ملف خاص: هل حقاً طرد اليهود من الدول العربية؟!

في أعقاب التصريحات الاخيرة للوزير بنيت حول ضرورة الاعتراف “بطرد اليهود من الدول الاسلامية”، موقع اللسعة يبادر لملف خاص يستعرض من خلاله أصوات المجموعات اليهودية المختلفة التي تنحدر من الدول العربية والاسلامية لتضع النقاط على الحروف.
خاص باللسعة

 

النداء الذي أطلقه وزير التربية نفتالي بنيت مؤخراً للاعتراف “بطرد اليهود من الدول الاسلامية”، والذي جاء ضمن حملة مباركة مبدئياً لتصحيح الظلم التاريخي الذي غيَب تاريخ هذه المجموعات عن الحيز العام الاسرائيلي، هو نداء ينطوي على مغالطة أساسية. وزير التربية اختار من بين توصيات لجنة بيطون تلك التي تتوافق مع مواقفه السياسية ورؤيته التاريخية التي تنص على ان اليهود كانوا ملاحقين في كل مكان من قبل الجميع. وقد بشرنا من خلال صفحته على الفيسبوك بأن اولاد اسرائيل سيتعلمون منذ الآن بأن يهود الدول العربية طردوا بالقوة.

ردود الفعل لم تتأخر. حيث قام البعض بمدحه حتى ان احد المعلقين قام بذكر “طرد موزع” في اليمن عام 1679، ووصفه ب”محرقة” اليمنيين. بنيت أجابه: “لم أكن على علم بذلك. شكراً متان. مهم جداً”. ولكن كانت هناك تعليقات مختلفة قالت مثلاُ بأنه “لم يكن هناك طرد في المغرب. ملك المغرب أنقذ اليهود من الطاغية النازي. المؤسسة دفعت للملك لقاء كل يهودي ترك المغرب”، أو بأن يهود المغرب هاجروا الى اسرائيل حباً في صهيون، وبأن كارثة اليمنيين حدثت هنا بالذات في أرض اسرائيل وليس في اليمن ب-1948. بنيت تجاهل هذه الردود.

اذا ما كان بنيت يسعى للتصحيح (التاريخي) الحقيقي عليه أن يطمح للصورة المركبة بكاملها- ان يدرس حب صهيون الكبير لدى هؤلاء اليهود وتجذرهم العميق بالثقافة المغربية-العربية والعلاقات الدافئة والمتوترة التي سادت على مدى مئات السنوات وأكثر من الحياة اليهودية الكاملة بالمنطقة وكذلك الصدمة والجرح الذي تسببت به الصهيونية الحديثة للكثير من اليهود الساذجين.

رؤية بنيت الصهيونية-الاوروبية تصوب، على ما يبدو، نحو تعزيز المنحى اليهودي-الانفصالي كمحرك مركزي للعلاقة بين اسرائيل ودول الشرق الاوسط، وتسعى لتأطير قصص المجموعات المختلفة تحت رواية عامة واحدة تخدم الادعاء اليهودي-القومي. وقد يكون الهدف من وراء صياغة الرواية من جديد، كما يدعي نقاده، الموازنة بين الحساب الصهيوني-الفلسطيني وبين حساب اليهود القادمين من الدول الاسلامية مع دولهم الاصلية من خلال ابعاد الانظار عن العلاقات المركبة بين يهود الدول الاسلامية والصهيونية الحديثة.

اذا كان جهاز التربية قد تجاهل حتى الآن تاريخ يهود الدول العربية والاسلامية ومحى تاريخهم بشكل غير فعال فالآن سيتم محو هذا التاريخ بشكل فعال بواسطة حصره في منظور ضيق بشكل خاص. نحن نرى بأن هذه الخطوة أخطر بأضعاف، ولكي نعارضها سنقدم من خلال هذا الملف الخاص أصواتاً تمثل المجموعات المختلفة لتضع النقاط على الحروف. هذا هو الجزء الاول من الملف وسوف تتبعه أجزاء أخرى على مدى الفترة القريبة القادمة.

يهود المغرب رفائيل بلولو

عدا عن عدم الاخلاص للواقع التاريخي بتعقيداته، بنيت يظلم بأقواله هذه العلاقات المركبة والغنية التي سادت بين اليهود والعرب في الحيز- أيضاً على مستوى الأفراد وأيضاً على مستوى الحكم، والتي مرت، كبقية العالم، بهزة كبيرة خلال النصف الاول من القرن العشرين. من الصعب بالطبع التلخيص ببضعة فقرات التناقضات والأحداث المتوازية والمتسلسلة ولكن بشكل عام تجدر الاشارة الى أن تاريخ يهود اليمن ليس كتاريخ يهود المغرب وهذا ليس كتاريخ يهود العراق وهلم جرا، ولا توجد هناك أية امكانية للقول بأن كافة اليهود طردوا من دولهم الأصلية. باستثناء مصر التي طردت يهودها، لم يطرد يهود الدول العربية بشكل رسمي ومنظم (وحتى طرد يهود مصر وقع في سياق تم فيه طرد كل “الغرباء” لصالح المصريين الاصليين في ظل صعود القومية المصرية).

في حالة المغرب كان الوضع مختلفاً. كان هذا التجمع اليهودي الأكبر بالدول الاسلامية حيث وصل في اوجه قرابة ال- 250-300 الف يهودي، وشكل هؤلاء حوالي 15-20% من مجمل السكان. وقد اعتبر اليهود المغربيين عامةً كأبناء المكان لا سيما وان جزءاً منهم كان يسكن في المغرب من قبل الاحتلال العربي أما بعضهم الآخر فوجد فيه ملجئً وبيتاً بعد ان ترك اوروبا في ظل الاختيار الذي فرض عليه للبقاء واعتناق المسيحية او الحفاظ على يهوديته ومغادرة الحكم المسيحي الذي استبدل الحكم الاسلامي الذي ازدهر اليهود في كنفه وساهموا للثقافة اليهودية العامة مساهمة معتبرة.

مع ذلك، فقد عرف التاريخ اليهودي بالمغرب التوترات ولم تكن العلاقة مع السلطات او مع القوى التي تعارض السلطات بتلك البساطة دائماً، وبالفعل فقد تم المس باليهود أحياناً من قبل قوى منظمة. عندما يطلب بنيت الحديث عن هذا التاريخ، يجب عليه ألا يأخذ التجربة الاوروبية ويطبقها على الحياة في المغرب او في دول اسلامية أخرى فالعنف الذي واجهه اليهود في هذه الدول لم يكن بكثير من الأحيان نتاجاً مباشراً للاسامية التي نعرفها كجزء من روح الجماعة الاسرائيلية انما كان وليد مناورات لقوى سياسية استخدمت اليهود بصفتهم أهل ذمة. هذا ما كان، على سبيل المثال، عندما حاولت قوة سياسية جديدة الاعتراض على السلطان وسعت الى بناء قوتها في كثير من الأحيان عن طريق جمع الاموال الضريبية من السكان- اليهود والمسلمين- في مناطق معينة، وفي حال لم يتعاون هؤلاء معهم بسبب اخلاصهم للحكم القائم- كانوا يمسون بهم وأحياناً بوحشية.

יהודי רבאט
شباب يهود في الرباط، السنة غير معروفة.

بكل الاحوال، لا يمكن تلوين هذا التاريخ بلون واحد فقط- اليهود في المغرب انخرطوا في الثقافة، الدين، الاقتصاد وأكثر من أي شيء آخر في الحياة اليومية حيث كانوا موزعين على طول وعلى عرض البلاد وعاشوا بمناطق مختلطة. ومع ان الاديان المختلفة حافظت على طابعها، بالإمكان رؤية الحياة المشتركة التي سادت بينها وكيف أثرى أبناء وبنات المجموعات المختلفة بعضهم البعض وساهموا لبعضهم البعض في كل جوانب الحياة. ومن بالغ الأسف بأن تاريخ يهود المغرب ويهود الدول الاسلامية يعاني من مشكلة كبيرة بالتوثيق ولكن حتى التاريخ الشفهي، قبل ان يصطدم مع التاريخ القومي-اليهودي الحديث، كان يروي عن الحياة المشتركة التي سادت على المستوى اليومي وخلت من التوتر والعنف.

علينا أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار صعود القومية العربية بالتوازي مع صعود القومية اليهودية كمركب كان له أثر كبير على الوعي الاقليمي، وكذلك الحرب العالمية الثانية والمحرقة بالطبع والتي اقلقت يهود المغرب كثيراً وشكلت عملياً عنصراً حاسماً في دخول الصهيونية الحديثة لهذه الدول. فاليهود المغاربة رفضوا الصهيونية الحديثة عامةً او على الاقل لم يبدوا اهتماماً بها حقاً حتى وصلتهم الأخبار الصعبة من اوروبا وأثارت فيهم التضامن، الفزع وشراكة المصير بدرجة معينة، وكان من شأن هذا ان يلفت نظر المنظمات اليهودية الاوروبية والأمريكية لهذه التجمعات اليهودية التي اعتبرت هامشية بنظرها حتى ذلك الحين.

مسألة أخرى لن يقوم بنيت بالترويج لها بسبب المصالح السياسية هي كيف بدأت اسرائيل الشابة بفقدان يهود لصالح الهجرة السلبية في بداية الخمسينات، وبأنه لم يبقى هناك يهود ليهاجروا اليها بسب عمليات القتل في اوروبا. وهنا بدأت المنظمات الصهيونية، أيضاً من منطلق عدم وجود خيارات أخرى، تعمل على احضار يهود لإسرائيل. في هذه المرحلة كانت الصهيونية قد أحكمت قبضتها حول يهود المغرب بمسوغات دينية بالأساس ك”العودة الى القدس” و”افتداء صهيون”.

قد يكون من المجدي هنا بأن نسترجع الأقوال التي أدلى بها بن غوريون في معرض جلسة للجنة التنفيذية لنقابة العمال (“الهستدروت”) عام 1943، والتي تثبت حاجة الصهيونية للتوسع لهذه الدول لكي تستمر في الوجود:

الآن علينا الذهاب لمجموعة من الدول، الأرقى من بينها هي اليمن، أيضاً من ناحية عمالية وأيضاً من ناحية صهيونية، ولو ان هناك فروقات بين دولة ودولة. الطابع الخاص لليهود في هذه الدول بأنهم بعيدون عن العمل أكثر من يهود بولندا بعد الحرب العالمية السابقة. علاقتهم مع العمل- كعلاقتنا قبل ثلاثة أجيال، فيها شيء من الاحتقار. هناك حاجة لنشاط تربوي مكثف لإدخالهم لحياة العمل. أما من ناحية صهيونية- فهذه مجموعات يهودية عربية تعيش داخل الشعب الذي يعارضنا.. اليهود هناك مقيدون… تربية هؤلاء اليهود على اثنين او ثلاثة من القواعد الاساسية أصعب من بولندا ورومانيا. ليس من الصعب تعليمهم على استخدام السلاح ولكن تعليمهم العبقرية اليهودية والجرأة اليهودية أصعب من تعليم يهود بولندا لأنهم منكوبين ومذلولين.

بإمكاننا ان نرى بأن هناك رابطاً جوهرياً يمر بين بن غوريون وبنيت وهو بالتحديد ذلك المكان الذي يقوم فيه كلاهما بتطبيق وجهة نظرهما الانفصالية-الاوروبية على يهود الدول الاسلامية (هذا دون ان نخوض بتاتاً في الموقف الاستعلائي والعنصري الذي تنطوي عليه وجهة النظر هذه). بنيت، مثله مثل بن غوريون، لا ينصف اليهود المحافظين الذين نظروا تاريخياً الى القدس كخلاصهم وواظبوا عملياً، قبل التقسيم القومي، على الوصول الى القدس والمدن المقدسة، وهو لا يظلم فقط الحركات الصهيونية الغالية عليه عندما يلغي نشاطها المحلي في المغرب وفي دول المغرب العربي الأخرى انما يخلق العداوة والحدود أيضاً حتى أنه يعيد كتابة تاريخ يهود الدول الاسلامية لتبرير سياسة محلية آنية ضيقة الافق.

بنظرة الى الوراء، اعتقد بأن السؤال الهام هو ليس كيف نشدد على المعاناة والقمع في اليمن انما ماذا فعلت الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل بيهود اليمن. المعاناة التي تسببت لهم فيها الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل فاقت تلك التي تعرضوا لها في اليمن.

سوف أنهي بحكاية قصيرة ومبدئية تعلمنا شيئاً ربما عن تعامل العرب في المغرب مع اليهود: عندما قامت دولة اسرائيل وبدأت موجات الهجرة الكبيرة، تطور نقاش جماهيري نشط بالمجتمع المغربي بين القوميين المغربيين وبين القوميين العرب حول السبب الذي يوجب عليهم عدم السماح لليهود بالمغادرة. المغربيين ادعوا بأن هذه ستكون خسارة مفجعة للشعب المغربي اذا ما سلخ “لحم من لحمه” عن المجتمع والدولة، وبأنه من الممنوع التنازل عن مغاربة بهذه “الجودة”. بينما القوميون العرب، الذين وافقوا مبدئياً مع توجه القوميين المغاربة، فعارضوا مغادرة اليهود لأنها ستقوي التجمعات الصهيونية في فلسطين وتضعف العربية. بنيت يخطأ التسديد اذاً حتى بهذه النقطة. اذا ما كان بنيت يسعى للتصحيح (التاريخي) الحقيقي عليه أن يطمح للصورة المركبة بكاملها- أن يدرس حب صهيون الكبير لدى هؤلاء اليهود وتجذرهم العميق بالثقافة المغربية-العربية والعلاقات الدافئة والمتوترة التي سادت على مدى مئات السنوات وأكثر من الحياة اليهودية الكاملة بالمنطقة وكذلك الصدمة والجرح الذي تسببت به الصهيونية الحديثة للكثير من اليهود الساذجين.

*

يهود اليمن رافي شوفالي

مع الاعلان عن قيام الدولة، كان حوالي النصف من يهود اليمن قد استقروا في ارض اسرائيل وشكلوا قرابة ال-80% من التجمعات اليهودية في البلاد تقريباً. لهذه النسبة- 50%- لم يكن هناك مثيل بين الجاليات الأخرى. السؤال حول اسباب هجرة اليمنيين الى البلاد ينقسم الى شقين: الهجرة قبل قيام الدولة وهجرة النصف الآخر مباشرةً بعد قيامها.

الدوافع من وراء الهجرة التي بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر كانت بالدرجة الاولى اقتصادية. يهود اليمن عملوا في كل المهن الصغيرة بمجال المعادن، الفخار، النسيج، الصرافة، صياغة الذهب، التطريز وما الى ذلك، وكذلك بمجال التجارة. البريطانيون الذين سيطروا على جنوب اليمن (1967-1832)، وخاصة الاتراك الذين سيطروا على اجزاء من اليمن الشمالية (1905-1872)، أدخلوا لليمن منتجات صناعية حديثة خلقت لليهود منافسة وصعوبات في كسب الرزق. وليست صدفة بأن هجرة اليهود لأرض اسرائيل بدأت في سنة 1881. كانت هذه عملياً حركة من منطقة واحدة للإمبراطورية العثمانية لمنطقة أخرى. وكما في كل شيء آخر، تم ايجاد معنى ديني لفعل الهجرة التي اقتبس اسمها- “امرتي أعليه بتمار”- من “أغنية الأغاني” لوصف بعدها الديني. أسباب أخرى للهجرة كانت استمرار الاحكام القديمة التي سرت من قبل قدوم الأتراك مثل تنظيف المراحيض العامة وأسلمة الايتام، وسريان أحكام جديدة في زمن الأتراك مثل الواجب الذي فرض على اليهود لطحن القمح لصالح الجيش التركي ونقل مصابي الجيش على حمالات (1876)، وفقدان الاستقلالية القضائية لليهود بالمسائل المدنية والذبح (بشروطها الشرعية) والحاجة المتزايدة لدفع الرشوة للحكم التركي والتي لحقت بشكل خاص بيهود صنعاء.

مباشرةً بعد اقامة الدولة كان اليمنيين المجموعة الشرقية الاولى التي وصلت الى اسرائيل على موجتين خلال السنوات 1951-1948، ووصل تعدادهم حوالي 51،000 مهاجر- غالبيتهم من اليمن الشمالية وقليلهم من اليمن الجنوبية بما يشمل عدن، جيبوتي وأثيوبيا. الدوافع من وراء هذه الهجرة كانت عدم الاستقرار الداخلي بعد مقتل الامام يحيى في فبراير 1948. يحيى الذي أحسن لليهود ودافع عنهم استبدل بابنه محمد الذي لم يواصل درب ابيه بهذا المعنى. الاحداث السياسية تسببت بزعزعة الامن الشخصي بفي لدولة خاصة في اواسط اليهود. في صنعاء كانت هناك حالات من السرقة، فرية الدم (اطلاق التهم الباطلة بحق اليهود)، اعتقال القيادة وإطلاق سراحها مقابل فدية كبيرة وإساءة معاملة اليهود في أعقاب ما حصل في أرض اسرائيل والتي اسرعت كلها من قرار اليهود على الرحيل. في عدن كانت هناك أعمال شغب بقتلى ومصابين. رحيل القيادة القطرية والمحلية ادى الى وضع هاجرت فيه تقريباً نسبة مئة بالمئة من اليهود الى إسرائيل من كافة الوية يمن الشمالية. وجود أشخاص في كل عائلة تقريباً كان قد هاجروا الى البلاد من قبل سهل بالطبع على قرار الرحيل.

מחנה עדן, 1949. צילום: אלדן דוד / לע״מ
معسكر عدن، 1949، تصوير: الدان دافيد.

بشكل عام، قبل قيام الدولة، اليهود القرويين، الذين كانوا الأغلبية الكبيرة في اليمن، عاشوا بسلام وبعلاقات طيبة مع جيرانهم. الملاحقات والقمع كانوا عادةً من نصيب اليهود في المدن الكبيرة وخاصة في صنعاء. الاعلان عن اقامة الدولة خلق وضعاً اشكالياً ساهم في الخروج من اليمن. يهود اليمن لم يطردوا من الدولة بشكل منظم، وأكثر من ذلك، فقد كانت هناك حاجة لإقناع الامام احمد ليسمح لهم بالمغادرة. تراكم الظروف التي ذكرتها آنفاً هو الذي أدى الى الرحيل. يهود اليمن وصلوا بقواهم الذاتية الى عدن، هناك التقوا بمندوبي الحركة الصهيونية. لم يحضرهم ولم ينقذهم أي احد. الحركة الصهيونية في الحقيقة لم تكن متواجدة داخل اليمن انما جلست في منطقة السيطرة البريطانية في عدن.

بنظرة الى الوراء، اعتقد بأن السؤال الهام هو ليس كيف نشدد على المعاناة والقمع في اليمن انما ماذا فعلت الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل بيهود اليمن. المعاناة التي تسببت لهم فيها الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل فاقت تلك التي تعرضوا لها في اليمن. سلسلة الجرائم ضد الانسانية التي تعرضوا لها تشمل سرقة ممتلكاتكم الثقافية، المخطوطات، الألبسة التقليدية، الفضة، الذهب الحلي ودرة التاج في “استيعاب” الهجرة- اختطاف الاولاد، وهذه لا تبقي أي مكان للشك بهذه المسألة.

مبادرة “يوم يهود البلاد العربية” والتي تسعى، بحسب فهمي، لمناقشة جرائم الدول العربية ضد اليهود وطردهم من هناك تهدف لخلق تطابق بين ما حدث للفلسطينيين خلال “حرب الاستقلال” وبين ما حدث مع التجمعات اليهودية في الدول العربية- ذلك بغية إرسال الفلسطينيين لطلب تعويض عن خسارة ممتلكاتهم من الدول العربية، وبهذا تتم تصفية الحساب مع الممتلكات اليهودية التي بقيت هناك. اذا كانت هذه هي الحال، فاعتقد بأنه يجب بأن تضع كافة الممتلكات الفلسطينية المتروكة في ايدي يهود الدول العربية. بدل طرد سكان “جفعات عمال”، “كفار شاليم”، عين كارم، لفتا وأماكن أخرى غيرها، على الدولة ان تخصص لهم اراض اضافية غير تلك التي بحوزتهم. عدا عن ذلك، اذا ما اردنا تخليد المعاناة وطرد اليهود من الدول العربية يجدر بنا ان نتطرق أيضاً لطرد يهود ال”كنيرت” (بحيرة طبريا) من قبل المؤسسات الصهيونية وطرد يمنيي “توحيلت” من قبل “كفار حباد” ودولة اسرائيل وحالات طرد أخرى كثيرة. بإمكاني أن اتقدم لوزارة التربية بقائمة بحالات الطرد ذات الصلة.

يتوجب علينا ألا نترك مضامين هذا اليوم بيد وزارة التربية. على كل المنظمات الشرقية ان تتجند وتقيم نشاطات في هذا اليوم لتحوله ليوم تحيي فيه هذه المجموعات اليهودية تاريخها بحيث لا تقرر وزارة التربية ماذا نذكر وماذا ننسى.

*

يهود سورياآفي دباح

قبل بضعة شهور دعيت لتقديم شهادة امام لجنة بيطون حول الفيلم الذي اقوم بإخراجه بموضوع يهود حلب واختفاء “كيتر ارم-تسوبا”(“مخطوطة حلب”): التناخ العتيق والثمين الذي حافظ عليه هؤلاء اليهود لمئات السنوات. ترددت قليلاً اذا ما كان علي ان اذهب وان اساهم بدوري للجنة التي اقيمت بيد الوزير بنيت، ذلك تخوفاً من ان تتم فلترة المضامين المتنوعة التي سيتضمنها تقرير اللجنة بيد الوزير وأناسه لصالح رواية احادية الابعاد يتم تسخيرها لهدف سياسي ضيق. وها قد اثبت الوزير بنيت بأنه على قدر التوقعات، وأعلن بأن طرد يهود الدول العربية وعودتهم للبلاد هي “القصة الكاملة” التي بالإمكان استقائها من تقرير لجنة بيطون. بنيت يعرف بأنه لكي يشوه الصورة على مزاجه، عليه ان يستخدم الحقيقة. ولكن ليس كل الحقيقة.

هؤلاء الذين اختاروا القدوم الى هنا ظناً منهم بأن اسرائيل هي المكان الآمن والأصح بالنسبة لهم فقد انتظرتهم المذلة والاستيلاء الثقافي والاقتصادي من طرف المؤسسة.. اذا كانت هناك رغبة حقيقية في عرض القصة الكاملة ليهود الشرق فمن المفضل التوقف عن انكار وإخفاء اجزاء هامة من الحكاية حتى اذا لم تكن هذه تخدم رؤية الوزير.

خلال اعمال الشغب التي اندلعت بالأيام الثلاث الاولى بعد الاعلان عن اقامة الدولة في 29 نوفمبر 1947، احرقت عشرات الكنس، اكلت النار كتب التوراة ونهبت الحوانيت. اعداد كبيرة اثارت الشغب في الشوارع ولكن لم تكن هناك خسارة بالأرواح. الجيش السوري ضبط ألسنة اللهيب- سمح وحتى شجع اعمال الشغب ولكنه كذلك منع تحولها لمذابح وعمليات قتل. هذه الاحداث المؤلمة شكلت محنة كبيرة بالمجتمع اليهودي ودفعت بالكثيرين، وبالأساس المتمكنين او الشباب، الى مغادرة سوريا. اليهود لم يطردوا- بالعكس: منع خروجهم من الدولة التي تحولت لسجن خطير من ناحيتهم. ولكن مسارات التهريب المعروفة بدأت تمتلئ بالعائلات التي قطعت الحدود الشمالية للبنان وتركيا. بعضهم وصل للبلاد ولكن كثير منهم خرجوا من بيروت الى التجمعات الحلبية في أنحاء العالم.

بحسب “ويكيبيديا” وصل الى اسرائيل فقط 3،000 من اصل 25،000 من يهود حلب الذين تركوا المدينة في الفترة التي تلت أعمال الشغب. مما يعني بأن غالبية اليهود الحلبيين لم يروا بالعودة الى البلاد حلاً للازمة التي حلت بهم. عوضاً عن ذلك، فقد اختاروا الهجرة للتجمعات الحلبية التي استقرت منذ بداية القرن العشرين في نيويورك، جنوب أمريكا والشرق الاقصى. في هذه التجمعات تم في 1948 استيعاب الكثير من هؤلاء اليهود الذين احترقت الأرض تحت اقدامهم. مجموعات قوية، متمكنة ومتكاتفة جداً تحافظ حتى اليوم على العادات والتقاليد الحلبية وبالأساس على العلاقات الاجتماعية والعائلية القوية.

أما هؤلاء الذين اختاروا القدوم الى هنا ظناً منهم بأن اسرائيل هي المكان الآمن والأصح بالنسبة لهم فقد انتظرتهم المذلة والاستيلاء الثقافي والاقتصادي من طرف المؤسسة كما يتجلى في قضية التناخ القديم. الوزير بنيت يفضل عدم التوقف عند هذا الألم- بنيت يفضل أيضاً ان يغيب عن الحكاية التصادم المؤلم مع الثقافة المهيمنة التي سادت في البلاد بسنوات الخمسين. اذا كانت هناك رغبة حقيقية في عرض القصة الكاملة ليهود الشرق فمن المفضل التوقف عن انكار وإخفاء اجزاء هامة من الحكاية حتى اذا لم تكن هذه تخدم رؤية الوزير.

المزيد:

“اليهود العرب: قراءة في القومية والديانة والاثنية”، يهودا شنهاف.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.