حرية اقتصادية لصالح القلائل على حساب الكثر

أمام العناوين التي بشرت بتحسن مكانة اسرائيل بمؤشر الحرية الاقتصادية، يوسي دهان يرى بأن سياسة نتنياهو عززت فقط من حرية هؤلاء القلائل الذين يتواجدون في رأس السلم الاجتماعي-الاقتصادي في حين تقصلت حرية معظم المواطنين.
يوسي دهان

 

في مطلع الاسبوع أعلنت العناوين: “طرأ تحسن خفيف: إسرائيل في المكان ال-45 بالعالم بمؤشر الحرية الاقتصادية”. ظاهرياً تبدو هذه أخباراً ممتازاً فمن الصعب ان نجد شخصاً او دولةً يفضلون الاستعباد على الحرية.

المؤشر الذي يصدره معهد “فريزر” الكندي في كل عام وضع من قبل البروفيسور ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد والبروفيسور مايكل ووكر في سنوات السبعين. وبالفعل، بروح فريدمان، أحد مؤسسي الايديولوجية الاقتصادية-الاجتماعية اليمينية، كلما زاد التدخل الحكومي كلما قلت الحرية. لهذا فالخدمات الاجتماعية، شبكة الامان الاجتماعية او أي تدخل حكومي “يشوش” على عمل الاسواق- تشكل مساً خطيراً بالحرية. الضرائب هي “شر لا بد منه” ويجب تقليصها قدر الامكان أما حق الملكية فهو حق بمكانة مقدسة.

يا ترى ما هو رأي العمال بتعريف الحرية هذا، وما هو رأي عشرات آلاف العائلات التي انزلقت تحت خط الفقر خلال السنوات التي نفذ فيها نتنياهو، كوزير مالية وكرئيس حكومة، نظرة الحرية هذه وسحق شبكة الامان الاجتماعية ووسع عدم المساواة.

فريدمان هو أيضاً البطل الايديولوجي لوزيرة العدل اييلت شاكيد التي اعتمدت في خطابها الذي القته مؤخراً بحفل افتتاح سنة القضاء- والذي سمي حتى ب”خطاب الحرية”- على اقتباسات من كتاب فريدمان “الرأسمالية والحرية”. ملخص خطابها بأن أية عملية تشريع جديدة تؤول عملياً لتقييد حريتنا الشخصية الآخذة بالتآكل. من ناحية شاكيد وأيضاً من ناحية شريكها الايديولوجي، رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فكل عملية تشريع تقريباً تقيد حريتنا وتمس بحرية السوق الحر والذي اذا ما تركناه لشأنه فلسوف يحسن الى المصلحة العامة.

ولكن هذه النظرة للحرية كغياب التدخل في السوق هي نظرة ايديولوجية مبسطة تحسن عملياً الى حرية القلائل على حساب الكثر. بحسب هذه النظرة، قوانين العمل التي تمنع التمييز، تضمن الحد الأدني للأجور او تنص على اجراءات منصفة لإقالة العمال- هي أنظمة تقيد الحرية ظاهرياً. يا ترى ما هو رأي العمال بتعريف الحرية هذا، وما هو رأي عشرات آلاف العائلات التي انزلقت تحت خط الفقر خلال السنوات التي نفذ فيها نتنياهو، كوزير مالية وكرئيس حكومة، نظرة الحرية هذه وسحق شبكة الامان الاجتماعية ووسع عدم المساواة. في مؤشر الحرية بعالم الحقائق، وليس الايديولوجية، سياسة نتنياهو عززت فقط من حرية هؤلاء القلائل الذين يتواجدون في رأس السلم الاجتماعي-الاقتصادي بينما تقصلت حرية معظم المواطنين.

في مركز نظرة الحرية هذه لفريدمان، شاكيد ونتنياهو تقف اسطورة “السوق الحر” فلا يوجد سوق كهذا بحق: كل سوق اقتصادي في نهاية المطاف هو نتاج الدولة التي تضع القوانين والقواعد التي يعمل بناءً عليها. كل سوق، حتى الأكثر رأسمالية، يعمل وفق قوانين تمكن من وجود العقود وفرضها وتحافظ على حق الملكية، على مصالح المستهلكين وعلى مصلحة الجمهور. الجدال بين مؤيدي “السوق الحر” وبين معارضيه هو ليس على تدخل الدولة بالسوق انما على نوعية التدخل الذي نريده كجماعة وعلى القيم الاجتماعية التي نطمح بأن يحققها النشاط الاقتصادي.

اذا ما بسطنا نظرنا الى ما بعد الحرية الاقتصادية سنجد بأن لا شيء يردع وزيرة العدل شاكيد التي ترفع علم الحرية عن تقييد الحريات السياسية لمواطني اسرائيل بواسطة الادوات التشريعية- الفظيعة بنظرها- التي استخدمت لسن قانون الجمعيات، قانون الابعاد وقوانين اخرى تفرض العقوبات على ممارسة المواطنين لحقهم الاساسي بإقامة التنظيمات السياسية وبالانتخاب والترشح ذلك عدا عن الانظمة التي تقيد الحرية الاقتصادية، المدنية والسياسية للفلسطينيين بالأراضي المحتلة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.