"اليهود العرب": قراءة في القومية والديانة والاثنية

يحاول يهودا شنهاف في كتابه هذا تفكيك الخطاب الاسرائيلي ازاء اليهود الشرقيين او “اليهود العرب”، كما يسميهم، ليسرد قصة جديدة حول العلاقات القائمة بين الفئات الاجتماعية وتاريخ هذه العلاقات. الكتاب يسوق الكثير من الحيثيات التي تكشف عن الخلفية من وراء الآراء والمواقف الشائعة حول اليهود الشرقيين.
يهودا شنهاف

 

نسوق فيما يلي مقتطفات من كتاب الباحث اليهودي صاحب الأصول العراقية يهودا شنهاف “اليهود العرب: قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والاثنية”، والذي صدرت ترجمته العربية حديثاً عن “مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية”.

كيف أصبح اليهود العرب متدينين وصهيونيين؟

تسود في إسرائيل اليوم حكمة تقليدية تقول إن اليهود العرب أكثر تدينًا، في المتوسط، من أقرانهم الأوروبيين. وتفترض هذه الحكمة أن الديانة باتت توفر حيزًا مريحًا للعمل في أوساط اليهود العرب في السياسة والثقافة الإسرائيليتين. وحسبما أحسن أحد المعلقين قوله، “كانت جميع الأبواب موصدة في وجه المزراحيين (يشار بها لليهود أصحاب الأصول العربية وتعني الشرقيين حرفياً). ولم يكن سوى باب الكنيس مفتوحًا أمامهم على مصراعيه”. وبالفعل، ما فتئت التعبئة عن طريق الديانة تمثل تذكرة الدخول التي يملكها اليهود العرب للولوج إلى الحيز العام وإلى السياسة. والشاهد على ذلك ما نراه في النجاح المدوي الذي حققه حزب “شاس” التقليدي (“سفارديم شومري توراه” أو حراس التوارة السفارديون). وفي هذا السياق، يستعرض الباحثون عدة تفسيرات لهذا النجاح، حيث يفترضون- على تفاوتهم- أن حزب “شاس” يستقطب اليهود العرب من خلال برامج التعليم والرفاه والتشغيل، ويقدم شكلً من أشكال الاحتجاج على النخبة الليبرالية الإشكنازية العلمانية، كما يمثل نتاجًا للقيادة الناجعة أو احتكامًا أصيلً إلى الديانة. وفي الوقت الذي لا نعارض فيه هذه التفسيرات، نرى أن نقترح زاوية مختلفة للعلاقة القائمة بين اليهود العرب والديانة في الممارسة الصهيونية والخطاب الصهيوني، ونحن نفترض أن اليهود العرب لم يكن أمامهم من خيار سوى “التدين” لكي يكون لهم صوت في الخطاب الصهيوني.

وبالتمعن في اللقاء الأول الذي جرى بين الصهيونية واليهود العرب قبل وصولهم إلى إسرائيل، فقد بذل المبعوثون الصهيونيون (وليس “العلمانيين”) مساعي حثيثة لإسباغ الصفة الدينية عليهم، وخصوصًا أولئك الذين كان يُنظر إليهم على أنهم ليسوا على قدر كاف من التدين. ومن المؤكد أن مثل هذه المحاولات التي سعت إلى إضفاء السمة الدينية على اليهود لم تقتصر على اليهود العرب. فقد كانت الصهينة من خلال التدين شائعة في أوساط الطوائف اليهودية في أوروبا (كاليهود الروس، مثلً) وشمال أميركا كذلك. وفي سياق اليهود العرب، كان إسباغ الدين يقوم، في أساسه، على عملية أوسع تنطوي على الاستعمار والشرقنة، وهي عملية تمخضت عن علامات شرقية محددة من الناحية الإثنية.

وقد أثار الواقع الذي بدا فيه اليهود العرب عربًا أكثر منهم يهودًا مشكلة أمام المبعوثين، إذ كانَ يُنظر إليهم أنهم غير مناسبين للتجنيد في صفوف الصهيونية.

وسوف نبين الطريقة التي اتبعها المبعوثون الصهيونيون في إسباغ السمة الدينية على اليهود العرب وكيف تمت شرقنتهم من خلال الديانة. وبغرض التأكيد، نفترض أن إسباغ الصفة الدينية على اليهود العرب لم يكن يتناقض، بالضرورة، مع ظاهرتين أخريين معروفتين في إطار العلاقة التي تجمع اليهود العرب بالديانة. الأولى، أن الكثير من اليهود العرب كانوا يهودًا متدينين وأتقياء، بصرف النظر عن الصهيونية. وهذا الأمر صحيح بالذات بالنسبة إلى الطوائف اليهودية اليمنية والمغربية، وصحيح بدرجة أقل بالنسبة إلى اليهود في العراق وإيران. وبناءً على ذلك، فنحن لا نفترض أن الصهيونية قد جعلت من اليهود العرب متدينين ولا نسوق الادعاءات بشأن درجة التدين في أوساطهم. وعوضًا عن ذلك، نحن نرى أن الحركة الصهيونية كانت تتطلع إلى أن تجد في اليهود العرب، قبل أن يصلوا إلى إسرائيل، دافعا دينيًا قويًا وأن تفرض نسختها الخاصة من الدين عليهم. الثانية، أن الدولة سعت إلى علمنة اليهود العرب بعد أن حطوا رحالهم في إسرائيل. وكان هذا الأمر مشهودًا على نحو خاص في حالة اليهود اليمنيين. وفي الواقع، لم تكن هاتان العمليتان تتعارضان مع بعضهما بعضًا بالضرورة، بل تمثلان وجهي العملة نفسها، حسبما سنبيّن لاحقًا.

على المستوى النظري، نود أن نعرض كيف تتحول القومية الحديثة إلى الديانة لكي تؤسس نفسها، وكيف تنكر أساسها الديني في الوقت ذاته وتتخيل نفسها علمانية وحديثة. وسوف نوظف الإطار الذي وضعه لاتور لكي نبين الطريقة التي يجري فيها تهجين القومية والديانة من خلال الممارسات الصهيونية، وكيف يجري تطهيرهما وتنقيتهما في الوقت نفسه من أجل تشكيل حيزين أنطولوجيين منفصلين في ظاهرهما: “القومية” و”الديانة”. وحسبما افترضنا في مقدمة هذا الكتاب، “التاريخ يبدأ في البيت”، تعرف الصهيونية هنا على أنها رزمة أيديولوجية تتألف من ثلاثة محاور، هي: القومية والديانة والإثنية. وبناءً على ذلك، فنحن ندرس في هذا الفصل العلاقة القائمة بين القومية والديانة باعتبارهما عمليتين متداخلتين تمارسان التهجين والتطهير، ونتناول الطريقة التي تؤثران بها على الإثنية، باعتبارها وسيطًا بينهما. وعلاوةً على ذلك، تتيح لنا المساعي التي بذلها المبعوثون في سبيل إضفاء الطابع القومي على اليهود العرب من خلال الديانة، مرة أخرى، فرصة لتحويل نطاق تركيزنا من اليهود العرب إلى المبعوثين الصهيونيين أنفسهم، وذلك بغية توفير فضاء معرفي نستطيع من خلاله الكشف عن الادعاء الزائف الذي تسوقه الصهيونية بشأن الفصل بين القومية والديانة. وسوف نبين الطريق الذي سلكته الصهيونية، بوصفها لاهوتًا سياسيًا، في تهجين الديانة والقومية، وتطهيرهما في الوقت نفسه.

إن الصهيونية هجين فريد. فهي أوروبية في جوهرها لكنها تتجسد في الشرق الأوسط، ويسود الافتراض بأنها علمانية لكنها متشربة باللاهوت، وهي حديثة لكنها تستمد أصولها من جذورموغلة في القدم. ولا تقدم أي حركة قومية أخرى مثل هذا الخليط من التمثيلات السياسية للشرق والغرب. ومع ذلك، فنحن نرى أن الدراسة النقدية ل”الاستثنائية الصهيونية”، على الرغم من خصائصها وميزاتها، تتيح لنا التركيز على عنصريّ التهجين والتطهير بحيث تتوفر لنا الفرصة لتتبع هاتين الآليتين السوسيولوجيتين في عملها. وبذلك، يوفر تحليل القومية الصهيونية ولقائها مع اليهود العرب، حيث برزت القضايا المفاهيمية الأساسية في أبرز صورها، محطة نسترشد بها في تحديد كيفية دراسة العلاقة القائمة بين القومية والديانة على نحو أوثق.

ويبين تحليل خطاب الصهيونية وممارساتها أنها تتحدث بصوتين متناقضين في الوقت نفسه: “بدائي/ ديني” و”حديث/علماني”. يمزج الصوت البدائي (بمعنى يهجن) القديم مع الجديد، ويسعى إلى ضمان شرعية الصهيونية، ولا سيما من الخارج، بواسطة التأكيد على تواصلها التاريخي مع ماضيها الديني. أما “الصوت الحديث” فيتحدث في الداخل ويخاطب أبناء الأمة ويحاول “أن يضفي عليهم الحداثة” بالإشاحة بوجهه عن الماضي (أي التطهير). وتسعى الصهيونية الحديثة إلى تمييز “اليهودي الجديد” عن اليهودي الديني القديم وغير المنتج. وتعمل هذه الفرضية على تقويض التمييز بين القومية البدائية والقومية الحداثية وتقترح وجوب النظر إليهما باعتبارهما ممارسات آنية للتهجين والتطهير…

الالتقاء بيهود العراق

ظهرت خلال حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، وعقب المساعي التي بذلها أوسيشكين (مثلما جاء في الحالة الثانية أعلاه)، شبكات المبعوثين (“شداروت”) على هيئة شبكة مركزية تربط القيادة الصهيونية في فلسطين بمختلف الطوائف اليهودية خارجها. ففي الفترة الواقعة بين الأعوام 1942 و1945، أقام ما يقرب من 450 مبعوثًا في منطقة إيران- العراق بصورة دائمة. وكما نستذكر، فقد وصل طلائع المبعوثين الصهيونيين إلى هناك بصفتهم جنودًا بريطانيين أو بصفتهم أفرادًا في “كتيبة العمال” التابعة لشركة المقاولات اليهودية “سوليل بونيه”. وكان نحو أربعين مبعوثًا يقيمون في بغداد وحدها، وكانوا يقومون بزيارات قصيرة إلى البلدات المحيطة بها. وقد جرى توثيق العديد من اللقاءات التي أجراها هؤلاء المبعوثون مع المجتمع اليهودي في العراق في رسائل وتقارير كانوا يبعثون بها إلى القيادة اليهودية في فلسطين. وعلى خلاف يافنيئيلي (الحالة الأولى)، لم يعد هؤلاء المبعوثون مضطرين إلى التستر تحت غطاء ديني. فقد باتت العباءة الدينية والدافع القومي ينتظمان الآن ضمن رزمة واحدة، عضوية وهجينة. كما تخطى المبعوثون، الذين عملوا على التشبيك فيما بين الطوائف اليهودية المختلفة وربطها مع المركز الصهيوني في فلسطين، جميع التصنيفات التي كانت تبدو متمايزة في ظاهرها: ما قبل الحديث والحديث، القومية والديانة، الغرب والشرق.

وعلى الرغم من أن المبعوثين كانوا يعتبرون أنفسهم علمانيين (واشتراكيين)، فقد حضروا- بصفتهم مبعوثين دينيين- إلى عالم لم يكونوا يعلمون عنه شيئًا، البتة، من أجل التقاء اليهود العراقيين وإقامة علاقة بينهم وبين المشروع الصهيوني. وكان هؤلاء المبعوثون يرثون، في التقارير التي كانوا يرسلونها إلى القيادة اليهودية، “الديانة الأصيلة” بين هؤلاء اليهود. بل حاولوا في بعض الحالات أن يغرسوا في نفوس اليهود المحليين قدرًا أكبر من الدافع الديني، باعتباره دالً على الدافع القومي. وقد تبدو هذه المحاولة مخالفة لحدس المرء بالنظر إلى مدى تدين هؤلاء اليهود المحليين، لكن الثابت تاريخيًا أنه على الرغم من أن يهود العراق تعرضوا لعملية انكشفوا فيها على الثقافة الكولونيالية، بل واعتنقوا أيديولوجيات حديثة مناهضة للدين، إلا أن الدين متأصل ومتجذر بين ظهرانيهم وفي طبقاتهم العامة والواسعة.

وفي الواقع، فقد تملكت الصدمة اليهود المحليين- الذين كانوا يعتقدون أن المؤسسة الحاخامية في الأرض المقدسة هي من أرسلت المبعوثين (كما هو الحال في بعثة يافنيئيلي إلى اليمن) ورحبوا بهم ترحيبًا مسيحانياً تقريبًا- بسبب جهل هؤلاء الزوار بالتوراة والقانون الديني. فعلى سبيل المثال، أثار مبعوث اسمه يرحميئيل آسا ضجة عارمة في أحد كنس بغداد بسبب مظهره العلماني، حيث كان “حليق الذقن وحاسر الرأس وجاهلً حتى بطريقة الصلاة في الكنيس”. وقد اضطر مسؤولو القيادة الصهيونية في بغداد، الذين تملكهم الحرج، إلى الاعتذار وقالوا إن الرجل ظهر في ذلك المظهر بسبب ظروف عمله تحت الأرض، والتي أجبرته على حلق لحيته.

ويجسد هذا اللقاء المفارقة المتأصلة في ذلك الوضع. فقد سعى المبعوثون الأوروبيون الذين شدوا الرحال إلى الدول العربية إلى تعريف المشاعر الدينية في أوساط اليهود من سكان هذه الدول باعتبارها مؤشرًا على مشاعرهم الصهيونية. ولكن ما أثار استياءهم هو أنهم عجزوا عن تحديد مدى تدينهم. ونحن نفترض أنه ينبغي فهم هذا الإخفاق في سياق النظرة الأوروبية ونظرة الاستشراق التي يحملها هؤلاء المبعوثون، حسبما استعرضنا ذلك في الفصل السابق (من قبيل “هذه المادة ليست مادة أوروبية”، “إنهم يمضون حياتهم كلها في المقاهي”، “في كل زاوية هناك بيوت للدعارة والعرق” و”هذا اندماج تام في الشرق”).

وقد أثار الواقع الذي بدا فيه اليهود العرب عربًا أكثر منهم يهودًا مشكلة أمام المبعوثين، إذ كانَ يُنظر إليهم أنهم غير مناسبين للتجنيد في صفوف الصهيونية. وبينما تتوافر الأدلة على مثل هذه التصريحات الاستشراقية في الأدبيات ما بعد الكولونيالية، فإننا نتوقف هنا عند نوع محدد من الاستشراق، هو “الاستشراق اليهودي” وقد أثرت هذه النظرة الاستشراقية اليهودية على فهم المبعوثين لمدى تدين اليهود الذين التقوا بهم. ويذكر أحد المبعوثين غياب الدافع القومي/الإثني/الديني بين هؤلاء اليهود:

لقد حددت لنفسي قبل أي شيء آخر هدفًا يتمثل في استرجاع جانب من اليهود المشتتين والمأسوف عليهم، ممن يتقاسمون مصيبة التشتت في الشتات. ينبغي تعريف هؤلاء بمصير إخواننا في غيتوات بولندا والبلدان المحتلة… وينبغي أن نذكّرهم بالكارثة التي تسبب بها تشتتنا، بجميع تجلياته وفي كل أجيالنا، لا سيما أن هناك من يسعى إلى تدميرنا في كل جيل طالما بقينا في الشتات… سوف ترى الدموع تنهمر من عيونهم، إذ يدركون هذا الوضع بعد المحادثة التي تجريها معهم، ويقولون: “الآن فقط صرنا يهودًا”.

ويستطرد هذا المبعوث قائلً بأنه وقف على تحول هائل في توجه اليهود المحليين تجاه الشعب اليهودي والحل المناسب له:

تصلنا الأصداء من المدن الأخرى في البلاد حول الصحوة وحول الشباب الذين يتنظمون لغايات تقديم المساعدة المتبادلة، وتبديد “كراهية لا مسوغ لها” (والتي تجدر الملاحظة أنها تمثل مصطلحًا يشيع استخدامه في أوساط اليهود المحليين)، وتعزيز مكانة اللغة العبرية وحظوتها. فلم تعد العبرية هي اللغة الحصرية للتوراة (والتوراة هي أيضًا وفي جميع الأحوال عبارة عن كتاب مغلق أمام اليهود المحليين…) وقد تخطت دراسة العبرية مجموعات المتعصبين- الذين باتوا يضمون العشرات مع مرور الوقت- وأضحت دراسة العبرية في هذه الآونة تتجاوز الأطفال الصغار إلى البالغين الذين يعربون عن استعدادهم ورغبتهم في دراسة اللغة العبرية، أو اللغة “الأشكنازية”، مثلما يسمونها. لقد ارتقت مكانة اللغة العبرية ويدور الكثير من الحديث حولها في الكنس وفي الشارع اليهودي.

وتنم هذه التقارير، على نحو لا لبس فيه، عن خيبة الأمل التي انتابت المبعوثين بسبب الثقافة العربية التي حملها اليهود العرب وبسبب غياب الدين “الأصيل” في أوساطهم، والذي سعى هؤلاء المبعوثون العلمانيون، قبل أي شيء آخر، إلى اكتشافه أو غرسه في نفوسهم. لماذا؟ لأن غرس ما سماه المبعوثون الصهيونيون “الدين” في نفوس اليهود العرب كان بمثابة وسيلة تكفل مواءمتهم وتأهيلهم لعملية تجنيدهم في صفوف الصهيونية على نحو أفضل.

ويتناول إينزو سيريني، الذي كان أول المبعوثين إلى بغداد في مطلع العقد الرابع من القرن الماضي، هذه النقطة بالمزيد من البيان في تأملاته. وهو يهودي أشهرَ علمانيته ومثّل منتجًا أساسيًا من نواتج عصر التنوير الأوروبي وقُتل في معسكر أوشفيتس فيما بعد. وتعبر التقارير التي كان يرسلها إلى القيادة اليهودية في فلسطين حول اللقاء مع اليهود العراقيين عن خيبة أمل عميقة:

من الصعب القول إن هناك وجودًا دينيًا. هناك وجود للتقاليد. فاليهود يحتفلون بالسبت ويأكلون “الكوشير” (الحلال) ولكن ذلك يأتي بدافع “الخمول” فقط دون أي نية أو حماسة. والثقافة الدينية مضمحلة. وليس هناك أي حاخامات يحظون بالأهمية، كما ليس هناك حكماء اكتسبوا سمعة حتى داخل البلاد. المنهج التقليدي في الحياة مترهل، من دون معركة حتى ومن دون مقاومة منظمة. فالمسؤولون اليهود في الحكومة يداومون في أيام السبت أيضا. ولم أسمع عن أي موقف عارض فيه كبار السن ما يقوم به أبناؤهم من نزع قدسية يوم السبت، إذا ما اضطروا إلى فعل ذلك لأسباب ترتبط بكسب قوتهم. وليس هناك من اهتمام ديني أو شعور ديني متأصل في النفوس.

ولا يبدي سيريني أي اهتمام في الاحتفال بيوم السبت باعتباره مبدأ. فوجهة نظره ليست دينية حصرًا أو قومية حصرًا، بل هي تهجين “الديني” و”العلماني” من أجل تخيل المجتمع القومي. وما يستحوذ على اهتمام سيريني في غياب التكافل الجمعي بين اليهود العراقيين، وهو الذي يعزوه إلى السعي وراء تحقيق المصالح الشخصية والبرجوازية الضيقة وتغليبها على المصلحة الجمعية اليهودية، وإلى حقيقة أن هؤلاء اليهود هم عرب، لجميع الغايات العملية. وحسب الادعاء الذي ساقه سيريني في تقاريره، مرة تلو الأخرى، “إن وجود اليهود في العراق هو وجود عربي”. لاحظ، في هذا المقام، الجمع بين التصنيفات القومية والدينية. فلا يمكن تمييز الكينونة اليهودية التي يتمتع بها اليهود في العراق لأنهم لم يكونوا يتصرفون كما لو كانوا جزءًا من مجتمع قومي في عمومه. لم تكن مثل هذه الكينونة موجودة في نظر المبعوثين الصهيونيين.

وقد توخى سيريني الحسم، في محاضرة ألقاها خلال زيارته إلى فلسطين في صيف العام 1942، حيث أضفى تعبيرًا صريحًا لا مواربة فيه على المسألة القومية التي كانت تندرج ضمن الحالة المتقهقرة التي بات عليها التدين: “لا أستطيع لوهلة في العراق أن أحدد الاختلاف بين اليهودي والعربي والمسيحي”. وعلى هذا المنوال، لم يكن سيريني قادرًا على وضع يده على اليهود الصهيونيين القوميين الذين كان يفترض بهم أن يخضعوا للتجديد.

وتساءل بن تسيون يسرائيلي، الذي زار بغداد هو الآخر وحضر المحاضرة التي ألقاها سيريني في فلسطين، عن الأطروحة الحاسمة التي ساقها هذا الأخير: “فيما يتعلق بتراجع مستوى التدين في أوساط هذا المجتمع اليهودي، هل تسرعت في التوصل إلى هذه النتيجة؟… قد قيل لي إنه توجد في بغداد معاهد تضم أصحاب المعرفة ب “الكابالا”(القباله) وطلابها. هلا نظرت في هذا الأمر، من فضلك. لقد التقيت مع أحد معتنقي مذهب الكابالا من بغداد قبل بضع سنوات في القدس. وقد أثار في نفسي انطباعًا دافئًا جدًا (ساذجًا؟)”. ومع ذلك، يستطرد يسرائيلي فيعزز بعض الأفكار التي جاء بها سيريني حول الديانة اليهودية وعلاقتها بالقومية، حيث يكشف عن رابط بين الشعائر الدينية والأمل بالخلاص القومي:

لا تستطيع الغالبية العظمى من المتعبدين في الكنس أن تقرأ الكتاب ولا أن تفهم معاني الكلمات التي ترددها خلف قائد جماعة الترتيل في الكنيس… وما يطبع الروح السائدة في مجتمع بغداد هو حالة الاغتراب التي يعيشها تجاه القومية والصهيونية من الخارج، وحب الأمة وآمالها من الداخل، في القلب… وفي بعض الأحيان، يفرغ الأمل بالخلاص من جميع مضامينه العملية ويصل إلى وضع من الخيانة التامة نتيجة لعادة الاغتراب الخارجي.

وتتساوى في هذا التقرير معرفة كيفية قراءة التوراة مع التعبير عن المشاعر الصهيونية. وقد حملت هذه الملاحظات سيريني على الاطمئنان إلى حد ما، ولكنه لم يزل متمسكًا بأطروحته الأصيلة:

كان يهود العراق، في غالبيتهم الساحقة، وما يزالون حتى هذا اليوم، حريصين على التقيد بالتعاليم الدينية، وإن لم يكن ذلك ظاهرًا في أوساط أكثرهم تزمتًا، بالطريقة التي نراها لدى السفاراديين، عادة. ومع ذلك، لم يكن هنالك شعور ديني عميق ولا “حركة دينية” (عدا العدد الضئيل من معتنقي الكابالا). وكانت معرفتهم بالتوراة والفصول الستة  (في المشناه والتلمود) ضحلة وغير عميقة. ولم يكن في الأجيال الأخيرة حكماء يتمتعون بالنفوذ أو الصيت بين ظهراني الطوائف اليهودية في العراق، وانقطعت (دراسة) التوراة برمتها في الجيل الأخير.

وكان أبراهام برافر قد أشار قبل ذلك:

الدين في أوساط الجماهير هو أمر تلقائي أكثر من كونه شعورًا عميقًا مستقراً في القلب، ولذلك فهم يستعجلون في صلاتهم، وليس هناك فيض للروح كما الحال بين الحسيديين (الحاسيديم) وليست هناك صلاة خالصة كتلك التي نراها في القدس بين أبناء الطوائف الشرقية عندما يحضرون إلى الحائط الغربي. وتبلغ شيتهم من الموت وقلقهم من قدر أقربائهم الذين قضوا نحبهم أقصاهما في مشاعرهم الدينية…

ويلخص برافر النتائج التي خلص إليها في بعثته، والتي يربط فيها بين غياب القاعدة الدينية وغياب الفطرة القومية:

في الوقت الراهن، لا يملك العراق نوع المادة البشرية التي تستطيع أن تكرس نفسها، وبحماسة، لبناء الوطن. صحيح أن عددًا قليلً جدًا من العراقيين قتلوا في الثورات التي انطلقت ضد البريطانيين، لكنهم ليسوا قادرين بعد على الموت في سبيل بناء وطنهم. إن طموح العراقي الشاب يكمن في تقلد منصب حكومي وتقاضي الدخل المضمون الذي يوفّره هذا المنصب علنًا، بالإضافة إلى العطاءات السرية التي يتيحها، دون تعب أو تفكير. هذه الأمور موغلة في القدم، ومن يدري هل تتغير أو متى تتغير…

إذن، كيف لنا أن نفسر ردة فعل المبعوثين على تجربة تواجدهم بين ظهراني اليهود العرب؟ تشير التقارير التي كان هؤلاء المبعوثون يعدونها إلى أن علمانيتهم كانت متداخلة مع فهم متأصل للاهوت. وكانت أجندتهم مقررة حسب برنامج قومي يستند إلى قدسية أرض إسرائيل وإلى الشغف بها، وهذا عبارة عن تكافل بدائي بين الطوائف اليهودية وحاجة ملموسة لجلبهم إلى فلسطين. وكان يتوقع من الجمهور المستهدف، وهم اليهود العرب، أن يكونوا يهودًا مخلصي التدين، ويحتمل بالتالي أن يكونوا قوميين أيضًا (أي، صهيونيين طليعيين). ولكن هؤلاء المبعوثين، وبسبب نزعتهم الاستشراقية الخاصة، واجهوا وقتًا عصيبًا في التعرف على الكينونة اليهودية لليهود من البلاد العربية، والتي لم تكن تصطبغ بمشاعر قومية. وفضلً عن ذلك، كلما كان اليهود العرب أكثر علمانية في نظر المبعوثين أزدادت صعوبة التمييز بينهم وبين الفضاء العربي الذي تواجدوا فيه، حد الاندماج فيه.

ونتيجة لذلك، كانت المشاعر الدينية القومية التي كان المبعوثون يأملون في العثور عليها بين اليهود العرب ثم تشجيعهم على تبنيها عبارة عن امتداد لدافعهم القومي- الديني، كما كانت امتدادًا لنظرتهم الخاصة إلى الصهيونية بوصفها مشروعًا غربيًا، أوروبيًا. ولهذا السبب، نرى المفارقة التي استعرضناها في البداية. فالمبعوثون الذين أعلنوا أنهم علمانيون (وحتى اشتراكيون)، لكنهم كانوا متشرّبين بدافع إثني (قومي- ديني) قوي، وصلوا في بعثة إلى العالم العربي عن طريق شبكة هجينة كانت دينية في أصلها (“شداروت”)، وجدت في هذا العالم طوائف تحيي ممارساتها وطقوسها الدينية، وعادوا مع ذلك بتقارير تنم عن خيبة أملهم من الحالة العلمانية السائدة بين هؤلاء اليهود. وعوضًا عن قبول هذا الواقع، كان هؤلاء المبعوثون يتطلعون إلى غرس الدافع الديني في نفوس اليهود العراقيين.

وعلى وجه الإجمال، أسقط المبعوثون التدين على يهود العراق، وعزوا إليهم الشعور الديني والمشاعر الدينية على نحو عكس رغبتهم في محو الاختلاف بينهم هم أنفسهم واليهود العرب على المستوى القومي وإعادة خلقه. وتبين الملاحظات التي أبداها هؤلاء المبعوثون كيف أن “علمانيتهم” كانت متداخلة مع ثيولوجيا سياسية عميقة كانت تشكل جزءًا أصيلً لا يتجزأ من الممارسة الصهيونية. فلماذا لم يتمكن المبعوثون من استيعاب العلمانية الظاهرة بين اليهود العرب؟ ولماذا عرضوا الصلاح عليهم؟ أولً، من أجل طمس سمتهم العربية باعتبار ذلك فعلً يستهدف نزع السمات العربية. وهنا، يعتبر الدين دالً على منظورهم الاستشراقي والكولونيالي. ثانيًا، من أجل تعريفهم بأنهم صهيونيون. وهنا، يعتبر الدين دالً على الإثنية. وحسبما جاء على لسان لاتور، يعبر هذا الأمر عن فعل خطابي يتألف من شقين. أولهما أن المبعوثين وظفوا الدين لتعريف اليهود العرب ك”آخر”. وتحول الدين إلى علامة إثنية تدل على اليهود العرب. وثانيهما أنهم عدلوا الرزمة الأيديولوجية الصهيونية وطهروها- في ظاهرها- من أصولها اللاهوتية والإثنية. وكانت النتيجة عبارة عن تمثيل الصهيونية باعتبارها علمانية وخالية من الإثنية. فقد يكون المبعوث الصهيوني “العلماني” علمانيًا، في الواقع، إذا كان محاوره متدينًا فقط. أما عندما كان المبعوث يلتقي باليهود العرب، الذين لم يكونوا أرثوذكسيين في ظاهرهم وفي شعائرهم الدينية، فقد كانت تنتابه الخشية من وضع الديانة اليهودية والقومية اليهودية. وبناءً على ذلك، يقترح شلومو فيشر ألا ينظر إلى هؤلاء المبعوثين باعتبارهم علمانيين، وإنما بكونهم ينتمون إلى فئة مختلفة، يمكن تسميتها ب “الزندقة اليهودية”، التي تمثل نتاجًا للصراع مع الأرثوذكسية اليهودية الأوروبية. ويعبر المبعوث عن وجهة نظر “إثنية” يهودية، ينغرس فيها القومي والعلماني ويندمجان معًا، وبالتالي تكمل هاتان الصيغتان من الكلام بعضهما بعضًا.

ومع ذلك، برز الاعتراض على ظاهرة شبكات المبعوثين القومية “شداروت” في هذا السياق، ولم يكن ذلك إلا من المؤسسة الأرثوذكسية، التي وصمت المبعوثين الحديثين بالمهرطقين والخونة لديانة إسرائيل. ففي شهر كانون الأول 1994، أصدرت “المحكمة العليا للطائفة السفارادية في القدس” و”محكمة العدل لكافة التجمعات الأشكنازية”- وكلتاهما مؤسستان حاخاميتان- إعلانًا مشتركًا موجها إلى زعماء الطائفة اليهودية في إيران والعراق. وكتب الحاخامات في هذا الإعلان:

أخواننا الأعزاء، لقد تناهى إلى مسامعنا وببالغ المرارة… أن مبعوثين شبابًا من أرض إسرائيل ممن هجروا التوراة الوصايا ووصلوا إلى مدينتكم بنية تحريض اليهود الشباب الموجودين في بلاد فارس وتضليلهم وتعليمهم كي ينبذوا عبء التوراة والسلوك الحميد، وتعليمهم عقائد جديدة، لا قدر الرب، تتسم بالهرطقة والتجديف، ولن يكون لأي شخص يستمع إليهم ويتعلم من سلوكهم أي مكان في الحياة الأخرى.

لذلك، إخواننا الأعزاء، أنقذوا أرواحكم وأرواح أبنائكم واحذروا من الوقوع في شباكهم. هبوا جميعًا هبة رجل واحد وانبذوا الشر من بينكم ولا تتيحوا لهم موطئ قدم في مدينتكم، لا تأمنوهم على أطفالكم، لأن لا دين لهم ولا توراة ولا يعبدون رب إسرائيل.

لذلك، إخواننا الأعزاء، راقبوهم عن كثب وسوف تجدون أن ما نقوله هو عين لصواب. إنهم في مدينة القدس المقدسة معروفون تمام المعرفة ومنبوذون، ولقد جاؤوا إليكم وهم يحسبون أنكم يهود سذج وأنهم يستطيعون أن يخدعوكم، لا قدر الرب. ولذلك، افتحوا عيونكم على هذا الأمر الفظيع وأنقذوا أطفالكم وأرواحكم. لا تقتربوا منهم ولا تقرأوا كتبهم، لأنهم يفيضون بالهرطقات، لا قدر الرب. احموا كينونتكم اليهودية مثلما كان ديدنكم على مدى آلاف السنين ولا تثقوا بما يتفوهون به، لأن كل ما يقولونه إنما هو كذب وخداع. احموا كينونتكم اليهودية وحافظوا عليها.

نرجو قراءة هذا الإعلان في كنس المدينة.

تدل هذه الوثيقة على ما تنطوي عليه هذه الرسالة من تناقض ومفارقة، معاً، إذ هي تحذر، حسبما يرى أوسيشكين، من تكريس الممارسة الدينية ضمن الممارسة القومية. فقد اتهم الحاخامات المبعوثين، الذين حطوا رحالهم في تلك البلاد بصفة دينية وافترضوا أنهم يشاركون في بعثة مقدسة، ب”تحريض” اليهود المحليين و”تضليلهم” وبتعليم عقيدة كانت “تتسم بالهرطقة والتجديف”، وأنه “لن يكون لأي شخص يستمع إليهم ويتعلم من سلوكهم أي محل في الحياة الأخرى”. فقد استثار المبعوثون القوميون، الذين جسدوا الحداثة الحقيقية، الآليات الدينية القديمة وما قبل القومية وهجنوها ثم طهروها. وكان من الطبيعي أن تعارض الزعامات الحاخامية، التي لم تكن حديثة على الإطلاق، هذا التوجه…

الخلفية التاريخية لهجرة يهود العراق

في الفترة الواقعة بين العامين 1949 و 1951 – وهي الفترة التي دارت فيها أحداث الدراما التي نتناولها في هذا الفصل- كان ما يقرب من 130.000 يهودي يعيشون في العراق، وكانوا يمثلون ما نسبته 3 في المئة من سكان البلاد. وكان أكبر التجمعات اليهودية في بغداد ثم في البصرة، إذ كانت هاتان المدينتان تؤويان معًا نحو 75 في المئة من اليهود في العراق.  وبعد ثلاثة عقود، أفرز الفرنسيون والبريطانيون، الذين حلوا محل العثمانيين في الشرق الأوسط في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تطورين مهمين في المنطقة. أولهما بروز القومية العراقية القوية بعدما أدرك العراقيون أن البريطانيين لم يأتوا إليهم بصفتهم محررين. وكانت النتيجة المباشرة التي تمخضت عن ذلك انتفاضة عراقية ضد الاحتلال في العام 1920. وقد حصل العراق على استقلال مشروط في العام 1932. وظل العراق يرزح حتى العام 1941 ، حيث أخفقت الثورة التي قادها رشيد علي الكيلاني، تحت نير قومية منيعة لم يهدأ لها أوار مع العلاقات التي أقامتها مع ألمانيا النازية من أجل التخلص من النفوذ البريطاني. وفي المقام الثاني، كان النشاط الصهيوني في الشرق الأوسط يمتد على نطاق أوسع على الرغم من النشاط المكثف الذي نفذته الحركة الصهيونية ولم يستهل في العراق حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان التفاعل الذي حصل بين هاتين القوتين الاجتماعيتين- القومية الصهيونية والقومية العربية العراقية- ولا سيما حول مسألة فلسطين، حاسما ومقررا في حياة يهود العراق، مما أوصلها، في نهاية المطاف، حداً لا يتصوره المرء.

كان ينظر إلى يهود العراق، مثلهم مثل غيرهم من اليهود العرب، على أنهم احتياطي سكاني رئيسي من شأنه ترجيح كفة التوازن الديمغرافي في فلسطين لصالح اليهود.

وفي شهر حزيران 1941 ، شن القوميون العراقيون اعتداءً وحشيًا على اليهود القاطنين في بغداد، وذلك عقب فرار رشيد علي وقبل أن تعود القوات البريطانية وتدخل إلى المدينة من جديد. وقد خلف هذا الهجوم، الذي عرف باسم “مذبحة الفرهود”، نحو 250 شخصًا، معظمهم من اليهود، ما بين قتيل وجريح. ولم تتهرب حكومة رئيس الوزراء نوري السعيد من المسؤولية الواقعة على عاتقها، حيث صدرت أحكام بالإعدام بحق ثمانية من المعتدين، من بينهم ضباط في الجيش وأفراد من الشرطة. وبعد هذا الهجوم الذي شهده العام1941 ، شرعت القيادة الصهيونية في التفكير مليًا في الوسائل التي تكفل “صهينة” يهود العراق، وربما تنظيم هجرة قسم منهم إلى إسرائيل. وفي هذا السياق، نشرت “اللجنة القومية” (السلطة التنفيذية التي شكلت مجلس الدولة المرتقبة إسرائيل إبان الانتداب البريطاني في فلسطين) رواية مبالغًا فيها ومشوهة عن حادثة الفرهود، حيث وصفتها بأنها مجزرة وحتى “هولوكوست”(محرقة)(انظر الفصل الخامس). وكان التقييم الذي خرج به زعماء اليهود أن الأثر الذي خلفته حادثة الفرهود يجب أن يؤجج المشاعر الصهيونية بين صفوف يهود العراق وأنه ينبغي استغلال الزخم الذي أفرزته هذه الحادثة من أجل جلب اليهود العراقيين إلى فلسطين. وقال إسحق بن تسفي، الذي أصبح فيما بعد الرئيس الثاني لدولة إسرائيل، في ذلك الحين: “ينبغي استغلال الإحساس بحالة الهياج الذي تغلي به صدور اليهود في العراق من أجل نقل الشباب وتدريبهم على العمل الإنتاجي في فلسطين، حيث يعملون بمثابة الطلائع الرياديين الذين سيحذو حذوهم جميع يهود بابل(العراق). ولم ينكر نوري السعيد جسامة هذه الاضطرابات وفداحتها في اجتماع عقده مع دافيد بن غوريون، زعيم المجتمع اليهودي في فلسطين، خلال شهر تموز 1941، ومع ذلك، ادعى السعيد بأن سبب هذه المشاكل يكمن في “مشكلة فلسطين”، وأضاف أنه لم يكن ليقبل بالهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها حلً لهذه المشكلة.

وصل أوائل المبعوثين الصهيونيين (بعد واقعة الفرهود) إلى العراق في العام 1942 ، وباشروا العمل على تنظيم حركة “هحالوتس” (الطلائعي) وإنشاء منظمة “هاشورا”، وهي منظمة عنيت بالدفاع عن اليهود. وحسبما أشرنا في الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب، يعزى النجاح الذي سجلته الحركة الصهيونية في العراق إلى التعاون مع البريطانيين وإلى وجودهم فيه بصفة عامة. فقد كان المبعوثون الأولون يعملون بصفتهم جنودًا في الجيش البريطاني وممثلين عن شركة “سوليل بونيه”، وهي شركة المقاولات التي تعود ملكيتها للاتحاد العام لنقابات العمال الذي رست عليه العطاءات العامة في إيران والعراق. وعلى الرغم من أن المصلحة المباشرة التي أبدتها الحركة الصهيونية في يهود العراق أبصرت النور بفعل حادثة الفرهود، فقد كان لها دوافع أخرى أيضًا، وهي دوافع لم تكن ترتبط بالضرورة برفاهية المجتمع اليهودي هناك. فالعراق كان بمثابة محطة مهمة في حركة النقل البري للاجئين اليهود الذين وصلوا من أوروبا الشرقية إلى الحدود السوفييتية- الإيرانية. وكانت الضرورة تقتضي تأمين المساعدة الدائمة على طول الطريق الذي يمتد عبر أراضي العراق وإيران من أجل نقل هؤلاء اللاجئين إلى فلسطين. وكانت الحركة الصهيونية في أوروبا ترى ضرورة إنشاء مركز صهيوني في العراق. وبعدما أدركت القيادة اليهودية حجم المحرقة، برز إلى الوجود سبب آخر حضها على إبداء الاهتمام بيهود العراق، وهو: تعزيز التوازن الديمغرافي اليهودي في فلسطين (أنظر الفصل الأول). وكان ينظر إلى يهود العراق، مثلهم مثل غيرهم من اليهود العرب، على أنهم احتياطي سكاني رئيسي من شأنه ترجيح كفة التوازن الديمغرافي في فلسطين لصالح اليهود. فكما جاء على لسان أحد المتحدثين في اجتماع عقدته اللجنة المركزية لحزب “مباي”، وهو الحزب اليهودي المهيمن في حينه (وسلف حزب “العمل”): “نحن نستطيع أن نلخص دورنا فيما يتصل بهؤلاء اليهود في جملة واحدة: الغزو الصهيوني لتلك الطوائف المنتشرة في الشتات من أجل تصفيتها ونقلها إلى أرض إسرائيل… نحن لا نعرف عدد اليهود الذين لن يبرحوا أماكنهم في أوروبا بعد حملة الإبادة (التي يشنها النازيون) ضدهم”. وكان القرب الجغرافي بين العراق وفلسطين يعد ميزة يحسن استغلالها: “من الأسهل (علينا) أن نصل إلى هناك… وبالنسبة إليهم، أيضًا، من الأسهل إليهم الوصول إلى أرض إسرائيل”.

وكان ممثلو حركة العمال في القيادة الصهيونية يعتقدون بضرورة الإسراع في التسلل إلى العراق وإنشاء حركة صهيونية هناك. ولا تقتصر الأسباب التي تقف وراء ذلك على استباق المحاولات التي ستبذلها الحركة التصحيحية أو الحزب الشيوعي العراقي بغية تأمين موطئ قدم بين ظهراني يهود العراق. وكان النشطاء الصهيونيون الذين أنشأوا حركة “هحالوتس”(الطلائعي) في العراق شرسين في المساعي التي بذلوها لإقصاء المبعوثين الذين لم يكونوا تحت سيطرة حركة العمال اليهودية. ومن الجدير بالتنويه أنه لم تكن ثمة حركة صهيونية محلية تعمل في العراق كقاعدة يستند إليها هؤلاء المبعوثون ويبنون عليها. ولم يشهد يهود العراق “صحوة” صهيونية ولم يكونوا يرون في فلسطين خيارًا يجتذبهم. ففي مطلع العام 1941، التقى إلياهو إبشطاين(إيلات)، من الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، مع مجموعة من اليهود العراقيين الموسرين الذين هربوا من طهران، ولكنه عجز عن إقناعهم بالاستيطان في فلسطين واستثمار رؤوس أموالهم فيها. وقد أخبره بعضهم، بكل صراحة، بأنهم لم يكونوا يؤمنون بالصهيونية، وبينوا له أنه لا نية لديهم لتشريد عرب فلسطين وأن الهجرة إلى فلسطين تعد مجدية لليهود المعوزين أو ممن كان لهم أقارب فيها. وعلى هذا المنوال، أفصح اللقاء الأول الذي جرى بين المبعوثين الصهيونيين والطائفة اليهودية في العراق خلال العام 1942 عن مدى اتساع الهوة التي تفصل يهود العراق عن فكرة الصهيونية السياسية. وفي هذا الصدد، قال إينزو سيريني عن يهود العراق إنهم “لا يفكرون على شاكلة الصهاينة ولا هم يملكون حتى فطرة لصهيوني”. وسيريني هذا ينحدر من كيبوتس “جفعات برينير” وقد وصل إلى العراق- مثلما نستذكر من الفصول الآنفة- متخفيًا تحت ستار عامل بناء في شركة “سوليل بونيه”، بينما كانت مهمته الحقيقية تنظيم نشاط المبعوثين الذين أرسلتهم منظمة “هموساد لعلياه ب”(“منظمة الهجرة الثانية”) وهي الوحدة التي تولت تنظيم الهجرة اليهودية غير الشرعية إلى فلسطين.

وينقل أرييه إيشيل، الذي أرسل هو الآخر إلى العراق بصفته عاملً في شركة “سوليل بونيه”، تقريرًا بالروح نفسها: “قيل لي إنهم صهاينة… وأنهم مستعدون لل”علياه”..(ولكن)  كل ذلك ليس صهيونيًا ولا يكتسي صفة الحنين لأرض إسرائيل ولا الاستعداد لل”علياه”… (إنه) نفاق مريع، وأقصى درجات السمات الشرقية”. كما أفاد مبعوثان من طائفة “الكويكر”بعد أن زارا العراق بأن “اليهود الذين تحدثنا إليهم لا يعتبرون إسرائيل الحالية تجسيداً للنبوءة التوراتية… وقد فهمنا أنهم لا يؤمنون بالصهيونية السياسية”. كما كان ممثلو الوكالة اليهودية في العراق يدركون التباين القائم بين الأيديولوجيا الاشتراكية وأسلوب حياة اليهود المحليين. ففي الاجتماعات الداخلية التي كانت الوكالة اليهودية تعقدها، كان المجتمعون يعبرون على خيبة أملهم من الصفة “غير الإنتاجية” لليهود العراقيين الذين استوطنوا في فلسطين، بالمقارنة مع يهود اليمن الذين كان ينظر إليهم على أنهم منتجون ومفيدون.

كان يهود العراق يتعاطفون، بدرجة كبيرة، مع الحزب الشيوعي المحلي، كما كان عدد ليس قليلا من شبابهم أعضاء في هذا الحزب أو في رابطة مناهضة الصهيونية (“Anti-Zionist League”) فقد كان يهود العراق، الذين كانوا ينحدرون في معظمهم من أسر ميسورة، على وعي بالأضرار التي قد يرتبها انتسابهم إلى الصهيونية على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكانوا يميزون بين هويتهم اليهودية والهوية الصهيونية. كما أن اليهود الذين غادروا العراق بالفعل استقروا في أوروبا وأميركا الشمالية، وليس في فلسطين…

كان من غير المجدي بالنسبة إلى يهود العراق أن يبقوا في أرض أسلافهم- وهو أمر عرف بالتيار العراقي- لسببين يتداخلان معاً. كان أحد هذين السببين يتمثل في القومية العربية والعراقية الناشئة. فقد احتدم الوضع بسبب انضمام رئيس الوزراء نوري السعيد إلى الحكومة التي شكلها حزب الاستقلال اليميني القومي. وقد أبلغت وزارة الخارجية العراقية وزارة الخارجية في واشنطن بأن القلق كان ينتاب حكومة العراق بشأن تدخلات الشيوعية والصهيونية في أوساط اليهود. وكان السبب الآخر الذي اضطر اليهود إلى مغادرة العراق يكمن في النشاطات التي نفذتها حركة “هحالوتس” في العراق، والتي أثارت النظرة إلى الكثير من أبناء الطائفة اليهودية باعتبارهم صهاينة، وتصويرهم بالتالي على أنهم من الطابور الخامس. وقد شكلت إقامة دولة إسرائيل في شهر أيار 1948 حافزًا للقوميين العراقيين. وبصورة حازمة، جرت المطابقة بين اليهود والصهيونية، التي اعتبرت خارجة على القانون في العراق في شهر تموز 1948. كما طرد اليهود الذين كانوا موظفين في قطاع الخدمات المدنية، ووضع أبناء الطائفة اليهودية بعمومهم تحت عين الرقابة. وبذلك، أفرزت الأفعال التي أقدمت عليها الحركة الصهيونية في العراق واقعًا بدا أنه يسوغ وجودها هناك، وبأثر رجعي. وحسبما استشرفه بن تسيون يسرائيلي، وهو أحد مبعوثي الوكالة اليهودية في العراق، في العام1943: “إنهم (اليهود العراقيون) عرضة لأن يكونوا أول من يدفع ثمن مشروعنا في أرض إسرائيل”.

وقد خطرت لنوري السعيد، بعد بفترة وجيزة من وصول حكومته إلى سدة الحكم في شهر كانون الثاني 1949 ، فكرة إبعاد اليهود العراقيين إلى إسرائيل. ولكن السفير البريطاني في فلسطين حذره من أن إبعادهم قد يفرز تداعيات خطيرة لا يمكن توقعها. وبين السفير أن إسرائيل قد ترحب بوصول العمالة اليهودية الرخيصة وقد تطلب من الدول العربية، في المقابل، أن تستوعب اللاجئين الفلسطينيين. ووجهت وزارة الخارجية تعليماتها، في شهر شباط 1949 ، إلى السفير البريطاني في بغداد، السير هنري ماك، بتحذير نوري السعيد من طرد اليهود، بداعي أن طردهم سوف يترك آثارًا وخيمة على موقف الدول العربية. وفي شهر آذار 1950، سن العراق قانون الحرمان من الجنسية- الذي دخل حيز النفاذ والسريان على مدى سنة واحدة- وهو قانون مكّن اليهود من مغادرة البلاد بعد التخلي عن مواطنتهم. وفي ضوء ذلك، تم نقل ما يزيد عن ١٠٠٫٠٠٠ يهودي من العراق إلى إسرائيل في الفترة الممتدة من شهر أيار 1950 إلى شهر حزيران1951. وقد وصل جميع هؤلاء إلى إسرائيل عن طريق الجو. وقد نقل نحو٠٠٠ ٦٠٫  من هؤلاء إلى إسرائيل على مدى الشهور الثلاثة الأخيرة من هذه العملية، وذلك بين شهري آذار وحزيران 1951، ولم يكن لك إلا بعد أن وضعت الحكومة العراقية يدها على ممتلكاتهم. وبذلك، تم اقتلاع مجموعة سكانية بأكملها وتعرضت حقوقها- وحقوق أبنائها- في تقرير مصيرهم للاغتصاب. علاوةً على ذلك، حرمت هذه المجموعة من حقوقها الاقتصادية ومن الحق في تقرير المكان الذي تعيش فيه والأمة التي تختار أن تكون جزءًا منها. وربما الأنكى من ذلك هو اغتصاب ذاكرة المجموعة وزرعها في رواية مختلفة- الرواية الصهيونية– التي لم يكن لليهود العراقيين سوى دور ضئيل في بنائها (انظر الفصل الخامس أدناه)…

وقد مارس رئيس الوزراء توفيق السويدي، وهو خريج شبكة المدارس التابعة للتحالف الفرنسي-اليهودي، الضغط لوضع هذا القانون موضع التنفيذ. وكان من جملة أصدقائه اليهود زعيم الجالية اليهودية يحزقيل شمطوف، والمبعوث الصهيوني مردخاي بن بورات، اللذان أسهما في سن هذا القانون. وقد تنازل أولئك الذين غادروا العراق بموجب أحكام هذا القانون عن حقهم في العودة إلى هذا البلد مرة أخرى، إضافة إلى تنازلهم عن جنسيتهم العراقية. وكان من المقرر أن يبقى القانون المذكورة ساري المفعول لمدة سنة واحدة. ولم ينبس القانون ببنت شفة عن الأملاك. ومع ذلك، لم يدفع سن القانون نفسه اليهود إلى التسجيل للهجرة. وفي واقع الحال، ما زال السؤال الذي يحدد الدافع الذي حدا بالسكان اليهود إلى المغادرة الجماعية معلقًا لا يجد له حلً، حتى الآن. ولكننا نعلم يقينًا أن قنبلة يدوية متشظية انفجرت على مقربة من مقهى يهودي في يوم 8 نيسان 1950 ، وأن زيادة هائلة طرأت على أعداد المرشحين للهجرة (من 150 إلى٠٠٠ ٢٣٫ مرشح) عشية هذه الحادثة. وعلى مدى السنة التالية أو نحوها، وقعت أربعة تفجيرات مشابهة في مواقع يرتادها اليهود، حتى شهر حزيران 1951. وترى الرواية التي أطلقها مناصرو الصهيونية حول هذه الأحداث أن قوميين عراقيين هم الذين ألقوا هذه القنابل. وترى رواية مختلفة علاقة مباشرة بين هذه التفجيرات الخمسة التي استهدفت اليهود في بغداد ومعدل تسجيلهم بغية مغادرة البلاد في الفترة الواقعة بين شهري آذار1950 وحزيران 1951. وطبقاً لوجهة النظر هذه، لا نستطيع أن نستبعد احتمال أن يكون المبعوثون الصهيونيون قد استفادوا من هذه الحوادث واستغلوها لبث الذعر في نفوس اليهود وحضهم على التسجيل للهجرة. وتنطوي رواية ثالثة على احتمال معقول يرى أن التفجيرات كانت بمثابة مبادرة محلية أطلقتها الحركة السرية الصهيونية، دون علم قيادتها في إسرائيل. ووفقًا لهذا التفسير (الذي لا تعززه أي وثائق)، كان المبعوثون والنشطاء المحليون يريدن أن يمارسوا الضغط على الحكومة الإسرائيلية، التي كانت تتلكأ في جلب اليهود من العراق بسبب الأولويات التي وضعتها لهجرة اليهود من رومانيا وبولندا. ولا نملك، حتى هذا التاريخ، أدلة واضحة تعزز أياً من هذه الروايات.

العلاقات بين اليهود والمسلمين

بداية، ينبغي علينا التفريق بين صورتين متناقضتين للعلاقات التي كانت قائمة بين اليهود والمسلمين في الدولة العربية: العصر الذهبي مقابل المذابح والاضطهاد. ولا تستند أي من الصورتين إلى أساس تاريخي يؤيدها، وإن كان السبب في ذلك ينحصر في استحالة حصر فترة تمتد عبر مئات السنوات في تمثيل نمطي مركز. والأهم من ذلك أن كلتا الحالتين تشكلان استخدامًا انتهازيًا للتاريخ لضرورات الزمن الراهن. ونحن نقترح أن ننأى بأنفسنا عن السعي إلى دراسة هاتين الصورتين اللتين تعكسان الواقع القائم من الناحية العملية وأن نتساءل، عوضًا عن ذلك، عن الأسباب التي تقف وراء استيعاب صور معينة من صور الواقع وإعادة إنتاجها مع مرور الزمن وعن القوى الاجتماعية التي تستفيد منها. ويكمن جانب من الإجابة عن هذا السؤال في الجدل التأريخي الذي ثار حول هذا الموضوع.

وقد حدد مارك كوهين ما يسميه “تصور البؤس الجديد في التاريخ اليهودي”، وذلك بناءً على الادعاء المعياري الذي يرى أن أحد المصادر الرئيسية التي ترتكز عليها الصهيونية يتمثل في معاداة السامية في أوروبا، ولا سيما قضية درايفوس ومجازر كيشينيف والمجزرة التي تعرض لها اليهود في روسيا وأوكرانيا على يد البيض إبان الثورة الروسية. وقد اكتسى هذا التصور صدى أكبر في أعقاب الهولوكوست. ويفترض كوهين، على نحو يذكرنا بالجدل الذي دار بين “المؤرخين الجدد” و”المؤرخين القدماء” في إسرائيل خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، بأن الساسة والمفكرين يستحضرون المنهجيات المختلفة في هذه الحالة أيضًا من أجل تدعيم المواقف التي يتبنونها حيال القضايا السياسية المعاصرة.

وتكمن النتيجة التي يفضي إليها هذا الوضع في إعادة إنتاج قطبين خرافيين. فالدعاية العربية تعزز أحد هذين القطبين (العصر الذهبي)، الذي يستحضر خرافة طوباوية لكي يكيل الاتهامات للصهيونية بسبب تدمير العلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين اليهود والمسلمين منذ العصر الذهبي في إسبانيا. أما القطب الثاني (تصور البؤس الجديد) فتدعو إليه الدعاية الصهيونية بغية التدليل على أن الصهيونية- التي تبعد كل البعد عن إحداث شرخ في العلاقات اليهودية-الإسلامية- أنقذت يهود البلاد العربية من مصير مرير، كان يتربص بهم لو أنهم هم بقوا فيها.

ووفقًا لما يراه كوهين، فقد تركز هذا التوجه على نحو أكبر خلال العقد السادس من القرن الماضي بعد انتشار ظاهرة معاداة السامية في الدول العربية، وبعد المحاولة التي بذلت لتفسير مصادرها بصورة مستقلة عن القومية الصهيونية. فعلى سبيل المثال، بيّن الكاتب اليهودي التونسي الفرنسي ألبرت ميمي، في مقالة نشرها في جريدة “هآرتس” في العام 1974 تحت عنوان “من هو العربي اليهودي؟”، أن المضي في تسمية اليهود الذين ينحدرون من الدول العربية بعبارة “اليهود العرب” وتصوير ماضيهم في صورة مثالية هو بمثابة غرق في بحر من الخيال. ويقول ميمي: “لقد أردنا أن نكون ’يهودًا عربًا‘، ولكن العالم الإسلامي رفض ذلك وصار عدوانيًا”. وينبغي أن تتعامل أي محاولة تجري الآن لرسم صورة مثالية للعلاقات اليهودية-الإسلامية مع سياسة الراهن، مع أنها لن تقدم صورة مخلصة للماضي. وقد واصل هذا النوع من التأريخ التطور في الدوريات الصهيونية واليهودية التي كانت تصدر في الولايات المتحدة، حيث اتسم بمحاولة دؤوبة لتصوير الإسلام على أنه يتخذ نهجًا عدوانيًا، ولا سيما خلال الفترة التي سبقت ظهور الصهيونية. وفي العام 1985 ، نشرت مؤلفة اسمها بات ييئور(وهو اسم مستعار يعني “بنت النيل”)، وكانت عضوًا في المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية، كتابًا وصفت فيه وضع اليهود (والمسيحيين) تحت حكم الإسلام على شاكلة وضع أهل الذمة المضطهدين، أو الطوائف الزبائنية. وشبهت الكاتبة وضع اليهود في البلدان الإسلامية بوضع الأقنان في أوروبا في العصور الوسطى. ومن الأمثلة الأخرى على التوجه الذي يعتمد تصور البؤس الجديد الكتاب الذي ألفه شموئيل موريه وتسفي يهودا “كراهية اليهود والمجازر في العراق (Jew Hatred and Pogroms in Iraq) من منشورات مركز تراث يهود بابل (الذي عرجنا على ذكره آنفًا).

ويكتسب هذا النقاش مصداقية في إسرائيل، وعلى نحو بارز ضمن سياق المحاولة التي ترمي إلى تفسير التوجه اليميني الذي يتبناه المشرقيون، بالمقارنة مع الأشكنازيين، وذلك من خلال عزو كراهيتهم للعرب إلى المعاناة الطويلة التي تعرضوا لها في الدول العربية. فعلى سبيل المثال، يسلم عالم الاجتماع يوحنان بيريس بأن التوجه الذي يراه تصور البؤس الجديد يمثل حقيقة تاريخية، ويعزو أنماط التصويت المنتشرة بين المشرقيين إلى تاريخ انطوى على “التمييز أو الإذلال على أيدي جيرانهم على مدى الأجيال”. وعلى خلاف بيريس، يفترض يوسي يونا انعدام وجود عنصر تقريري في العلاقات اليهودية-الإسلامية التي كانت سائدة في الدول العربية، والذي من شأنه أن يملي على المشرقيين اعتماد موقف سلبي تجاه العرب. بل على النقيض من ذلك، يرى يونا أن المصدر الذي ينبع منه هذا الموقف السلبي موجود في إسرائيل نفسها، وعلى وجه الخصوص في ما قامت به إسرائيل من نزع للصبغة العربية عن المهاجرين من الدول العربية. وقد اتهم يونا، في معرض الرد عليه، باعتماد استخدام غير انتقائي لخرافة العصر الذهبي في سياق الصراع السياسي الذي يدور حول الذاكرة المشرقية في إسرائيل (رسالة بعث بها أحد القراء إلى مجلة “تيكون”). كما تقدم نشرة “مَعيان هَشَفواع”، وهي النشرة التي تصدرها شبكة “إل هَمعيان” التعليمية التابعة لحركة “شاس”، منهجية تقوم على تصور البؤس الجديد وتبدي الاستياء تجاه هذا الوصف الذي يرصد تاريخ اليهود في البلدان العربية، والذي لا يحظى بالقبول ضمن إطار الرواية القومية الصهيونية، التي لا تشتمل على قصص الاضطهاد الذي تعرض اليهود الأوروبيون له:

نحن نسأل قراءنا: من منكم سمع بالمذابح التي اقترفها إدريس في المغرب، والتي قتل فيها عشرات الآلاف من اليهود، قبل نحو ثلاثمئة عام من الحروب الصليبية؟ من منكم سمع بالدولة اليهودية التي قامت على أطراف الصحراء الكبرى وتعرضت للإبادة على يد المسلمين… في المغرب، في الجزائر، في ليبيا وفي تونس… عن قتل الآلاف من اليهود في فاس… عن مذابح مولاي محمد ومذابح بوكبير… ونوجه هنا سؤالً ملحًا إلى وزارة المعارف والمسؤولين الذين يتولون المسؤولية عن المناهج. نحن ملزمون، بالتأكيد، بتعلم تاريخ شعبنا، من الحروب الصليبية حتى المذابح التي ارتكبت بين العامين 1648 و 1649 (في أوكرانيا) والمحرقة الرهيبة. ولكن لماذا تتركز جميع التقارير في قارة واحدة؟.

ولذلك، تختزل منهجية تصور البؤس الجديد العلاقات التي استمرت على مدى قرون في قصة جوهرانية ضيقة ذات بعد واحد، وتنتظم ضمن صيغة قومية غائية وتعطى غطاءً من المعرفة التاريخية. ويعد الموقف الذي تبنته المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية نموذجًا لمنهجية التأفف التي ترفض قدرة اليهود العرب على تمثيل أنفسهم إلا من خلال وجهة النظر المرتكزة على أوروبا. ففي إحدى النشرات الصادرة عن المنظمة في العام 1975 ، يرى موريس روماني: “إن الاضطهاد الذي مارسه العرب بحق اليهود ليس… ظاهرة بدأت بعد العام 1948 ، بل تضرب هذه الظاهرة جذورها في الإسلام وهي لا تزال صفة ثابتة في العلاقات القائمة بين اليهود والمسلمين منذ عهد محمد”.

وقد عمدت المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية إلى دعوة الخبراء في شؤون الشرق الأوسط للمشاركة في النقاشات التي تجريها لكي تضفي صلاحية علمية على منهجيتها. واقترح هؤلاء الخبراء اعتماد خطاب استشراق يصور الهوية العربية باعتبارها الصورة السلبية للهوية الإسرائيلية اليهودية وإعادة إنتاج نموذج مضاد وبديهي للعلاقات بين العرب والمسلمين. فمثلً، تطرق تيودور بارفيت، من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن والضيف المتحدث في المؤتمر القومي الثالث الذي عقدته المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية، إلى “خرافة التسامح المثالي تجاه اليهود في الدول الإسلامية”. وقد استند بارفيت، من جملة المصادر التي استند إليها، إلى أعمال المستشرق الشهير برنارد لويس، التي وبخ فيها الغرب على إخفاقه في فهم العقلية الإسلامية. وافترض بارفيت أن المستشرقين اليهود هم من اخترعوا هذه الخرافة في الجامعات الغربية المرموقة، حيث كانوا قد استهلوا دراسة التعايش بين اليهود والمسلمين في مطلع العصور الوسطى، وكانوا يأملون- وبفعل التفاؤل الذي شهده القرن التاسع عشر- في إمكانية تطبيق ظروف مماثلة من التسامح والتعاون في أوروبا أيضًا. ويرى بارفيت أن هذا النموذج كان بمثابة “وهم وقع فيه تخصص التأريخ الاستشراقي الأوروبي. إنه محاكاة ساخرة للحقيقة… كان يتعين على اليهود الذين عاشوا في سورية في العصور الوسطى تعليق نجمة داود باللون الأصفر”.

وتجدر الإشارة إلى الصور التأريخية المتطابقة التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من هذه الفرضية. فلويس وبارفيت، على حدّ سواء، يجادلان بأن النظر إلى العلاقات اليهودية-الإسلامية وكأنها كانت طيبة إنما سببه وهم تأريخي كان المؤرخون الأوروبيون اليهود يضمرونه وقدموه باعتباره حقيقة تاريخية. وبالطبع، يستطيع المرء أن يقلب هذا الادعاء رأسًا على عقب، وأن يؤكد على أن بارفيت ولويس وغيرهما ينظرون إلى العلاقات القائمة بين المسلمين واليهود بوصفها عدائية لأنهم يسقطون نموذج العلاقات اليهودية-المسيحية في أوروبا على الشرق. وكان فعل الإسقاط هذا مقبولً باعتباره حقيقة تاريخية ثم تحول إلى حكمة تقليدية بسبب هيمنة التأريخ الصهيوني ونظرة الغرب حيال الخطر الذي تشكله الأصولية الإسلامية. ومما لا شك فيه أن أيًا من الفرضيات التي ترد في لعبة المرايا التأريخية هي ليست الحقيقة بعينها. ونحن لا ننوي في هذا المقام أن نميط اللثام عن الحقائق التاريخية، إلا في حالات استثنائية، هي التي يختلف فيها التوصيف اختلافًا كليًا عن الأحداث التي وقعت بالفعل. وما يهمنا للأغراض التي حددناها يكمن في أنماط الخطاب ونوع الرواية التي أضحت تشكل جزءًا من صندوق الأدوات البلاغية التي توظفها القومية الإسرائيلية، والدلالات التي ينطوي عليها هذا الأمر بالنسبة إلى الخطاب المشرقي في إسرائيل. وفضلً عن بارفيت، كان من المتحدثين الآخرين في المؤتمر المذكور أيضا ميخائيل أغورسكي، وهو خبير في شؤون الاتحاد السوفييتي. وقد طلب إليه أن يحلل الصحوة القومية الإسلامية التي كانت على أشدها في حينه وآثارها المحتملة على هجرة اليهود إلى إسرائيل. ووفقًا لما يراه أغورسكي، فإن أحد الأسباب وراء هجرة اليهود من الاتحاد السوفييتي كان يكمن في العداوة القائمة بين اليهود والمسلمين هناك. وفي هذا السياق، شدد أغورسكي على العلاقة بين التطورات التي شهدها المسلمون في البلدان التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي والدول الإسلامية. وبذلك، أضاف أغورسكي رابطًا إضافيًا إلى السلسلة المعرفية التي شكلتها لعبة المرايا التأريخية: وهي صورة مستمدة من العالم المسيحي في أوروبا، بحيث يجري إسقاطه على العالم الإسلامي في الدول العربية، ويتم تدويره من هناك إلى العالم الإسلامي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.

واجهت الصهيونية صعوبات في تقبل اليهود الذين كانوا عربًا أيضًا بين صفوفها. فعلى خلاف الفلسطينيين، الذين خضعوا للتطهير الإثني والتعريب (بمعنى أنهم كانوا يعرفون كعرب وليس كفلسطينيين)، كان يتعين على اليهود العرب أن يمروا بعمليات “التحديث” بهدف طمس أصولهم العربية.

ويتبنى يعقوب ميرون أكثر المواقف الراديكالية بشأن العلاقات بين المسلمين واليهود، وهو أحد مسؤولي وزارة العدل وأحد أبلغ المتحدثين بلسان المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية منذ نشأتها. ويصرح ميرون بصراحة ووضوح لا مواربة فيهما بأن اليهود طردوا من الدول العربية، وهو في ذلك يقيم وجهة نظره على أساس نموذج عدائي. ويستشهد ميرون بفرضيتين لتأييد هذا الرأي الذي ينافح عنه، أولاهما أن اليهود كانوا يعيشون أوضاعًا مزرية في الدول العربية. ولإثبات ذلك، يسهب ميرون في وصف المذابح التي تعرض لها اليهود في العراق، وفي ليبيا وفي مصر. وترى الفرضية الثانية، التي تقوم على “دليلين” في أساسها، وجود سياسة منسقة اعتمدتها الدول العربية فيما بينها لطرد اليهود من أراضيها. ويتمثل الدليل الأول في التصريح الذي أدلى به الموفد المصري هيكل باشا أمام الأمم المتحدة في شهر تشرين الثاني 1947 ، حيث قال إن تقسيم فلسطين كان من شأنه أن يشكل تهديدًا لمليون يهودي “يعيشون في البلدان الإسلامية”. والدليل الثاني هو قرار اعتمد في اجتماع عقده بلوماسيون من جميع الدول العربية في بيروت خلال شهر آذار 1949 ، حيث نص على: “اذا اعترضت إسرائيل على عودة اللاجئين العرب إلى ديارهم، فسوف تطرد الحكومات العربية اليهود الذين يعيشون في بلدانها”. وقد رأى ميرون علاقة مباشرة بين هذين التصريحين ومغادرة اليهود من الدول العربية، ووصفهما بأنهما حصيلة نشاط منسق بين هذه الدول.

ومع ذلك، لا تتوافق الفرضية التي يطرحها ميرون مع التقارير التي كان النشطاء الصهيونيون في الدول العربية يرفعونها حول الصعوبات الجمة التي كانوا يواجهونها في مساعيهم التي رمت إلى جلب اليهود المقيمين هناك إلى إسرائيل. فعلى سبيل المثال، يصف شلومو هيليل الصعوبات التي واجهها هو وزملاؤه في المحاولات التي بذلوها لإخراج اليهود من العراق في سياق مشروع الهجرة غير الشرعية. وفي هذا المقام، يصف يوسف مئير الضيق الذي شعرت به القيادة العراقية من هجرة اليهود من البلاد إلى إيران والمحاولات التي بذلتها لمنعها. ويسرد هيليل ومئير حكاية المساعي التي قاموا بها من أجل إقناع نوري السعيد وتوفيق السويدي بالسماح لهما بجلب اليهود المقيمين في هذا البلد إلى إسرائيل. ويرى بعض الكتاب أن النشاط الصهيوني في الدول العربية استهل خلال عشرينيات القرن الماضي. ويشدد هذا النوع من الأدبيات السرية على عناصر الهروب، وتهريب اليهود من الدولة المعنية والسرية، ولكنه لا يلمح حتى إلى احتمال طرد اليهود من هذه الدول. ويوجه ميرون انتقادات للقصة الملحمية الصهيونية، التي ادعى بأنها لم تخضع للتمحيص والتدقيق الجديين إلى أن وصل حزب “الليكود” إلى سدة الحكم في العام ١٩٧٧. ويفترض ميرون أن هذه الملحمة الصهيونية مهدت الطريق لظهور مسميات رومانسية، من قبيل “عملية البساط السحري” و”عملية عزرا ونحميا”، والتي يرى أنها أبرزت الجانب الإيجابي للهجرة الصهيونية إلى إسرائيل وأدت إلى نسيان الحقيقة التي تقول بأن هجرة اليهود كانت بسبب “سياسة الطرد التي انتهجتها الدول العربية”.

ومن المهم أن نلاحظ أن أطروحة طرد اليهود تعتبر استثنائية حتى في أوساط الباحثين الصهيونيين الذي درسوا اليهود العراقيين، أو الباحثين الذين تصدوا لليهود في العالم الإسلامي بعمومه. وبالطبع، يرفض المفكرون الأكثر راديكالية (مثل شبلاق- Shiblak) هذه الأطروحة برمتها. وبالتالي، يتناقض التوجه الذي يعتمده ميرون مع الأدبيات الصهيونية ويتسبب بإضعاف فرضياتها الأساسية. فإذا كان ينظر إلى وضع اللجوء الذي آل إليه اليهود في الدول العربية على أنه نتيجة لطرد منسق، فإن أهمية العنصرين المحوريين اللذين يؤلفان الرواية الصهيونية- المساعي الصهيونية لإخراج اليهود من الدول العربية ووجود وعي صهيوني بين المهاجرين الجدد- ستتلاشى في جانب لا يستهان به منها. بل إن الرواية الأكثر اعتدالً، والتي ترى أن اليهود في الدول العربية وقعوا فريسة لأحداث عاصفة وصاروا لاجئين بسبب الظروف التاريخية، تتحدى الرواية الصهيونية الكلاسيكية من خلال استبعاد الدور المنسوب إلى الوعي الصهيوني كسبب للهجرة إلى إسرائيل.

اليهود العرب بوصفهم فئة هجينة في الممارسة والخطاب

في الوقت الذي درسنا فيه القومية باعتبارها ممارسة وليست مجموعة من التصنيفات المادية، فمن الممكن مع ذلك أن نخلص إلى بعض النتائج المفاهيمية العامة حول القومية الحديثة. فعلى المستوى النظري (وعلى خلاف المستويين التاريخي أو الذاتي المقارن(، نستطيع أن ندرس الطريقة التي تعتمدها القومية الحديثة في بناء نفسها وحدودها الذاتية. وبالفعل، فقد بينّا في مواضع شتى من هذا الكتاب أن القومية تلجأ إلى الدين والدالات الدينية والإثنية البدائية من أجل صياغة هويتها بوصفها علمانية وحديثة. ولنا أن نستنتج بأن حدود المجتمع لا يمكن رسمها، كما لا يمكن التمييز بين اليهود العرب والعرب، من خلال الأدوات الحديثة والعلمانية التي توظفها القومية وحدها. وهذا ما كان يخطر في بال بنديكت أندرسون عندما لاحظ المفارقة بين “الحداثة الموضوعية للأمم في نظر المؤرخ مقابل عراقتها الذاتية في عيون القوميين”.

وقد أشرنا إلى أن اليهود العرب يملكون وضعًا حديًا وهجينًا ومتحولً في إطار النظريات المعرفية القومية والكولونيالية التي تخيلت الصهيونية نفسها ضمنها. فمن جانب، كان ينظر إلى هؤلاء اليهود في الخطاب الصهيوني بوصفهم عنصرًا أصيلً من المجتمع القومي وبوصفهم تعبيرًا عن أسسه البدائية الأولانية. وكانوا يخضعون، من جانب آخر، لنظرية معرفية كولونيالية، بحيث جرت شرقنتهم وعرقنتهم ضمن هذه النظرية المعرفية. وقد واجهت الصهيونية صعوبات في تقبل اليهود الذين كانوا عربًا أيضًا بين صفوفها. فعلى خلاف الفلسطينيين، الذين خضعوا للتطهير الإثني والتعريب (بمعنى أنهم كانوا يعرفون كعرب وليس كفلسطينيين)، كان يتعين على اليهود العرب أن يمروا بعمليات “التحديث” بهدف طمس أصولهم العربية. وكان نجاح المشروع الصهيوني يعتمد، في نهاية المطاف، على تصنيع هذه التصنيفات بوصفها متناقضات (التطهير). وكانت الضرورة تقتضي نزع السمات العربية عن اليهود العرب من أجل القضاء على أي تهجين واستكمال الثنائية بين العرب واليهود. ويمكن الوقوف على ممارسات التطهير هذه وفي أكثر صورها المادية في تنظيم الحيز، حيث عملت الدولة على بناء الحيزات الجغرافية المعزولة للعرب واليهود العرب. وقد اختزلت هذه الممارسة، سواء أكانت مادية أم رمزية، الغموض (التهجين) وخففت من حدة التهديد الذي كان مرتبطًا باستيعاب اليهود العرب، وهم ممثلو الشرق في الداخل، في إسرائيل. ولذلك، لم تكن التعددية الثقافية خيارًا مطروحًا في الحالة الإسرائيلية في الوقت الذي كانت فيه هذه التعددية ممكنة في الكثير من المجتمعات من خلال الربط ما بين تصنيفات الهوية (من قبيل الهوية الأفريقية الأميركية أو الإيرلندية الأميركية). ومع ذلك، فلم يختف التعريف الإثني أو العرقي الذي يعرف اليهود العرب على أنهم هجناء من الناحية العملية على الإطلاق…

طالما بقي التمييز بين الشرق والغرب يشكل عنصرًا مركزيًا في الصهيونية، فسوف تظل شرقنة اليهود العرب دائمة، بما يضمن الوضعية الثانوية التي يتبوأونها في المجتمع الإسرائيلي.

وينبغي لنا أن نذكر القارئ بأن دولة إسرائيل طبقت تكتيكات قمعية مماثلة على اليهود الآخرين كذلك. فقد أقصت اللغة الييديشية باعتبارها لغة شرعية واستعطفت الناجين من المحرقة على أساس “عقلية الشتات” التي تشكلت لديهم. ومع ذلك، كانت فئة اليهود العرب تثير القلق على وجه الخصوص، وذلك لأنها شكلت تهديدًا لنقاء المشروع الصهيوني-باعتباره غربيًا وحديثًا- وتهديدًا ل”الانقسام الكبير” الذي كانت الصهيونية تسعى إلى إنشائه بين اليهود والعرب. وبناءً على ذلك، فقد حولت الدولة والمفكرون الصهاينة اليهود العرب إلى “عيدوت همزراح”(“طوائف الشرق” (وهي فئة تدل على جماعة إثنية يهودية داخلية، وذلك في الوقت الذي بقي فيه اليهود الأوروبيون فئة لها هويتها الشرعية .وقد ترك مصطلح “عيدوت” (“طوائف”) أثرًا تقييديًا في السياق الإسرائيلي لأنه ينزع السمة السياسية عن الإثنية ويرحلها إلى حيز الفولكلور والتقاليد. وقد تحول مصطلح “عيدا، وهو مفرد “عيدوت”، في علم الأنثروبولوجيا الإسرائيلي في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، إلى موضوع بحثي حل محل القبيلة التي كانت شائعة في علم الأنثروبولوجيا الكلاسيكي. وأطلق الأنثروبولوجيون المشاريع الفولكلورية التي استهدفت دراسة العادات والتقاليد والغذاء والموسيقى، حيث انتهت هذه المشاريع إلى نزع السمة السياسية عن فكرة الإثنية. وكانت هذه الإثنية ثقافية، وليست سياسية، وهي ما تبنته الصهيونية المنهجية.

ونلاحظ بأن تحويل اليهود العرب إلى “عيدا” شكل فعلً من أفعال الشرقنة التي أتاحت طمس كينونتهم العربية وإنكارها، مع أنها كانت تقوم في أساسها على التمييز بين الشرق والغرب في الوقت ذاته. ولم يكن فعل الشرقنة هذا ينم عن الشعور بالفوقية ويتسم بالاضطهاد فحسب، بل كان مغويًا ومغريًا كذلك. فقد حمل في نفسه هالة الاستيعاب من خلال التحديث، والزواج المختلط والارتقاء. غير أن هذا الوعد لم يبصر النور على الإطلاق لأن تحققه كان يعني انهيار ثنائية الشرق-الغرب نفسها، والتي كان الخطاب الصهيوني ينبني عليها. ولذلك، فطالما بقي التمييز بين الشرق والغرب يشكل عنصرًا مركزيًا في الصهيونية، فسوف تظل شرقنة اليهود العرب دائمة، بما يضمن الوضعية الثانوية التي يتبوأونها في المجتمع الإسرائيلي. ومع ذلك، لم يحالف النجاح المحاولات التي بذلت ل”تطهير” اليهود العرب، إذا ما استخدمنا اللغة التي يستخدمها برونو لاتور، على الإطلاق، بل ولن يكون بمقدورها أن تحقق هذا النجاح. فحسبما بينًا آنفًا، ولا سيما في الفصل الخامس أعلاه، بقي اليهود العرب هجناء على الرغم من المحاولات التي بذلت لنزع السمات العربية عنهم، وعلى الرغم من رغبتهم هم أنفسهم في الامتثال لهذه العمليات والتحول إلى جزء من الخطاب الصهيوني…

يبين التحليل الذي نورده بين دفتي هذا الكتاب بأن القومية الصهيونية الحديثة لم تخضع، منذ نشأتها، للتمييز بين التدين والعلمانية، بل كانت، وما تزال، عبارة عن رزمة هجينة؛ ف “عباءة القديس الخفيفة التي يمكن رميها جانبًا في أي لحظة” تتحول إلى قفص حديد، على نحو يستثني العلمنة.  وقد توقع غرشوم شوليم هذا التحول في وقت مبكر يعود إلى العام 1926 ، حينما أبرق إلى فرانز روزينزوايغ:

الناس هنا ]في فلسطين[ لا يفهمون دلالات أفعالهم… فهم يعتقدون بأنهم حولوا العبرية إلى لغة علمانية، وأنهم أزالوا عنها نبرتها الرؤيوية. ولكن الحال ليس كذلك… فكل كلمة لا تأتي بصورة عشوائية من جديد بل يجري اقتباسها من المعجم “الجيد القديم”، تنضح بالمتفجرات… لن يبقى الرب صامتًا في اللغة التي تضرعنا إليه فيها آلاف المرات لكي نعود إلى حياتنا.

وبعبارة أخرى، إن المحاولة التي تسعى إلى خلق عالم علماني من الناحية المفاهيمية بواسطة الخطاب اللاهوتي ما هي إلا غوى ووهم…

ويبدو أن المحاولة التي بذلت لإيجاد العلمانية أو بنائها ضمن نطاق القومية اليهودية (دولة يهودية ديمقراطية) لم تؤت أكلها. فلا صهينة الدين ولا إضفاء الصفة الدينية على الصهيونية يشكل ظاهرة مبهمة ومتقلبة. بل تنبع هذه العمليات من البرنامج القومي-الديني-العلماني الذي تشكل الصهيونية نفسها حوله منذ نشأتها. ويعتبر الأساس اللاهوتي الذي ترتكز عليه “القومية الإسرائيلية” على قدر عالٍ من الوضوح ضمن “الليبرالية الإسرائيلية”، التي تواجه صعوبة في إخراج نفسها من شرك العلمانية التي ترتبط ارتباطًا حميمً باليهودية. ومن المفارقة أن الليبرالية العلمانية الصهيونية تواصل تقييد إمكانية وجود علمانية إسرائيلية بيديها هي، وذلك من خلال تمسكها بمفهوم دولة يهودية ديمقراطية، وهو مفهوم يعتريه تناقض لا فكاك له عنه.

ومع ذلك، يصار إلى تحويل الاستقامة (التي تشتمل على عبق شرقي) في الوقت نفسه إلى علامة إثنية تسم اليهود العرب. فعقب التحول السياسي الذي شهده العام1977  (بعد وصول حزب الليكود إلى سدة الحكم في إسرائيل)، أناط علماء الاجتماع الإسرائيليون، الذين كانوا يرون أنفسهم علمانيين وليبراليين، دورًا مهمً لليهود من البلاد العربية في تعزيز العمل على قيام مجتمع غير ديمقراطي وقومي وأصولي. فعلى سبيل المثال، يقول شلومو أفينيري إن اليهود العرب وصلوا إلى إسرائيل من “العالم الثالث”، ولم يمروا بسبب ذلك بدورة العلمنة والدمقرطة. ولا يعزو أفينيري الأفكار القومية غير الديمقراطية إلى الصهيونية ولا إلى الجماعات الأشكنازية الأصولية. فاليهود العرب هم من يحملون عبء هذا الموقف الأيديولوجي في السياسة والثقافة الإسرائيليتين. ويورد بوعاز عيفرون في الكتاب الذي نشره في العام 1988 “حساب قومي” (بالعبرية) سردًا عميق الغور وبعيد المدى في هذا الصدد. فهو يتهم اليهود العرب بصورة غير مباشرة بالتحريض على ظهور حركة “غوش إيمونيم” (وهي حركة المستوطنين التي ظهرت بعد العام1967 )، ويقول بأنهم هم السبب الذي جعل الدين يهيمن على القومية العلمانية في إسرائيل. وهو يقول: “ربما كان الواقع الذي يقول بأن نسبة كبيرة من السكان الإسرائيليين جاؤوا من مجتمعات ما قبل سياسية، حيث لم يتطور مفهوم القومية بعد، وعلى وجه الخصوص من البلدان الإسلامية، عامل آخر أثار عملية هيمن الدين فيها على الفكرة القومية، وهو ما يعتبر تطورًا شكل عنصرًا مهمً في خلفية ظهور حركة ’غوش إيمونيم”. وبذلك، يتصور المفكرون الليبراليون الإسرائيليون نشوء صهيونية قومية علمانية وديمقراطية في مواجهة قومية اليهود العرب التي يفترض بها أنها بدائية ومتعصبة وأصولية. ونحن نعتقد بأننا أثبتنا عكس ذلك، حيث قلنا بأن الصهيونية ترتكز على اللاهوت السياسي وأن هذا اللاهوت ينتشر مداه ويوظف في الممارسات القومية.

*وردت المقتطفات دون المراجع التي يشار اليها في النسخة الأصلية للكتاب.
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.