"أضعتم فرصة لأن تكونوا بشراً"!

النبرة الاستعلائية والموبخة والأسئلة المتذمرة التي وجهت لأيمن عودة خلال المقابلة التي اجريت معه بالقناة الثانية، وكأنه ولد جامع يقف أمام معلميه، تعكس جوهر وحقيقة الاعلام الإسرائيلي: جوقة معبئة تروج لخطاب لا يوجد فيه أي مكان لوجهة نظر أخرى.
دالية حلبي

 

“أريد أن أقول لك شيئاً آخر، كنت أكن لك الكثير من التعاطف، أريد أن أقول لك بأنكم أضعتم فرصة كبيرة. هل تعرف أية فرصة هذه؟ فرصة لأن تكونوا بشراً في هذا اليوم، أضعتموها وأضعتم الكثير من المواطنين بتصرفكم هذا”. هذا ما قاله روني دانيال، مراسل القناة الثانية لشؤون الجيش والأمن، في استوديو يوم الجمعة الذي دعي اليه النائب ايمن عودة، رئيس “القائمة المشتركة”، لكي يشرح قرار القائمة عدم المشاركة في جنازة شمعون بيرس.

مقدم البرنامج داني كوشمارو، والى جانبه امنون افراموفيتش، رينا متسلياح واودي سيجال، قاموا بشن هجمة شرسة ضد النائب عودة، وقرروا بشكل قاطع بأن من يدير “القائمة المشتركة” والمسؤول عن قراراتها هم الأناس المتطرفين في الكتلة كزعبي، زحالقة وعزمي بشارة، كما جاء على لسان كوشمارو. وجاءت ادعاءات متسلياح بنفس الروح وهي التي شككت بقدرات عوده وزملائه في الكتلة على تحكيم العقل ورأت بأنهم ينجرون وراء الخط الذي يحدده “التجمع”.

إذا ما وضع الشخص روحه على كفه وقرر المشاركة في المقابلة رغم ان نتائجها معروفة سلفاً، فيتوجب عليه أن يذهب الى الاستوديو بسترة واقية -كما قال عودة- وان يأخذ بعين الاعتبار بأن المعركة ستكون عنيفة وشديدة.

أكثر من أي شيء آخر ذكرتني الوجوه المتجهمة لروني دانيال وزملائه الصحافيين بمعلم غاضب يوبخ تلميذه لأنه لم يطع تعليماته ولم يتصرف كما هو متوقع منه. وكأن عودة تلميذ يفتقد الى المنطق والكفاءة، حاول المتعلمين تلقينه وتلقين كافة الجمهور العربي درساً حول ماهية كوننا بشراً- وهي الفرصة التي أضعناها، للأسف الشديد، أيضاً في هذه المرة! لو كان هناك المزيد من الوقت لدى دانيال لقام بلا شك بمعاقبة عودة- كأن يرسله للوقوف لمدة ساعة او ساعتين في الزاوية او أن يأمره بمغادرة الكنيست والعودة في اليوم التالي بصحبة والديه للجنة الطاعة!. كباقي شركاؤه في الاستوديو، روني دانيال لم يأتي الى الاستوديو لكي يستمع الى أقوال عودة او لكي يقوم بعمله الصحفي المهني. الصحافيين من القناة الثانية وقفوا أمام عودة كفرقة قتالية معبئة ومتأهبة جيداً للمعركة التي ستجري على الشاشة.

سلاحهم في هذه المعركة التي حاولوا من خلالها صلب وشجب أي رأي لا يستوي مع الخط الذي يتبنوه ويروجون له دون كلل- النبرة الاستعلائية والموبخة والأسئلة المتذمرة التي وجهت للولد الجامح- عكس جوهر الاعلام في اسرائيل: اعلام معبئ وأحادي الاتجاه، بعيد عن ان يكون مهني او موضوعي، اعلام منفلت ومتطرف يخون مهنته مرة تلو الأخرى. بحسب القواعد الصحفية المهيمنة بوسائل الاعلام القائمة، هناك رواية واحدة ووحيدة وأي خروج عن هذه الرواية يفسر كهجوم على الدولة وعلى المجتمع الإسرائيلي. هذه جوقة تعمل وفق مصالح ضيقة وتروج لخطاب احادي الاتجاه لا توجد فيه شرعية للآراء المختلفة، لا يوجد فيه مكان لوجهة نظر أخرى.

محاولة تصوير ايمن عودة وقرار “القائمة المشتركة” كنموذج للتطرف وعدم الانسانية ما هو إلا درجة أخرى في محاولات شيطنة الأقلية الفلسطينية والمجموعات السياسية والاجتماعية التي تحاول ان تتحدى الخطاب السائد وان توسع نطاق الامكانيات التي نستطيع معاينة الواقع من خلالها. وظيفة الاعلام في الدول الديمقراطية، من بين أمور أخرى، هو اسماع مختلف الآراء وعرضها لإطلاع الجمهور دون الحكم عليها وبالطبع دون ابداء الرأي بهذا الاتجاه او ذك. لكن مطاردة الساحرات التي شهدناها في استوديو القناة الثانية لا تسمح بإسماع أي صوت آخر، وإذا ما وضع الشخص روحه على كفه وقرر المشاركة في المقابلة رغم ان نتائجها معروفة سلفاً، فيتوجب عليه أن يذهب الى الاستوديو بسترة واقية -كما قال عودة- وان يأخذ بعين الاعتبار بأن المعركة ستكون عنيفة وشديدة.

باستعلاء انزل دانيال عظاته على عودة: “من وظيفة القيادة بأن تنظر الى الأمام”، وأنا أقول بأن من وظيفة القيادة بالذات ان تطالب بالاعتراف بمظالم الماضي لكي نكون قادرين على النظر الى الامام. لا يمكن ان نقفز عن فصل هام في حياة المجتمع الفلسطيني لكي نرضي اليهود او نلقى اعجابهم. الصعوبة في تقبل واستيعاب اقوال عودة تنبع برأيي من كونه يشكل صوت واضح وجريء وموقف لرجل منتصب القامة ليس بإمكان الشارع الاسرائيلي الاستمرار بتجاهل وجوده كما كان متبعاً حتى الآن.

اذا ما أضاع أحد فرصة هنا فقد كان هذا المجتمع الاسرائيلي الذي اضاع فرصة ذهبية لأن يرى، يسمع ويحاول، ولو لمرة واحدة، ان يفهم.

المديرة العامة ل”دراسات- المركز العربي للقانون والسياسة”. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.