ما بين الثورية الزائفة والعجز

كشف رحيل بيرس دواخل الثقافة السياسية عندنا ومعمار النفس الفلسطينية في إسرائيل وهذا الارتباك المستدام والتلعثم أمام كل صغيرة وكبيرة. مرة أخرى نرى كيف يكون الخطاب عالياً عالياً بينما الممارسة واطئة واطئة.
مرزوق الحلبي

 

مُثير بشكل لافت هذا السجال الذي فجّره في الحيز العربي المحلّي رحيل الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيرس. فقبل أن يتوفى رأى الكثيرين ـ نسبياً ـ أن يهاجموه كأنه أب المأساة الفلسطينية من قبل ومن بعد. وانطوت الديباجات التي أنشأوها في ذمه على الكثير من التأويل والغيب والمعلومات الخاطئة. وما أن توفي حتى رأينا سيلاً من الكلام لمّا يتوقف اختلط بالسجال الحامي حول قرار “المُشتركة” الامتناع عن المشاركة في الجنازة رغم مشاركة الرئيس الفلسطيني أبو مازن والوفد المرافق له.

كشف رحيل بيرس دواخل الثقافة السياسية عندنا ومعمار النفس الفلسطينية في إسرائيل وهذا الارتباك المستدام والتلعثم أمام كل صغيرة وكبيرة. فإذ برحيل بيرس، مثلاً، يستدعي أطنان من الكلام الذي يطال كل شيء في تجربة الفلسطيني وتاريخه. وهي ليست المرة ألأولى التي يحصل فيها ذلك في الآونة الأخيرة بل أرانا أمام مشهد غريب لا يرتدّ لسان الفلسطيني فيه إلى حلقه ولا يكفّ عن الكلام مؤكداً أن العرب ظاهرة صوتية، كما قال أدونيس، خاصة أن الأمور سرعان ما تخرج عن سكتها فلا يكون شيء في نصابه أو موضعه. كل نقاش ينزلق إلى تخوين وإلغاء وعداوات واتهامات وخصومات لها أول بدون آخر! فما الذي يحصل لنا هذه الأيام؟ نسأل مشيرين إلى أن الأمور ليست دراماتيكية إلى هذا الحد ولا مصيرية إلى هذا الحد. ومع هذا نراها تتطلب منّا جهوداً في الهجوم أو الدفاع أو الحكم. سأحاول في هذه العُجالة أن أفكك المنظومة التي أنتجت هذه الحالة مستعيناً بما أراه وأتبيّنه.

من الناس مَن اختار تطبيع علاقته بواقعه وبنفسه ومنّا من لم يفعل وآخرون عادوا إلى الماضي وانكفأوا يُنشئون خطاباً قديماً لأحمد سعيد أو الشقيري. يتحدثون عن الوصول إلى مشارف تل أبيب بينما الواقع هو وصول تل أبيب إلى القلوب والعقول!.

إذا أراد الفلسطيني في إسرائيل المشاركة الفعالة في الحياة العامة والمساواة في كل شيء والمواطنة الكاملة والمشاركة في صنع القرار والسياسات والاستفادة من الخير العام فهذا يعني شيئاً واحداًـ أن يصير جزءاً من هذا الكيان السياسي الذي من المفروض أن يغيّر طبيعته في هذه الحالة: من نظام إقصائي، مثلاً، إلى نظام إشراكي أو من طبيعة كولونيالية إلى طبيعة لا ـ كولونيالية، من دولة مهاجرين إلى دولة يتساوى فيها المهاجر والأصلاني ويقرّ الأول فيها بالغبن التاريخي الذي ألحقه بالثاني. بموازاة ذلك وبالتزامن معه سيكون على الفلسطيني، أيضا، أن يتغيّر بنفسه وبثقافته وسلوكه وتطلعاته لجهة التقارب والتفاعل والتثاقف مع المجتمع اليهودي بحكم الشراكة في مشروع الدولة!.

إن وثائق التصورات المستقبلية التي صدرت قبل 10 سنوات عن مركز “عدالة” ومركز “مدى الكرمل” ومركز “مساواة” ولجنة الرؤساءـ كلها، عبّرت بأشكال متقاربة عن هذا التطلّع بشكل صريح ووضعته أمام مجتمعها وأمام الدولة والمجتمع اليهودي. وأرجح، من معرفة، أن المشاركون في إعداد الوثائق كانوا واعين لذلك تماماً. لكن هذه التطلعات لم تتحقق إلى الآن لأن الأكثرية اليهودية الأقوى تمنع تحققها وترى فيها تغييراً جذرياً يقوّض مبدأ الدولة اليهودية التي تعني تكريس حالة التفوّق في كل شيء لصالح مجتمع الأكثرية اليهودي.

منذ ذلك الحين، فإن السيرورة الحاصلة في الواقع هي اتساع في التعبئة العنصرية ضد الفلسطيني هنا تدعمه تشريعات قانونية تعزز امتيازات المجتمع اليهودي، إلى جانب اتساع خطاب الحقوق وسدّ الاحتياجات للمجتمع العربي الفلسطيني بإسرائيل. يبدو الأمر كأنه مجرّد تناقض عصي على الفهم. لكننا نجزم أن هذا الخطاب وهذه الممارسةـ تخصيص ميزانيات وموارد وسد احتياجات ـ هو الأهون للدولة بصفتها تجسيداً لسيادة الأكثرية اليهودية: ذلك لأنه لا يشكّل أي تغيير جدي في بنية الحكم والدولة ولا في مبنى العلاقات بين اليهود كأثرية والفلسطينيين هنا كأقلية: لأنه يعني بالفعل أن تكون الدولة مستعدة، جزئياً أو كلياً، لتوفير حقوق وخدمات وميزانيات للمجتمع الفلسطيني وأن تغلق الباب دونه فيبقى خارج الكلّ ولا يكون سوى مواطن من درجة ثانوية دون أن يكون شريكاً فعلياً في شيء أساسي من الحياة العامة سوى الذهاب إلى الانتخابات التشريعية إذا أراد أو الاقتتال في الانتخابات البلدية أو الانشغال بالعنف الداخلي وجرائم قتل النساء.

الارتباك واختلاط الموازين والمعايير وفائض الكلام المقيت والمزايدات اللفظية والسجالات العقيمة كالتي شهدناها في الأيام ألأخيرة، تنبع كلها من كوننا نريد الخيار الأول (كما في الوثائق) ونمارسه في حياتنا الشخصية وحيزنا الخاص ـ لكننا نتصرّف على الملأ وأمام الآخرين مثلنا، كما في الخيار الثاني ـ هامشيون في الهامش! أما الفجوة بين هذا وذاك فنغطيها بخطاب عالٍ عالٍ بينما الممارسة واطئة واطئة: نغطيها بممارسة يومية لما يُسمى الغش الذهني والمُعبّر عنه بأشكال مختلفة أبرزها المزايدة الوطنجية أو الثورية الزائفة!

وتستفحل هذه الحالة في ضوء أفول المراكز العربية في الجوار كمصدر وحي وأفكار وعقائد والتراجع الملموس في حيوية الثورة الفلسطينية ومشروعها السياسي في وقت يزداد فيه المركز اليهودي ومشروعه ودولته قوة وتفوّقا. وعندما لا نقرّ بمثل هذه التغيرات الجذرية في حياتنا ولا نعترف بأننا نقف وجهاً لوجه أمام مصيرنا وأن علينا أن نختارـ سنظلّ محكومين لخطاب عال وعجز وثورية زائفة تغطي على زيفها بضجيجها. ومن الناس مَن اختار تطبيع علاقته بواقعه وبنفسه ومنّا من لم يفعل وآخرون عادوا إلى الماضي وانكفأوا يُنشئون خطاباً قديماً لأحمد سعيد أو الشقيري. يتحدثون عن الوصول إلى مشارف تل أبيب بينما الواقع هو وصول تل أبيب إلى القلوب والعقول!.

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.