رد ميري ريجف على اشارة "رفع اليد": بين الجهل والتحريض

“صعقت” الوزيرة ريجف من قيام مغني الراب تامر نفار والشاعر يوسي تسباري برفع ايديهم خلال ادائهم لقصيدة محمود درويش في حفل الاكاديمية الاسرائيلية للسينما. ايلي شموئيلي يرى بأن التصريحات التي وجهتها فيما بعد للمواطنين الفلسطينيين مقلقة أكثر من جهلها بما ترمز اليه اشارة رفع اليد بتاريح حركة حقوق المواطن.
ايلي شموئيلي

 

“عندما يقوم شخص بالغناء بيد مرفوعة الى الاعلى يذكرنا ذلك بتاريخنا اليهودي”، هكذا ردت وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريجف على النداء الذي أطلقه تامر نفار ويوسي تسباري من خلال قصيدة محمود درويش في حفل توزيع جوائز “اوفير” (جوائز الاكاديمية الاسرائيلية للسينما).

نظراً لأنه لا يتم تدريس تاريخ النضال من أجل حقوق الانسان في اسرائيل، غالبيتنا لم نعرف حتى الاسبوع المنصرم بأن رفع القبضة المكسوة بقفاز أسود هو رمز لحركة حقوق المواطن (civil rights movement). ما رأته ريجف على المنصة كان بمثابة لفتة ظهرت للمرة الاولى خلال حفل توزيع ميداليات الالعاب الاولمبية عام 1968، عندما قام ثلاثة رياضيين، اثنان افرو-امريكان وثالثهما استرالي ابيض، بالوقوف عند سماع النشيد الوطني للولايات المتحدة ورفعوا ايديهم التي كانت ترتدي قفازات سوداء بصمت تضامناً مع نضال السود في الولايات المتحدة من اجل المساواة بالحقوق. كانت هذه احدى الاحتجاجات السياسية المعروفة بتاريخ الرياضة، وبالإمكان القول بأنها ترتبط بالتاريخ اليهودي- تاريخ من الملاحقة والتمييز التي خرجت حركة حقوق المواطن ضدها.

tamer and yossi
تامر نفار ويوسي تسباري خلال حفل توزيع جوائز “اوفير”، 22.9.2016.

ميري ريجف تنتمي لليمين، وإذا كان هناك في اليمين من لا يعرف هذه المعلومة من الميراث الثقافي لليسار فبالإمكان مسامحته (ولو انه لم يكن من المبالغ فيه بأن نتوقع ممن تدعي بأنها تسعى للمساواة بأن تعرف شيئاً او شيئين عن الاحداث المركزية بتاريخ النضال من اجل المساواة). في المقابل، هناك أمرين لا يمكن التسامح معهما في تصريح ريجف هذا. المقارنة التي اجرتها بين الاحتفاء بحقوق الانسان وبين رفع اليد (بالإشارة الى الحركة التي اعتمدها النازيون) تشكل تحريضاً صارخاً. كان بإمكانها ان تسأل عن معنى رفع اليد في هذا المحفل قبل ان ترسل الاسرائيليين للنيل من “الحل النهائي” الذي يحضره لهم مغني راب وشاعر\ممثل. ولكن جملتها التالية كانت مجلجلة أكثر فقد استرسلت ريجف لتقول بأن “بإمكان من يعرف عن نفسه كفلسطيني ان ينتقل للعيش في مكان آخر”. وهذة مقولة أخطر بكثير من عدم معرفة معلومة من تاريخ حركة حقوق المواطن.

بالإمكان رشق ريجف بالاتهامات على هذا التصريح ومطالبتها بالاعتذار، كما فعل الرجل الذي قلدها منصبها، بتأخير كبير وعديم الجدوى، عندما اعتذر عن تسجيل الفيديو الذي بثه خلال الانتخابات. علينا أن نأمل بأن يرفع مطلب جماهيري واضح للاعتذار ولكن حتى اذا ما قامت ريجف بالاعتذار فالتوجهات التي ولدت هذا التصريح لن تختفي. لهذا فأنا اريد التطرق هنا لهذه التوجات بشكل مباشر وتفنيدها.

السبب من وراء فزع ريجف من العرب الذين يعيشون في إسرائيل ويعرفون أنفسهم كفلسطينيين هو المعنى الذي تنسبه لكلمة “فلسطيني”. ريجف هي يهودية-اسرائيلية، وهي تنتمي لصنف غريب بهذا المعنى. لدى معظم شعوب العالم، اسم الشعب هو أيضاً اسم دولة القومية التي بناها الشعب لنفسه. كلمة “روسي” مثلاُ تشير ايضاً الى الانتماء للشعب الروسي (اللغة الروسية، الثقافة الروسية، الاصول الروسية)، وأيضاً الى الانتماء الرسمي لدولة القومية، أي للمواطنة الروسية. نفس الكلمة تحمل معنيين منفصلين. الشعب والقومية. الهوية والمواطنة. هذا هو الحال لدى الكثير من الشعوب. ولكن لدينا، اليهود، فقد حصل انحراف صغير حيث نجد اسم واحد يشير للانتماء لقوميتنا- “يهودي”، واسم منفصل يشير للانتماء لدولتنا القومية- “اسرائيلي” (كان بالإمكان ان تسمى اسرائيل “يهودا” فنحن نسمى يهوداً وشعبنا يسمى يهودياً لان أصلنا يعود لمملكة يهودا). بينما الفلسطينيون لا يختلفون عن غالبية الشعوب فمصطلح “فلسطيني” لا يشير فقط للمواطنة بدولة فلسطين انما أيضاً للانتماء للشعب الفلسطيني- لغته، ثقافته، ميراثه وتاريخه.

بحسب لغة ميري ريجف الاسرائيلية، لا يمكن ان تكون هناك معاني أخرى لكلمة “فلسطيني” عدا عن دولة القومية والمواطنة الفلسطينية لأن ريجف تنتمي لصنف نادر من الناس خصصوا بثقافتهم كلمتين منفصلتين لشعبهم ولقوميتهم، وهم لا يعون واقع غالبية الانسانية حيث تشير نفس الكلمة- بولندي، روسي، اوغندي، تشيكي، اثيوبي- لأمرين منفصلين: الشعب والقومية. لهذا فعندما يقول فلسطيني بإسرائيل “أنا فلسطيني” ويعني بذلك بأنه “ينتمي للشعب افلسطيني، جذوره، لغته، ثقافته وتاريخه كلها فلسطينية”، ريجف وإسرائيليون كثر يسمعون “انا انتمي لدولة القومية التي تسمى فلسطين وسأكون مواطناً فيها عندما تقوم قريباً- انشاء الله”.

اقبلي الفلسطينيين-الاسرائيليين كما هم- فلسطينيون-اسرائيليون يريدون ان يكونوا مواطنين متساوين في دولتهم، الدولة التي تعود لهم أيضاً وليس فقط لك. لا خيار أمامك سوا قبول ذلك. لأن مطالبة من لا ينتمي لشعبك ولكنه ينتمي لدولتك بأن “ينتقل للعيش في مكان آخر” هي بالضبط الخطة الاصلية لمن أحب رفع اليد (بالإشارة الى النازيين)

ولكن الفلسطيني هو ليس فقط من ينتمي لدولة الشعب الفلسطيني بل من ولد فلسطينياً وكانت هذه ثقافته، تاريخه ولغته. الفلسطيني هو ليس فقط مواطن دولة فلسطين انما ايضاً ابن الشعب والأمة. ولا يستطيع الفلسطينيون ان يكفوا عن كونهم ابناء شعبهم وأمتهم. هم ولدوا لهذا الشعب ويحبونه بشكل طبيعي. تماماً مثل اليهود. مطالبة الفلسطينيين بإسرائيل بأن يكفوا عن كونهم فلسطينيين او ان يرحلوا من هنا مثلها مثل طرد اليهود من أسبانيا في حينه.

ريجف قصدت بأنها تعارض رؤية الفلسطينيين بإسرائيل لأنفسهم كأبناء دولة القومية الفلسطينية، أي، كمواطنين مستقبليين في دولة فلسطين. ولكن بإمكاني طمأنتك ميري، لا حاجة للفزع. ان احببت ذلك ام لم لا فلديهم دولة- ألا وهي دولة اسرائيل. هذه الدولة هي ايضاً بلاد ودولة مواطنيها الفلسطينيين، وهي دولتهم ليس بدرجة أقل من كونها دولتك. ولكنهم فلسطينيون- أبناء الشعب والأمة الفلسطينية: هم فلسطينيون-اسرائيليون. هل هذا صعب على ادراكك؟ متناقض؟ اذا كان ذلك شائكاً عليك فتخيلي ما هو حال من يعيش هذا الوضع عملياً! بإمكانك الافتراض بأنه من الأصعب بأن يكون الشخص فلسطينياً-اسرائيلياً من ان يكون ميري ريجف التي تختلط عليها الامور عندما ترى فلسطيني-اسرائيلي.

الفلسطينيون-الاسرائيليون يطالبونك بأن تعترفي بدولة فلسطين- فهم غير قادرين على تحمل التعسف بحق أبناء شعبهم وعائلاتهم من الطرف الآخر للخط الأخضر، ويطالبون بحق بالاعتراف الاسرائيلي بالدولة القومية للشعب الفلسطيني والتي تسمى فلسطين حيث سيتمكن ابناء الشعب الفلسطيني من العيش احرار في وطنهم. من ناحية أخرى، فالغالبية العظمى من الفلسطينيين-الاسرائيليين لا يتوقعون بأن يكونوا فلسطينيين بمعني مواطني دولة فلسطين التي ستستبدل اسرائيل، بل أن ما يطالبون به هي المساواة المدنية الكاملة في دولتهم- اسرائيل. هذا ما رمز اليه نفار وتسباري في اللفتة التي كنت شاهدة عليها.

اقبلي الفلسطينيين-الاسرائيليين، الذين يسمون أيضاً “عرب 48″، “عرب-اسرائيليين” و”العرب”، كما هم- فلسطينيون-اسرائيليون يريدون ان يكونوا مواطنين متساوين في دولتهم، الدولة التي تعود لهم أيضاً وليس فقط لك. لا خيار أمامك سوا قبول ذلك. لأن مطالبة من لا ينتمي لشعبك ولكنه ينتمي لدولتك بأن “ينتقل للعيش في مكان آخر” هي بالضبط الخطة الاصلية لمن أحب رفع اليد (بالإشارة الى النازيين).

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.