الشراكة اليهودية-العربية الكلاسيكية أنهت وظيفتها

حان الوقت لاعادة التفكير بالشراكات اليهودية-العربية ولتحويلها لهدف استراتيجي بعد ان اعتبرت وسيلة ليس أكثر. توسيع قاعدة الشراكة من تسوية الصراع الى المصالحة التاريخية سيمنحها الحيوية والقوة لتجاوز العقبات التي وقفت حتى الآن في طريق الأشكال الكلاسيكية للشراكة.
مرزوق الحلبي

 

فكرة الشراكة اليهودية-العربية تطورت على مدى العقود الأخيرة كإستراتيجية عمل أكثر منها كهدف استراتيجي. الكثير من أبناء الشعبين هنا تعاونوا مع بعضهم البعض، بقلب طيب وبنوايا حسنة، لأنهم آمنوا بالشراكة نفسها وأكثر من ذلك بقدرتها على احداث تغيير سياسي يقف في مركزه تبديل قوى اليمين في الحكم. البعض الآخر اعتقدوا بأن هذه الشراكة، حتى ان لم تنجح في حل الصراع، ستحسن الأجواء وتحافظ على العلاقات بين الشعبين بوضع معقول. آخرون اعتقدوا بأن بمقدور الشراكة اليهودية-العربية التخفيف من منسوب العنف والخوف. خلف الشراكة، كفكرة وممارسة، اختبأت احياناً نوايا غير معلنة. بعض اليهود ارادوا الشراكة لأنهم شعروا بفضلها بأن ضميرهم مرتاح أكثر، وأملوا بأن تساعدهم الشراكة على ان يظهروا كغير محتلين او غير قامعين. في المقابل، شكلت الشراكة من ناحية بعض العرب مصدر شرعية للنشاط الجماهيري. بعض الشركاء العرب سعوا لأن يوضحوا من خلالها بأنهم محبون للحياة، الهدوء والسلام. في بعض الأحيان استخدمت الشراكة كجهاز لتطبيع الشركاء العرب: من خلالها مر العرب على يد الشركاء اليهود بعمليات تنشئة اجتماعية ايجابية بالمعنى الاسرائيلي-اليهودي.

الأهداف المختلفة للشراكة اليهودية-العربية تطورت في اطار فكري سياسي محدد ولكن الغالبية العظمى من الشراكات من هذا النوع جاءت في الواقع لتخدم فكرة التقسيم والفصل. الأشخاص الذين انخرطوا فيها قبلوا بشكل عام خطة التقسيم وارثها الذي جاء على هيئة دولتين لشعبين، وسعوا سوية لتحقيق هذه الفكرة. عدا عن ذلك فهذه الشراكات أعدت لتطبيق الفصل بين الشعبين كما يتطلب التقسيم والذي يستلزم تعديل الحدود وتبادل السكان او اقتلاع السكان!.

الشراكة الاستراتيجية ستتحدث بلغة المصالحة بين الشعبين المتصارعين منذ أكثر من مئة عام. لغة المصالحة اوسع من لغة الحلول والاتفاقات التي ترتكز على وضعية ولدت بالماضي، أما مركز المصالحة فسيكون الرواية الثالثة المشتركة التي ستتم صياغتها والتي ستوفر شبكة الأمان اللازمة للجميع.

باعتقادي، هذه الأهداف التي خصصت للشراكة اليهودية-العربية انهت وظيفتها التاريخية وحان الوقت لإعادة التفكير بالشراكة. حتى أن هذا الأمر ملح اذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأننا أبعد ما نكون عن تقسيم البلاد لدولتين، وفي نفس الوقت، فنحن أقرب لتحقيق رؤية الفصل بين الشعبين! والإثبات- السياسة في إسرائيل: فمنذ عقدين وهذه تسعى الى اقصاء الفلسطينيين مواطني إسرائيل من الحيز السياسي وإبعادهم عن اللعبة كلها كشكل خفيف من أشكال الفصل.  نافذة الفرص التي تنغلق أمام فكرة الدولتين تطرح تحديات جديدة أمام الشراكة اليهودية-العربية: أيضاً بسبب المخاطر الكامنة في امكانية بسط السيادة الإسرائيلية-اليهودية بين البحر والنهر بشكل نهائي وأيضاً بسبب الاحتمالات التي قد تنبثق عن تطور من هذا النوع.

اذا ما تحقق سيناريو السيادة الاسرائيلية على كافة الحيز بين البحر والنهر بالمدى القريب هناك احتمال بأن تدخل علاقات الشعبين في دوامة بسبب التوجهات اليمينية القومجية المتنفذة في المجتمع الإسرائيلي، وبطبيعة الحال فتطور كهذا معناه السيطرة بالقوة على ما يقارب ال-5 مليون رجل وامرأة فلسطينيين. اذا تحقق السيناريو المذكور من خلال مفاوضات واتفاقات مناسبة بين قيادتي الشعبين، ايضاً عندها ستكون هناك حاجة لإعادة التفكير بالشراكة لتحويلها لهدف استراتيجي لمن يرغب بذلك. حتى دون ان يتطور ذلك بالميدان، يتوجب على من ينظرون استراتيجياً لعلاقات الشعبين بشكل ايجابي بأن يفكروا بأنواع جديدة من الشراكات اليهودية والعربية.

انا شاهد على محاولات من هذا النوع بمجالات مختلفة وشريك ببعضها، وأحاول ان اطرح فكرة اعادة التفكير بهذه الشراكات بين اليهود والعرب باتجاه الانتقال من اعتبار الشراكة كوسيلة لاعتبارها كغاية. فبغض النظر عما ستكون نتيجة استمرار الصراع او تسويته سيكون علينا ان نعيش سوية. ليس قسراً وليس لأنه “كتب علينا بأن نعيش سوية”- بل لأننا نريد ونتوق للحياة المشتركة. الشراكة التي لا تعتمد على هذا التوجه الاستراتيجي ستجلب بنهاية المطاف العكس من اعلان النوايا لمؤسسيها لأنها ببساطة ستتحدث بلغة الماضي عن المستقبل- مثير للشفقة، اليس كذلك؟.

وأية أسرار ستحكي الشراكة الاستراتيجية؟ فمن وصل الى هنا لا بد وانه مهتم بمعرفة ذلك. هذه الشراكة الاستراتيجية ستتحدث بلغة المصالحة بين الشعبين المتصارعين منذ أكثر من مئة عام. لغة المصالحة اوسع من لغة الحلول والاتفاقات التي ترتكز على وضعية ولدت بالماضي، أما مركز المصالحة فسيكون الرواية الثالثة المشتركة التي ستتم صياغتها والتي ستوفر شبكة الأمان اللازمة للجميع. توسيع قاعدة الشراكة من تسوية الصراع الى المصالحة التاريخية سيمنحها الحيوية والقوة لتجاوز العقبات التي وقفت حتى الآن في طريق الأشكال الكلاسيكية للشراكة كوسيلة.

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.