة السياسية والاجتماعية. اذا لم يحصل ذلك، ينادي عمور بالعصيان المدني. على الأغلبية الشرقية الامتناع عن دفع الضرائب، عدم التصويت بالانتخابات والامتناع عن أي صورة أخرى من الانخراط المدني. مؤخراً ينادي عمور حتى برفض الخدمة العسكرية ولكن قدسية الخدمة العسكرية بإسرائيل والدور الذي يلعبه الجيش اليوم في احتمالات الارتقاء الاجتماعي الشرقي داخل التيار المركزي الاشكنازي، أقل ما يقال بأنها تصعب على الجمهور الشرقي الامتثال وراء عمور بهذه المسألة. بكل الأحوال، لا يجرأ عمور ولا نشطاء النهضة الثقافية على طرح اسئلة فيما يتعلق بالطريقة التي تتم من خلالها ترجمة قدسية “الشعب المختار” في “الأرض المختارة” الى قوالب العرق الصهيونية عندما تتكاتب هذه مع الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني. حلبة النشاط المركزية لدى عمور هي الشبكة الاجتماعية. هناك تحظى أفكاره ونداءاته بجمهور مستمر بالازدهار. نشاط عمور يتم كله بتطوع.

تماماً على غرار الاستراتيجية التي تنتهجها النسوية الشرقية، لا يتجرأ نشطاء النهضة الشرقية على الحديث علناً عن قضية فلسطين. هم يمتنعون عن منافسة اليسار الاشكنازي على الميزانيات بهذه القضية والتي تعتبر من اختصاص النخبة الاشكنازية.

مؤخراً، بدأت النهضة الثقافية الشرقية تحظى بدعم مالي معتبر. في الوقت الذي كتب فيه هذا النص، بربيع 2016، أصبح الحكم اليميني في إسرائيل الممول الرسمي لها. منذ سنوات ال-1980 عندما كان “الليكود” في الحكم استثمر وزراء تربيته وثقافته الوقت والمجهود للحد، ولو بقليل، من السيطرة الاشكنازية على أموال الجمهور من أجل تمويل الثقافة التي تسمي نفسها “عليا”. بالتوازي مع هذه المغازلة الثقافية لمصوتي اليمين الشرقيين، حول “الليكود” المستوطنات لمصدر استقطاب لكل من هو معني بالهروب من الغيتوهات المكتظة التي حشر فيها المهاجرين القادمين من الدول الاسلامية بالسنوات التي سبقت عام 1967. الميزانيات تدفقت باتجاه النشطاء الثقافيين الشرقيين طالما قاموا بحصر تعاطيهم مع الهوية العربية في استذكار العالم المنسي الذي تركه آبائهم وأجدادهم خلفهم. الثقافة الفلسطينية، بحسب صيغتهم، ليست سياسية وهي في انتاجاتهم بريئة من قضايا مثل ملكية الأرض او المياه. ولكن حتى مبادرات “الليكود” لتوجيه القليل من الميزانيات للناحية الشرقية شكلت تحدياً صعباً على وزرائه.

في عام 2015، قام بنيامين نتنياهو بتعيين عضو الكنيست ميري ريجف وزيرة للثقافة والرياضة بعد ان انضمت هذه “لليكود” بنهاية مسيرة عسكرية مثيرة للانطباع شملت منصبي الرقيبة العسكرية والناطقة بلسان الجيش. ريجف التي تنحدر من أصول مغربية تحارب من أجل نقل ميزانيات من أيدي النخب الثقافية الأشكنازية لأيدي المؤسسات الثقافية للنهضة الشرقية. بالتوازي مع ذلك يقوم حزبها بتسريع العمليات النيوليبرالية بالسوق الإسرائيلي وبتوسيع المستوطنات. نشطاء النهضة الشرقية يقفون وقد عقدت ألسنتهم امام الراعية الجديدة التي حلت عليهم.

تماماً مثل النسويات الشرقيات، ينقسم نشطاء النهضة الثقافية الشرقية سياسياً وفق الفئات التي وضعها اليسار الاشكنازي: الاشتراكية الصهيونية، ما بعد الصهيونية ومعاداة الصهيونية. وتماماً على غرار الاستراتيجية التي تنتهجها النسوية الشرقية، لا يتجرأ نشطاء النهضة الشرقية على الحديث علناً عن قضية فلسطين. هم يمتنعون عن منافسة اليسار الاشكنازي على الميزانيات بهذه القضية والتي تعتبر من اختصاص النخبة الاشكنازية. ولا يعود ذلك الى قلقهم من ان تقوم وزارة الثقافة، وعلى رأسها ريجف، بإعطائهم ظهرها. المبدعون الشرقيون يأتون من جمهور وهذا الجمهور، جمهورهم، يذهب الى اليمين أكثر فأكثر، باتجاه أرض اسرائيل الكاملة.

في ظل حكم اليمين تحول نشطاء النهضة الشرقية اذاً للسفراء الجدد لوزارة الأمن الداخلي، الشؤون الاستراتيجية و”الهسبرا” (الدعاية الاسرائيلية الدبلوماسية). حيث تقوم الوزارة بإرسال الموسيقيين، الشعراء، المطربين، المسرحيين ومخرجي السينما المغربيين، العراقيين، اليمنيين، المصريين، الليبيين، التونسيين وأبناء بقية الطوائف لشمال أمريكا وأوروبا. الجمهور خارج البلاد مطلع على الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني، ومن المفترض بأن يستعرض مبعوثي الفن والثقافة الجدد أمامه التعددية الثقافية والتسامح السائد داخل المجتمع اليهودي بالبلاد. الرسالة بسيطة: اسرائيل هي جزء من النسيج الثقافي للعالم العربي وهي تدعو للسلام بواسطة عروض فنية. يسمح لهؤلاء المبعوثين بالتعبير عن تساؤلات حول قضايا الاحتلال والاستيطان- وسمح لهم حتى بانتقاد حرب غزة عام 2014- بيد أن هذا النقد يتناسق مع غطاء الكونية والإنسانية الدقيق الذي تتبختر فيه الدولة اليهودية الديمقراطية. عندما تتعلق الامور بفكرة الدولة الواحدة، حق العودة او استخدام المقاطعة كوسيلة عصيان مدني يفضل مبعوثي الثقافة الشرقية الحفاظ على حق الصمت.

في حينه، ببداية سنوات ال-1990، ركزت على دراسة المناطق الحدودية الثقافية الشرقية-الفلسطينية، وقمت بتبيين الوكالة (agency) التي ينطوي عليها الشعر الشرقي. ولكن بحذر. وتوصلت الى ان النظرية الصهيونية وممارساتها تميل الى افتراس الانتاجات التي تنمو بالمناطق الحدودية بشكل استراتيجي. التيار المركزي الاشكنازي يقوم بالحاق هذه الانتاجات له كورقة توت لكي يتفاخر بالتعددية الثقافية. وكالة نشطاء النهضة الثقافية تشكل مقابل كبير القوة بالفعل ولكن هذه الوكالة مقيدة بالوقت الحالي من قبل التيار المركزي الشرقي القومجي لبداية القرن ال-21.

صوت آخر يخرج ضد الانعاكاسات الاشكالية للنهضة الثقافية الشرقية هو صوت اورلي نوي- كاتبة، مترجمة وناشطة من مواليد ايران. نوي تشير الى الطريقة التي يقوم فيها التركيز على الثقافة الشرقية بإلغاء التسلسل التاريخي للحراك الشرقي، ويؤدي عملياً الى اخماده. بحسب أقوالها: “سياسة الهويات تحمل قوة كبيرة.. ولكن.. عندما يتم فصلها عن السياقات السياسية التي تجري داخلها فهي تصبح معطوبة أخلاقياً”. السياق السياسي، من ناحية نوي، هو الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي  بمعناه الاوسع بالسياسة الاقليمية. نوي تتساءل، مثل عمور، حول التركيز الحالي على الثقافة لكنها تذهب الى ما هو أبعد من عمور لتتعاطى مع القضايا القابلة للانفجار مثل جق العودة والدولة الواحدة. نشطاء ثقافيين شرقيين كثر، تكتب نوي، يفترضون بأن هجرة دولة الرفاه الاسرائيلية من الأحياء وبلدات التطوير الى المستوطنات البلدية الكبيرة في الضفة هي مفهومة ضمناً. النقلة الثقافية في النضال الشرقي، تدعي نوي، تتغنى بالماضي، الذي يتم تصويره وكأنه مثالي، وبالأيام التي عاش بها اليهود الشرقيين والعرب- وغالبيتهم من المسلمين- بتحاب وسلام.

نوي ترى بأن النشطاء الثقافيين الذين يقودون النهضة الشرقية، على غرار الجمهور الشرقي الواسع، يبدون كراهية لليسار الاشكنازي. “محاطات بعلم اسرائيل” يشير بدوره الى نفاق اليسار الاشكنازي الذي تسمح له ميزاته البيضاء بأن ينادي بالسلام الاسرائيلي-الفلسطيني- وسيلة ناجعة لتمويل جمعيات اليسار الاشكنازي وأيضاً لتمويل نمط الحياة الكوزمولبيتي ل”نشطاء السلام”. ولكن “كراهية اليسار الاشكنازي لا يمكن أن تكون القاعدة للتواصل الشرقي-الفلسطيني”. “اليسار الاشكنازي تحول لنوع من الهوس لدى البعض من متحدثي الخطاب الشرقي الجديد، وهذا يعني بأن الفلسطينيين أصبحوا بوضع اصعب حتى”، تكتب نوي وتضيف:” اذا كنا قد تجاهلناهم في السابق، الآن”- مع التطرف اليميني الشرقي- “فقد تحول الفلسطينيين الى قذائف نرجمها على الاشكناز”.

عمور ونوي ليسا الوحيدان اللذان يتساءلان حول أشكال الوكالة (agency) التي تميز الحراك الشرقي. هل بالإمكان مراجعة النهضة الثقافية كرواية مضادة (counter-narrative) شعرية نمت من داخل الحراك الاجتماعي عام 2011؟ في تحليله لحركة الاحتجاج الجماهيرية ضد التمدن النيوليبرالي في بارك غازي أظهر مارتن ستوكز كيف تحولت اسطنبول، ومثلها لندن وشنحاي ومدن أخرى مرت بعمليات عولمة-ومنها حتى تل أبيب- لحيز من القراءة المضادة  (counter-reading) بواسطة الشعر. خيال تاريخي عاد الى الحياة بصورة شعرية جديدة مرتبطة بالحاضر والمستقبل. مجموعة “عرص بوئتيكا” كانت لتقول بأن هذا بالضبط ما تقوم به في تل أبيب. ولكن ستوكز لا يبقي الأمر سهلاً: هل تقوم هذه الرواية المضادة الشعرية بإحداث عدالة اجتماعية واقتصادية في حياة الخاضعين؟.

النهضة الثقافية الشرقية، على رومانسيتها وحنينها الى الماضي، تتواجد اليوم في أنحاء التيار المركزي الاعلامي الاشكنازي كخيار أخير. هل تستبدل هذه الدور الرومانسي الذي لعبه الفلسطيني ابن البلاد من ناحية اليسار الاشكنازي؟

من وجهة نظر ستوكز، القومية الاثنية الاحادية (ethnic mono-nationalism) تسعى الى ابادة مجموعات الاقليات والجاليات. الشعوب بحاجة لخلق حس وطني ولهذا، يقول ستوكز، فعليها أن تجد شيء (object) سلبي يقف الشعب ضده. القومية الاثنية الاحادية تقلص الاقليات والجاليات اذاً لدرجة الفولكلور بحيث تساهم هذه في تتبيل الحساء القومي فقط دون ان تحرقه. في الاحتجاج الجماهيري ببارك غازي باسطنبول عارض المتظاهرون محاولة وضعهم بخانة الفولكلور بهذا الاسلوب. “محاطات بعلم إسرائيل” يسلط الضوء على القومية اليهودية الاحادية لدولة إسرئيل. على الرغم من خطاب التعددية الثقافية الذي يتم الاحتفال به من قبل النهضة الشرقية الثقافية فاليهودية هي المعيار الذي تعرف المواطنة بناءً عليه. الاشكناز والشرقيون يستمرون بالتصدي معاً لتهديدات الأغيار (غير اليهود) “الذي يقبلون علينا لتصفيتنا”. الأغيار هم “الشيء” السلبي الذي يقف الشعب بصده. أنظروا، مثلاُ، حرب غزة 2014 والوضع الشرقي.

في المدينة العالمية يتغنى أبناء الأقليات، المهاجرين والنازحين بالحنين الى الماضي وبأصولهم المتخيلة، ويصيغون رواية “الجذور” بواسطة الفن البصري، الموسيقى، المسرح والشعر. هذا الخطاب يستبدل الرومانسية الأصلانية. ستوكز يدعي بأن النقلة الثقافية الشعرية، بنهاية المطاف، تحسن من حياة رعايا التقشف النيوليبرالي. النضالات الاجتماعية ستؤدي الى تغيير سياسي والى تغيير اجتماعي اقتصادي. هكذا، على غرار اكاديميين آخرين، يساهم ستوكز للنظرية بموضوع “الوكالة” الشعرية التي تقود الى حركات احتجاج مدنية. لا شك بأنه مليء بالأمل.

في السياق الاسرائيلي افضل شخصياً انتهاج الحذر. المد المتواصل لليمين السياسي لا يجرف الشرقيين فقط. بعد حرب غزة الأخيرة، الكثير من الاشكناز تخلوا عن عملية السلام أما الاحتلال فأصبح طبيعياً الى أقصى درجة. النهضة الثقافية الشرقية، على رومانسيتها وحنينها الى الماضي، تتواجد اليوم في أنحاء التيار المركزي الاعلامي الاشكنازي كأهون الأمرين. هل تستبدل هذه الدور الرومانسي الذي لعبه الفلسطيني ابن البلاد من ناحية اليسار الاشكنازي؟ كيف يستطيع هذا الخيال التاريخي للتعايش اليهودي بالعالم العربي ان يفكك حاضر ومستقبل الاستعمار الإسرائيلي؟ النهضة الشرقية لم تغير كثيراً من ناحية الام الشرقية الوحيدة. هل تشكل هذه النهضة طريقة اخرى لتسعير الثقافة والفن التي ينتجها أصحاب البشرة الغامقة؟ هل تقوم هذه الصحوة في نهاية اليوم بإضافة طبقة أخرى لمباني القوة المصبوبة بقالب المواطنة العنصري؟.

ايأً كانت الاجايات لهذه الاسئلة فالعلاقات المتبادلة بين القومية الاحادية ال(نيو)ليبرالية وبين الممتلكات متعددة الثقافات لهذه القومية لا تغير المبنى البيروقراطي للمواطنة المتعنصرة. التعذيب الذي تعانيه الام الوحيدة الشرقية تحت الشمس الحارقة بالطوابير الطويلة لمكاتب الرفاه، التأمين الوطني وغيرها من مواقع الحجيج البيروقراطية، والخدمات الجنسية التي تضطر لدفعها احياناً للموظفين الذين من المفترض بأن يعملوا على رفاهيتها، يجعلون الخلاص الذي تنطوي عليه التجربة الشعرية شبه مستحيل. الام الشرقية الوحيدة تستطيع أن تشاهد الاوركسترا الانلدسية عبر التلفاز وان تغرورق عيناها بالدموع، وقد تؤدي الاوركسترا اغاني تعلمتها في حجر امها ولكن محاولاتها لتدبر امورها حتى آخر الشهر ستبقى كما هي.

كمن تشاهدن هذه الصحوة الثقافية وتستهلكن الاخبار، لدى الامهات الشرقيات الوحيدات اسباب جيدة للتصويت لأحزاب اليمين. حياة الفلسطينيين الشائكة تحت الاحتلال الاسرائيلي بعيدة كل البعد عن اعباء البقاء اليومية التي يتعاملن معها. العلاقة بين حالتهن الاقتصادية وبين ميزانية الامن التي لا تعرف الشبع وكأنها تلاشت. وكم بالحري بعد حرب غزة 2014 حيث أصبحن مستعدات للتضحية أكثر من القليل الذي لديهن، كل ذلك في سبيل تحصين البؤرة اليهودية السيادية الاخيرة، تلك التي تقع في قلب العالم العربي- “الفيلا في الادغال”.

*نشر النص للمرة الاولى باللغة الانجليزية كخاتمة للطبعة الثانية من كتاب سمدار لافي "محاطات بعلم اسرائيل"، ومن ثم نشر على موقع اللسعة باللغة 
العبرية بتاريخ 6.7.2016.

 

المزيد:

“التعذيب البيروقراطي للأمهات الشرقيات الوحيدات”، حن مسجاف تراجع كتاب سمدار لافي. 

“نحن “عامة الشعب”، يقول الراعي”، شوشانا جباي. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.