قتل النساء: موت معروف مسبقاً

من وراء مقتل دعاء ابو شرخ يقف مجتمع بأكمله يعاني من تشويه فكري وقيمي صعب ويمنح رجاله حقوق فائضة فقط بفضل جنسهم. الرجال الذين يكبرون على النظر الى النساء من حولهن كمتدنيات يصارعون لانقاذ “كرامتهن المهانة” كلما اشتد صوت النساء وكلما تقدم المجتمع باتجاه المساواة.
دالية حلبي

 

اسم دعاء أبو شرخ ينضم لقائمة النساء اللواتي قتلن بسهولة لا يمكن تحملها فقط بسبب كونهن نساء. منذ بداية العام وصل عددهن ل-16، من بينهن خمس نساء عربيات وامرأة تم تعريفها كمجهولة. منذ عام 2011 وحتى اليوم تبلغ المعطيات الرسمية عن 104 حالات قتل لنساء- 38% من القتيلات هن نساء عربيات. الى هذه المعطيات المفجعة تنضم طبعاً حالات أخرى يتم تعريفها ك”انتحار” او موت “لأسباب غير واضحة” أو حالات اختفاء غامضة. بكلمات أخرى، فحجم الظاهرة أخطر وأصعب بكثير مما تعكسه المعطيات الرسمية كما أنها لا تتجاوز ثقافات او انتماءات قومية، دينية واثنية معينة ولا تقف عند أية حدود جغرافية وسياسية لدرجة أنها توجت باسم محترم في القاموس الغربي لتظهر كقيمة منفصلة في موسوعة “ويكيبيديا” تحت مصطلح “Femicide”: ابادة نساء بسبب كونهن نساء.

مظاهرة في اللد ضد قتل النساء في أعقاب مقتل دعاء أبو شرخ ابنة ال-32 عام، 30.9.2016.
مظاهرة في اللد ضد قتل النساء في أعقاب مقتل دعاء أبو شرخ ابنة ال-32 عام، 30.9.2016.

ظاهرة قتل النساء ليست بظاهرة جديدة وهناك من يعتقد بأنها بدأت قبل أكثر من 7000 عام مع ابادة الآلهة الاناث وابادة المجتمعات الامومية معها وظهور الاديان التوحيدية والنظام الأبوي الجديد. من هنا فقتل دعاء يعكس الصراع على الحيز وحدوده، وهو الصراع المتجذر منذ الماضي البعيد بالتاريخ الانساني والذي يجسد الخطر الذي يتربص بالنساء اللواتي تتجرأن على تحدي القواعد والنظام القائم الذي يضعه الرجال المتواجدين في حياتهن. وقد يكون هؤلاء آباء وأخوة، أبناء عم او ازواج يؤمنون ايماناً عميقاً بأنهم المسؤولين الحصريين عن اسلوب حياة النساء وتصرفاتهن. النساء اللواتي تقوضن النظام القائم وتتجرأن على اسماع صوت تشكلن تهديداً حقيقياً وتخاطرن بفقدان حياتهن.
مقتل دعاء هو موت معروف مسبقاً لأنه يحدث في واقع يحتوي ويتسامح مع مظاهر العنف ضد النساء حتى أنه يمنح شرعية في كثير من الأحيان ل”تربية” النساء من جديد، “ترويضهن” و”السيطرة” على اجسادهن وطرق تصرفهن. هذا موت معروف مسبقاً لأنه يقابل بالسكوت المدوي للقيادة الدينية والسياسية بالمجتمع العربي، عجزها وجبنها. موت معروف مسبقاً في واقع لا يوجد فيه من يفرض القانون ومن يحاكم، في واقع يمتاز بالفشل المؤسساتي الصارخ للشرطة ولسلطات القانون، وبالسياسة الرسمية وغير الرسمية التي تتعامل باستهتار مع مواطنات الدولة العربيات.
من وراء مقتل دعاء يقف مجتمع بأكمله يعاني من تشويه فكري وقيمي صعب. مجتمع يمنح رجاله حقوق فائضة فقط بفضل جنسهم الذي ولدوا معه، ويعلمهم النظر الى النساء من حولهم كمتدنيات وكأقل قيمة. “النساء لا تولدن نساء انما تصبحن نساء”، كما كتبت سيمون دي بوفوار، وهكذا أيضاً الرجال القتلة فهم لا يولدون قتلة انما يتحولون لقتلة بتشجيع من المجتمع وغضه للبصر عن الظاهرة. الرجال العنيفين لا يولدون عنيفين انما يربون ويكبرون ليصبحوا عنيفين على يد الرسائل الاجتماعية والعادات التي يكتسبونها منذ ولادتهم. نفس الرسائل والعادات التي تعرف مصطلحات الذكورة والانوثة، الملكية والسيطرة على المرأة وعلى جسدها. المرأة الجيدة بحسب هذه العادات هي المرأة الخانعة المطيعة التي تسمع كلمة الرجل. في المقابل، النساء الحازمات والقويات اللواتي تتجرأن على ابداء الرأي او الموقف يتم تعريفهن مباشرةً ك”جامحات”، “مشعوذات” و”خطيرات”. يتم قمعهن ومعاقبتهن وقد يدفعن الثمن بحياتهن لكي يتعلمن ويتعلم منهن الجميع. وعليه، كلما اشتد صوت النساء وقوي كلما أصبحت آليات القمع والعنف تجاههن أكثر شراسة.

الواقع المتغير وفشل المجتمع في التعامل مع هذه التغييرات البنيوية والجوهرية يولد ردود فعل عنيفة ممن يفترض بهم الحفاظ على المجتمع، أي الرجال. بهذه الطريقة يتقلص الحفاظ على المجتمع بأحيان كثيرة لصراع ضد النساء وأفعالهن كصراع رمزي على كرامة الرجال المهانة.

هذه الظاهرة لا تقتصر على المجتمع الفلسطيني بإسرائيل. هكذا، مثلاً، أظهر استطلاع من عام 2014 بأن حوالي 81% من النساء في السويد أبلغن عن تعرضهن للعنف ذلك على الرغم من ان السويد تتواجد في المكان الاول بمقياس المساواة النسوي العالمي. هذا المعطى يبين بأن تقدم النساء وحصولهن على مساواة بالحقوق لا يحصنهن من العنف. على العكس: هناك صراع على الحيز وعلى تعريف النظام المتجدد والذي قد يتم تفسيره من طرف الرجال كفقدان للحقوق الفائضة والميزات التي كانت من نصيبهم على مدى سنوات. هذه العملية تشتد بشكل خاص عندما يكون المجتمع تقليدياً ومحافظاً كالمجتمع الفلسطيني الذي يصارع على طابعه وقيمه أمام عمليات التحديث المتسارعة التي يمر بها- نفس العمليات التي تقوض تقسيم الوظائف المقبول بين الاجناس والتي توفر للكثير من النساء فرص جديدة قد لا تروق للرجال. الواقع المتغير وفشل المجتمع في التعامل مع هذه التغييرات البنيوية والجوهرية يولد ردود فعل عنيفة ممن يفترض بهم الحفاظ على المجتمع، أي الرجال. بهذه الطريقة يتقلص الحفاظ على المجتمع بأحيان كثيرة لصراع ضد النساء وأفعالهن كصراع رمزي على كرامة الرجال المهانة.
قتل النساء هو ليس قتل على خلفية رومانسية. هو أيضاً ليس قتل على خلفية شرف العائلة او ما يسمى بشرف العائلة. هو ليس قتل بدافع الغيرة او الحب او التملك. قتل النساء هو قتل. نقطة. هو قتل لأحلام ولآمال مستقبلية، هو قتل الجسد والنفس وقتل ابنة آدم وحواء. حتى نذوت هذا وحتى تتغلغل هذه العبرة في كل بيت وفي كل صف ابتداءًا من روضة الاطفال سيبقى لدينا كمجتمع الكثير من العمل لانجازه.

المديرة العامة ل”دراسات- المركز العربي للقانون والسياسة”. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.