على هذه الأرض "من" يستحق الحياة؟

نقاش حول ترجمة شطر واحد من شعر درويش يثير اسئلة حول الترجمة ومكانة المترجم- والأهم حول القوة والتمثيل.  ترجمة شعر درويش للعبرية تبدو كحقل صراع ثقافي تتداخل فيه التحليلات الشعرية والمواقف السياسية بحيث تعكس علاقات القوة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
نتنئيل سيلبرمان

 

على هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ
في الفجر، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس ، أول
الحب، عشب على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي، وخوف
الغزاة من الذكرياتْ.
على هذه الأرض ما يستحق الحياةْ: نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ
الأربعين بكامل مشمشها، ساعة الشمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ
سِرباً من الكائنات، هتافاتُ شعب لمن يصعدون إلى حتفهم
باسمين، وخوفُ الطغاة من الأغنياتْ.
على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ: على هذه الأرض سيدةُ
الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ
تسمى فلسطين. سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة

على خلفية قلة الترجمات من العربية الى العبرية، يبرز محمود درويش كمبدع ترجمت الكثير من أعماله الى العبرية. مترجمي درويش للغة العبرية هم أصحاب هويات اثنية متنوعة: بينهم يهود ينحدرون او تنحدر عائلاتهم من الدول العربية، فلسطينيون مواطنو اسرائيل، ويهود ينحدرون من الدول الاوروبية (أي أشكنازيون) أيضاً.

في النص التالي سأتناول شطراً واحداً من قصيدة درويش التي ترجمت بيد بيرتس-درور بناي، يهودي-اسرائيلي من أصل سوري. القصيدة تدعى “على هذه الأرض” وهي مأخوذة من المجموعة الشعرية “ورد أقل”. أما الترجمة العبرية فقد ظهرت بمجموعة قصائد درويش “ما بعد زجاج الغياب” التي أصدرها بناي عام 1996. مجموعة المختارات صدرت عن دار النشر “تاغ” وهي تتضمن قصائد من أربعة مجموعات كتبها درويش خلال اقامته في باريس بين السنوات 1985-1995.

مجموعة “ورد أقل” التي صدرت بالعربية للمرة الاولى عام 1986، والتي كتبت بالسنوات الاولى لاقامة درويش في باريس، تشكل نقطة تحول في شعره. هذه القصائد كانت بمثابة البداية في تحول درويش من الجماليات والثيمات المتعلقة بمعظمها بالصراع القومي والموقف السياسي المنبثق عن العيش تحت الاحتلال الى الشعر المرهف والكوني أكثر والذي استمر في كونه متشرباً بالمضامين التي تدور حول الكينونة الفلسطينية إلا أنه ذهب الى ما هو أبعد منها. هذا التغيير حدث بالتوازي مع اقتلاع درويش في عام 1985 من بيئته العربية لصالح عقد من الزمن في باريس. وقد قال درويش في معرض حديثه عن هذه النقلة: “لقد حررت نفسي من كافة الاوهام، تحولت لانسان ساخر، يسأل اسئلة عامة عن الحياة، لا مكان فيها للأيديولوجية القومية.”

الشاعر عزرا باوند ادعى بأن مسؤولية مضاعفة تقع على مترجم الشعر: فمن جهة، عليه بالدرجة الاولى أن يكون قارئاً جيداً للقصيدة بلغتها الأصلية (ان يفهم ملياً التأثيرات التي كتبت القصيدة في كنفها وكذلك مركباتها الأدبية وتلك المتواجدة خارج النص): ومن جهة أخرى، عليه أن يخمن أية مكانة ستحتل القصيدة بلغة الهدف وبثقافة الهدف. على ضوء هذا، يجدر بنا أن نذكر السياق الذي كتبت فيه المجموعة كلها، وكذلك تصريح درويش المذكور آنفاً، عندما نهم بمعاينة الترجمة التي أنجزها بيرتس-درور بناي.

ما أم من؟

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة” هو شطر مركزي بالقصيدة يتكرر ثلاث مرات وجزء منه يظهر أيضاً في عنوان القصيدة. بيد ان الحديث ليس عن مجرد جملة بل عن جملة تحولت الى عبارة مركزية في الوعي الفلسطيني لدرجة ان البحث عنها على محرك “جوجل” يظهر 1،300،000 نتيجة(!). هكذا، على سبيل المثال، كانت هي العنوان لمعرض افتتح في مركز ثقافي فلسطيني بعام 2009، ولمؤتمر دولي لشؤون البيئة الفلسطينية حتى أن الموقع الالكتروني الرسمي والمركزي لمحمود درويش يحمل هذا الاسم. بكلمات أخرى، هذا الشطر قد تحول الى رمز في وعي وثقافة متحدثي اللغة الأصلية.

هذا الرمز تحول في ترجمة بناي ال “على هذه الأرض من يستحق الحياة”، وهي ترجمة مثيرة للاستغراب خاصة وأن المبنى العربي واضح جداً ولا يسمح بالترجمة إلا بطريقة واحدة فقط وهي: على هذه الأرض هناك ما يستحق الحياة من أجله. ولو أن Munir Akash و Carolyn Forché الذين قاموا بترجمة القصيدة الى الانجليزية ترجموا الشطر على النحو التالي: “we have on this earth what makes life worth living”.

اذاً ما الذي جعل بناي، الشاعر والمترجم الذي تعتبر العربية لغته الأم، يحول جملة درويش الكونية التي تركز على المجرد- المكان الذي يستحق بأن نعيش من أجله- الى جملة قومية تنص على أن هناك من يستحق الحياة وبالنتيجة طبعاً من لا يستحق الحياة أيضاً. هل الحديث عن عدم فهم للغة العربية أم أن هناك دافع آخر؟.

بناي يعتقد بأن درويش تحدث بصوتين: بصوت واحد تحدث الى العالم العربي، جمهوره المركزي، وقال له الحقيقة التي في قلبه، وبصوت آخر مخفف أكثر هدف الى “تعبئة أكبر كم ممكن من القوى بين الاسرائيليين لصالح قضيته”.

الشاعر والمترجم الإسرائيلي بيرتس-درور بناي وصل الى اسرائيل مع عائلته من القامشلي بشمال سوريا عندما كان ابن 14 عام. حتى قدومه الى البلاد تعلم في مدرسة بروتستانتية في حلب. على مدى السنوات نشرت قصائده بمجلات مختلفة وحاز مرتين على جائزة الابداع عل اسم اشكول ليفي. حتى الآن قام بإصدار 16 ديواناً شعرياً وترجم أربعة كتب عن العربية.

عندما يحاول وصف مهمة ترجمة الشعر من العربية، يقول بناي بأنه “يقوم بالاستخبار” مجازاً (كل أقواله الواردة هنا جاءت خلال مقابلة أجريتها معه). ليس الحديث عن الاستخبار بالمعنى العسكري او “السلبي” انما الاستخبار “الايجابي” الذي يهدف لأن يقدم للإسرائيلي صورة حقيقة عن ثقافة منع من معرفتها بسبب الصراع الدموي. ك”رجل استخبارات” بناي يعرف درويش بحذافيره: قصائده، مقالاته، حياته، المقابلات التي اجراها والخ.

بناي يعتقد بأن درويش تحدث بصوتين: بصوت واحد تحدث الى العالم العربي، جمهوره المركزي، وقال له الحقيقة التي في قلبه، وبصوت آخر مخفف أكثر هدف الى “تعبئة أكبر كم ممكن من القوى بين الاسرائيليين لصالح قضيته”. على هذا النحو، خفف درويش على مدى السنوات رسائله عندما توجه للجمهور الإسرائيلي. في مقابلة لجريدة “هآرتس” شدد درويش على انه يقوم بكتابة قصائد حب أيضاً وبأنه معني بأن تتم ترجمة هذه لأنه “أراد أن يظهر جانبه الانساني” في هذا الاطار. لكن بناي أصر على أنه عندما يقوم بترجمة شعر درويش “لن تفلت منه هذه المسألة القومية السياسية، لن تتموه. ستكون كما هي وستلمع وتبرز”. هذا على التناقض من رغبة درويش الذي كان معنياً بالتخفيف من هذه الجوانب بالترجمات العبرية.

بناي يرفض أن يسلك مسلك المترجمين الآخرين الذي يخدمون اجندة درويش ولذلك يفوتون المسألة الوحيدة الهامة بالترجمة الا وهي: اجندة الشعر نفسه. كون بناي شاعر يترجم شاعراً آخراً، شاعر مخلص للحقيقة الشعرية وليس لأجندة سياسية بهذا الاتجاه او ذك، هو الأمر الأهم وهو الذي يمكنه من النفاذ الى مكنون شعر درويش.

الآن سنحاول ان نتبين بماذا يتعلق القرار الذي حور الترجمة واستبدل “ما يستحق الحياة” ب”من يستحق الحياة”. بناي يعتقد بأن قصيدة درويش جاءت لتخدم فكرة. ما هي هذه الفكرة والتي هي لب القصيدة؟ هذه الفكرة هي الشعب المقموع: “من هو هذا الما؟ هناك من، لم أقل من، ولكن لأنه يواصل فيما بعد ليذكر الشعب فهو يفسر، يقدم تفسير لمن هو المن. كيف استطيع اذاً ان آخذه وأحوله لمجرد؟ هذا ممنوع علي. يتوجب علي بأن أخدم الفكرة التي يخدمها هو في كتابته.”

بناي يرفض تمويه الابعاد القومية القائمة، بنظره، في شعر درويش. هو معني بتقديم درويش للقارئ الاسرائيلي على نحو واضح ومكشوف، كما هو، كالشاعر القومي الفلسطيني وليس كمحمود درويش السياسي الذي كان معنياً بأن يصل صوته الى الاسرائيليين مخففاً وملطفاً.

عدا عن ذلك، يقول بناي فان كل الامور التي يذكرها الشاعر في القسم الاول (من القصيدة) لا قيمة لها لوحدها: شهر ابريل، الخبز وحتى السجن. بكلمات بناي: “ما أهمية كل هذه ان لم يكن هناك أناس بحاجة لها، أناس تسكنها؟”، ويواصل: “لهذا فمحمود درويش هنا يريد التعاطف ولهذا عليه ان يذكر كل الامور الضرورية: الحب، الخبز، وغيرها  من الأمور التي يحتاجها الناس. ولكن من هم الناس؟ هم هذا الشعب وأبطاله”. بناي يعتقد بأن هذه القصيدة التي تمتدح (ظاهرياً) الحياة تعود للفترة المتأخرة لدى درويش: “عندما تعرف على ثقافة أخرى وانفتح عليها وصار يريد (جائزة) نوبل وأشياء أخرى”. هذا التظاهر لا يمر على بناي بنهاية المطاف حتى أنه يقول: “انه ببساطة يقوم بخداعي.”

بناءً عليه، فالقرار الذي يحور النص العربي لا ينبع عن جهل او عدم معرفة باللغة إنما العكس- عن موقف واعي لشاعر يترجم شاعر آخر بإسم أجندة الشعر. هو يستعين بالإيحاء وبالمعرفة العميقة والجذرية بدرويش والتي تمكنه من الكشف عن الجوهر وعن الفكرة الشعرية. بناي يرفض تمويه الابعاد القومية القائمة، بنظره، في شعر درويش. هو معني بتقديم درويش للقارئ الاسرائيلي على نحو واضح ومكشوف، كما هو، كالشاعر القومي الفلسطيني وليس كمحمود درويش السياسي الذي كان معنياً بأن يصل صوته الى الاسرائيليين مخففاً وملطفاً.

عن الترجمة

الترجمة، يقول باحث الترجمة لورانس فينوتي، يجب أن تعتبر كعمل سياسي. فينوتي أعد كتاباً كاملاً هدفه انتشال المترجم من مكانه الشفاف والمجهول. على مدى التاريخ اعتبر المترجم كرجل ظلال ليس له وجود كناقد وكمحلل ثقافي. احدى مقترحات فينوتي تقول بأنه يجب الكف عن اعتبار المترجم كغير مرئي: يجب النظر اليه كمحلل، مبدع ووكيل ثقافي يقوم بنشاط اقتصادي، ثقافي وسياسي بكل معنى الكلمة.

لا شك بأن بيرتس-درور بناي يقف بالتحدي الذي يضعه فينوتي. هو ليس مترجم فقط إنما محلل واعي ينظر الى عمل الترجمة الاستخباري كعمل ايجابي يسعى الى عرض محمود درويش أمام القارئ الإسرائيلي كما هو حقاً وليس كما كان يريد أن يصور بعيون القارئ الإسرائيلي. بنظر بناي، كونه شاعر (لاجئ) يترجم شاعر (لاجئ) آخر هو ما يمنحه مكانة كمترجم شعر حقيقي قادر على تعقب حالة درويش النفسية الداخلية، مترجم ليس مرشواً أو منحازاً بتأثير أجندات أخرى.

فهل تمثل “ما يستحق الحياة على هذه الأرض” في قصيدة درويش موقفاً كونياً ومخففاً يعود للفترة المتأخرة من شعر درويش ام أنها، كما يظهر من ترجمة بناي، استمرارية للخط القومي ولكن من خلال محاولة للتظاهر وللحصول على التعاطف؟ هذا السؤال يبقى مفتوحاً في هذا النص ويبقى مفتوحاً لقرار القراء. ولكن بكلا الحالتين هذا النقاش حول ترجمة شطر واحد من شعر درويش يثير اسئلة حول القوة والتمثيل. حقل ترجمة شعر درويش للعبرية يبدو كحقل صراع ثقافي تتداخل فيه التحليلات الشعرية والمواقف السياسية لتخلق فناً جديداً يعكس علاقات القوة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

ناشط، مترجم، باحث أدبي، يكتب رسالة الدكتوراة في جامعة تورونتو بموضوع المقارنة بين شعر محمود درويش وشعر حاييم نحمان بياليك. 

*نشر النص للرة الاولى بموقع اللسعة باللغة العبرية بتاريخ 20.5.2015.
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.