كيف جرى استيعاب اليهود الشرقيين في الخطاب الصهيو-إشكنازي: الجزء الثاني

تفكك شوشانا جباي، الاعلامية والباحثة الإسرائيلية من أصول عراقية، عدداً من الأساطير المؤسسة للصراع الطائفي بين اليهود الأشكناز والشرقيين في إسرائيل، وتشرح عملية نفسية معقدة تنتهجها الجماعات المهزومة متسائلة كيف يمكن للمقموع أن يتبنى صورة قامعه عن نفسه؟!
خاص باللسعة

 

مقدمة المترجم نائل الطوخي:

منذ تحول اليهود الآتين من أصول شرقية إلى قوة تصويتية لا يستهان بها في إسرائيل، وانحيازهم للأحزاب اليمينية مثل حزبي “الليكود” ثم “شاس”، حتى بدأت تلتصق بهم صورة “المتعصبين” الأيديولوجيين، في مقابل اليهود من أصول أوروبية، أي “الإشكنازيين”، الذين يتم تصورهم في الخيال الشعبي الإسرائيلي بوصفهم عقلانيين ومعتدلين. تزامن هذا مع انهيار اليسار الإسرائيلي، ممثلاً في سلطة حزب “مباي” اليساري ذي الطبيعة الإشكنازية الذي ظل مهيمناً في إسرائيل حتى صعود حزب الليكود اليميني في 1977 على يد مصوتين من أصول شرقية غالباً .

هكذا وُصم اليهود الشرقيون أيضاً، من بين ما وصموا به، بأنهم “الجماهير الغفيرة لإسرائيل”، في مقابل نخبتها الإشكنازية- “المستنيرين” الذين يصوتون لـ”مباي” و”حزب العمل” ويحبون السلام. كانت هذه هي الخطوة الأولى، أما الثانية، فكانت أن الشرقيين نفسهم استوعبوا هذا الوصم وقاموا بتذويته في كينونتهم.

في هذا المقال المنشور بالأصل في موقع “اللسعة” العبري تحت عنوان “نحن العاطفيون: النضال الشرقي كخادم مخلص للإعلام النيو-ليبرالي”، تفكك شوشانا جباي، الاعلامية والباحثة الإسرائيلية من أصول عراقية، عدداً من الأساطير المؤسسة للصراع الطائفي في إسرائيل، تفكك صورة الشرقي والإشكنازي كما تخيلها كل منهما. من هي الطائفة الأكثر “حداثة” في إسرائيل، الإشكناز أم الشرقيون؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال تعود الكاتبة، وهي إحدى مؤسسي حركة “القوس الديمقراطي الشرقي” في إسرائيل، إلى بدايات القصة، حينما التقى المبعوثين الصهاينة بممثلي الطوائف الشرقية في البلدان العربية لتجنيدهم وإقناعهم بالهجرة لإسرائيل.

تنبع أهمية المقال من كونه يلقي الضوء على تاريخ “اليهود العرب”، بعيداً عن السؤال التبسيطي حول ما إذا كانوا عملاء لإسرائيل أم عرباً وطنيين، كما يلقي الضوء على التوتر الطائفي اليوم في إسرائيل بين اليهود الإشكناز والشرقيين، ويشرح عملية نفسية معقدة تنتهجها الجماعات المهزومة، كيف يمكن للمقموع أن يتبنى صورة قامعه عن نفسه، وكيف يمكن إحلال الصراع الرمزي، ضد التصنيفات والأنماط المسبقة، محل الصراع المادي، من أجل التوزيع العادل للموارد.

نسوق فيما يلي الجزء الثاني من المقال والذي سننشره هنا على ثلاث مراحل.

للاطلاع على الجزء الاول.

قياصرة مبعدون في ممالك خاوية

تثبيت النضال الشرقي وتركزه على الصور السلبية لدى الإشكنازيين بخصوصنا، يواصل في الواقع تثبيت المعبرة[1]  كخط صفري لتاريخنا ووسم وضعنا كهامشي من الأزل. في معالجة لشعار رئيس حكومتنا الأبدي، “نسينا ماذا يعني أن نكون يهوداً شرقيين”[2]، نسينا ماذا كنا هناك – في الدول الإسلامية على طول مئات السنوات – قبل أن نقوم هنا بدور الجمهور الشعبي لدولة الصهاينة.

وما الذي كانه اليهود في هذه الدول حينما لم يكونوا يذهبون للصلاة في المعبد؟ ما الذي كانوه بخلاف الاختزال الصهيوني الكامن في “اضطهدونا أم لم يضطهدونا”، وفي”هل كانت الدول العربية جحيماً أم جنة عدن”؟ الإجابة أننا كنا أقلية نخبوية، العمود الفقري المديني للدول العربية، متعاونين مع الملوك ومع القوى العظمى الأوروبية على طول مئات السنوات. هذه إجابة يصعب على الكثيرين من يهود الشرق والكثيرين من النشطاء الشرقيين استيعابها. حتى وهم يطلقونها بلغة ناعمة تدافع عن نفسها فهم لا يصدقونها في الحقيقة، وإنما يصدقون فقط الصورة الإشكنازية عنهم.

لهذا، فالإجابة على الاستهزاء الثابت المعبر عنه في سؤال “كيف يمكن أن تكونوا كلكم عملتم عند الملك”، لن تكون اعتذاراً على طريقة “ولكن انظر إلى جدي، في الواقع كان خياط الملك أو طبيبه”. الإجابة ستكون نعم! كلنا عملنا عند الملك ثم عند القوى العظمى الاستعمارية. هكذا قدنا حياتنا بحرص لمئات السنوات وبحثنا عن الأمن والأمان لدى السلطة. لهذا، لا يهم أبداً لو كنت خياطاً فقيراً في طرابلس أو أخذت لقب سير من الملكة فيكتوريا لأنك دفعت لها مالاً كثيراً.

من لحظة هجرتهم لإسرائيل توقف اليهود الشرقيون عن تقلد الوظائف الأكبر في الثقافة، الاقتصاد والسياسة، وفقدوا وضعهم كنخبة. لهذا، فتسمية “النخب الجديدة” التي تنضح بالجهل المتذلل للنخبة المؤسسة الجديدة القائمة في إسرائيل، تنثر الملح على جروح هؤلاء وذاكرتهم الطويلة. نحن لسنا نخبة جديدة وإنما قديمة، قديمة جداً وسُلبت قوتها.

نموذج مألوف آخر للمسافة بين الواقع وبين تصور اليهود الشرقيين في إسرائيل عن ذواتهم باعتبارهم “الجماهير الشعبية”، يمكن العثور عليه في الإجابة على سؤال نسبة اليهود الشرقيين بين الشعب اليهودي. الغالبية الكاسحة من الشرقيين في البلد سيردون بأن الشرقيين يمثلون أغلبية بين الشعب اليهودي! ولكن نسبة اليهود الشرقيين في الشعب اليهودي، أي مجموع اليهود في العالم، هو حوالي 20% فقط. هذه النسبة ليست مدرَكة في الوعي الإسرائيلي السائد لأنها تناقض صورة “الجماهير الشعبية” التي تحاول الهيمنة الصهيونية دفعها لنا منذ وطأت أقدامنا دولة إسرائيل. كنا أقلية في البلدان الإسلامية وظللنا أقلية في إسرائيل أيضاً. جميع اليهود الشرقيين يشعرون كأنهم أقلية في إسرائيل، أي يشعرون بعدم الانتماء للثقافة المهيمنة، ولكنهم يعتقدون خطأ أنهم يشكلون الأغلبية العددية في الدولة والشعب اليهوديين. باستثناء فترة قصيرة وحتى نهاية الثمانينيات التي شكل فيها الشرقيون حوالي 60% من تعداد السكان في إسرائيل، فإحساس أننا نشكل أغلبية حقيقية هو إحساس خاطئ. الشرقيون، بمن فيهم أغلب النشطاء الشرقيين، يحاولون الارتباط بإطار”divide et impera” (فرق تسد) الذي صاغته المؤسسة الصهيو-إشكنازية، وعدد قليل منهم فقط يعارضه.

الخطوة التي لم تتعاف منها الأقلية اليهودية الشرقية في إسرائيل والتي قررت مصيرها إلى اليوم، حدثت في الواقع قبل قدومها الى البلاد وظلت مضببة ومسكوتاً عنها، وهي إخراج قادة الطوائف اليهودية في البلدان الإسلامية من خلال التفكيك الداخلي للطوائف بينما هم مازالوا في بلادهم الأم نتيجة لتدخل الصهاينة. لو أخذنا نموذجاً نصوص المبعوثين الصهاينة للعراق في الأربعينيات والتي تستشهد بها الباحثة إستر مئير في مقالها “عوالم متصادمة: اللقاء بين مبعوثي الاستيطان إلى يهود العراق في الأربعينيات وبداية الخمسينيات” (من مجموعة مقالاتها “بين المهاجرين والمخضرمين: إسرائيل في الهجرة الكبرى 1948-1953” والذي حررته داليا عوفار)، سنجد أن المبعوثين الصهاينة لم ينشطوا إلا بين الشباب ولم يتوجهوا أبداً إلى كبار الطائفة ولا نخبتها. صحيح أن مئير تصف هذه الخطوة الصهيونية بأنها ناتجة عن “يأس من الجيل الأكبر وإيمان بالجيل الشاب”، ولكنها بواقع الأمر كانت خطوة استراتيجية أساسية للأيديولوجيين الثوريين. وظيفة الثوريين قطع الرأس.

الحديث هو عن تصادم حدث بين قادة أقلية دينية، معتدلين وحذرين ذوي توجهات حديثة وكوزموبوليتانية، ودوماً ما شجعوا أبناء طائفتهم على الحصول على تعليم غربي حديث، وبين ثوريين أصوليين، قوميين وعنيفين. رأى المبعوثون نفسهم كمزارعين بسطاء وطبيعيين مقابل “الأغنياء الفاسدين” و”مرتدي البدل” الذين يتصدر “صعود السلم الاجتماعي” رأس اهتماماتهم. هم “يحبون التفلسف”، كما كتب عنهم المبعوث أفيجدور مئيروف، قائد “مؤسسة الهجرة الثانية”، وهو واحد من الكبار في المنظومة الأمنية للاستيطان، رجل عرف متأخراً جداً أمراً أو اثنين عن ارتباط الموساد بمقتل المعارض المغربي مهدي بن بركة.

مقهى يهودي في حي الملاح بفاس، المغرب 1912.
مقهى يهودي في حي الملاح بفاس، المغرب 1912.

منظومة التصورات لدى هؤلاء المبعوثين الصهاينة كانت مأخوذة من حياتهم هم ومن حياة آبائهم في شرق أوروبا وقت الثورة الشيوعية. كانت النخبة اليهودية الشرقية مشابهة في نظرهم للنبالة الروسية الفاسدة التي تمت تصفيتها من أجل قيادة الشعب. وحتى لو يكن الأمر متعلقاً بتصفية بدنية مثلما في روسيا، ففي هذا الصراع التراجيدي كسب الثوريون. لم تجرؤ القيادة اليهودية المعتدلة بطبعها على معارضة المبعوثين الصهاينة، كما تقول مئير، فهؤلاء المبعوثون جاؤوا من أرض صهيون المحفوظ لها ارتباط خاص وعميق. كما أنه من خلف “هؤلاء المزارعين البسطاء والطبيعيين” كانت تقف “الوكالة اليهودية”، والتي تصورَها قادة الطائفة الصغيرة، وفق مئير، كأنها “منظمة دولية ذات صلاحيات سياسية وكأنها قائدة الشعب اليهودي، لهذا لم يجرؤوا على مواجهتها”. سبب آخر في رأي مئير كان أن شباباً كثيرين مالوا للشيوعية التي عُدت تهديداً أكبر بكثير.

بشكل عام، فالقيادة اليهودية الشرقية توصف في الإشارات القليلة إليها في الكتب المدرسية في إسرائيل بشكل ساخر وشبه معاد للسامية بأنها “سلبية” و”تهتم بثرواتها”. ها هي جملة من تلخيص نموذجي للتلاميذ على شبكة الإنترنت: “الحاخام ساسون كدوري، ومثله الكثيرون من قادة الطائفة الأثرياء لم يرغبوا في الهجرة لأرض إسرائيل، لأن هذه الخطوة كانت مرتبطة بفقدان ممتلكاتهم من العقارات وغلق مشاريع مثل البنوك وأعمال الصرافة التي لا يمكنها التواجد في أرض إسرائيل”.

الاحتقار الذي شعر به الصهاينة ضد اليهود البرجوازيين والكوزموبوليتانيين هؤلاء تجذر جيداً أيضاً في نفوس المبعوثين الصهاينة المولودين في العراق. كتب شلومو هيلل، المولود في العراق، أنه أحبط لدى مرأى اليهود المدينيين، العلمانيين والفاسدين في بغداد. في مقابل هذا، وصف هيلل طائفة اليهود الأكراد الساكنين في شمال العراق بأنها “المكان الوحيد الذي يحتوي ملامح إنسانية لليهودية” (من نفس المقال لإستر مئير). نجد نفسنا أمام نفس التكتيك للتطويق انطلاقاً من الضواحي الفقيرة وقطع رأس الطائفة.

دائماً ما يأسر الحسم المتعصب ألباب الشباب، وهنا في هذه الحالة أيضاً تمرد شباب الطائفة، الذين ارتبطوا بوكلاء جاؤوا من أرض إسرائيل، ورفضوا القيادة التقليدية للطائفة اليهودية. في رمز للإذلال والاحتقار هاجم الشباب الصهاينة الحاخام ساسون كدوري في الشارع [في العراق] ورموا قلنسوته على الأرض. علامات استبدال القيادة نراها حتى اليوم لدى الطوائف اليهودية الشرقية. كانت للقيادة الدينية دائماً شرعية تحت الصهيونية (سك البروفيسور يهودا شنهاف مفهوم “تديين”، لوصف العملية التي فرضها الصهاينة على اليهود الشرقيين)، فقط بشرط ألا تنشغل بالسياسة. أحياناً، مثلما في المغرب، تعاون القادة الدينيون مع الصهاينة على أمل أن تحافظ الصهيونية على الشباب تحت جناح الدين، ولهذا، كان هؤلاء هم القادة الدينيون الذين تعافوا في إسرائيل مع مرور السنوات، استردوا قيادة طوائفهم، بل ودخلوا السياسة كممثلين عن الدين. القيادة العلمانية [الشرقية] كانت هي من لم تتعاف، وكذلك مسؤولون ومعهم يساريون وشيوعيون كثر. والذين تحولوا إلى قياصرة مبعدين في ممالك خاوية، ولم تقم لهم قائمة فيما بعد. هاجروا إلى بلدان عدوا فيها رعايا مثل إنجلترا وفرنسا وكذلك الولايات المتحدة. في الحقيقة، كان هؤلاء القادة العلمانيين الأواخر لطائفة اليهود الشرقيون. من لحظة هجرتهم لإسرائيل توقف اليهود الشرقيون عن تقلد الوظائف الأكبر في الثقافة، الاقتصاد والسياسة، وفقدوا وضعهم كنخبة. لهذا، فتسمية “النخب الجديدة” التي تنضح بالجهل المتذلل للنخبة المؤسسة الجديدة القائمة في إسرائيل، تنثر الملح على جروح هؤلاء وذاكرتهم الطويلة. نحن لسنا نخبة جديدة وإنما قديمة، قديمة جداً وسُلبت قوتها.

كم هو مثير للسخرية أن الصهيونية تتحدث كثيراً عن انتصاب القامة، ولكنها في الواقع تعمل بلا هوادة على خلق إنسان محني القامة. نجح هذا بدرجة أقل مع الفلسطينيين، ولكن النجاح كان أكبر مع اليهود الشرقيين.

يصعب على الإسرائيليين استيعاب وجهة النظر هذه. من ولد هنا، شرقياً كان أو إشكنازياً، كبر بصحبة صورة ذاتية مرغوبة للإشكنازيين بوصفهم طبقات السلطة المستقرة من قديم الأزل، والعاملة لصالح كل الشعب، بضبط نفس شعوري، عقلانية، مسئولية، اعتدال، نضج، هدوء وتهذيب. عندما نرضع أوصافاً تجميلية وتحسينية طول الحياة في المدرسة، في الكتابات والحيز العام الإسرائيلي، يصبح من الصعب رؤية الصهيونية الإشكنازية كما هي: أيديولوجيا متعصبة للثوريين. هذه الصورة تُنسب بشكل عام للمستوطنين منذ 67، فقط لهم. واقع الحياة اليومية الصهيونية هو في جوهره واقع من الاقتحام العدواني – عدم الحساسية، الاستهانة بحيز الفرد الآخر. ولكن في الخطاب الصهيوني يتم إسقاط هذه التصورات واختزالها فجأة على تقاليد اليهودي الشرقي في إسرائيل. هذا الإسقاط يشيع أيضاً لدى نشطاء شرقيين وهم لا ينشغلون الآن إلا به.

ثمة فيلم أنتجته “الهستدروت الصهيونيية” عن يهود المغرب عام 1963 وأخرجه أرنان تسفرير. الفيلم يثير الاهتمام بشكل خاص فيما يتعلق بهذا التفاعل بين الشرقيين الصهاينة وبين الهوية الشرقية. نص الفيلم كتبه الأديب أ. ب. يهوشواع، وهو يهودي شرقي متحول يعد نفسه متعصباً صهيونياً. يعكس الفيلم بوضوح كيف يؤخذ من طائفة ما صوتها. لا يتم إجراء لقاءات في الفيلم مع المتحدثين باسم الطائفة كما هو شائع في العمل الصحفي عندما نصل لطائفة غير معروفة. في الواقع، لا يتم إجراء لقاءات مع أحد. يقرأ المذيع ببساطة كلمات يهوشواع، الذي اجتهد وكتب حواراً متخيلاً بين اثنين يتم تصويرهما في الفيلم. إلى هذه الدرجة تصل الهيمنة الأيديولوجية في الفيلم. أصوات الطائفة نفسها غير مسموعة إلا في الصلوات، الموسيقى والأغاني. وأحيانا ضجة، خليط من أصوات السوق، ومرة واحدة نسمع تسجيلاً لكلمة “أرض إسرائيل” يقولها شخص لمحاوره. جملة واحدة تلخص علاقة يهوشواع بيهود الشرق، عندما يتطرق النص لليهود الذين تبعوا المبعوثين الصهاينة إلى أرض إسرائيل، يقول الصوت: “كأطفال يقدمون أنفسهم إلى أيدي الشباب الأجانب”. هاهو القطيع، وهاهو الراعي المخلص. حياتنا تحت جناح الصهيونية هي عملية إنقاذ عسكري لا نهائي متواصل حتى اليوم للمخلِصين والمخلَصين.

مما يثير الاهتمام أن هذا الفيلم نُفذ في صيغة قصيرة أخرى من أجل جمهور المساهمين الأمريكيين، وكان هذه المرة مصحوباً بنص مختلف يقرأه هربرت فريدمان من الحملة اليهودية الأمريكية لجمع التبرعات. يبدأ الفيلم بمشاهد جانبية لمدينة كازابلانكا تم قطعها من الفيلم الإسرائيلي. في مقابل هذا يبدأ الفيلم الإسرائيلي بصورة لقبور مهمَلة للآباء. في الفيلم الأمريكي هناك ثقة ممنوحة ليهود أمريكا الذين ساهموا مادياً من أجل إمداد يهود المغرب بالتعليم، الأدوية، والطعام، حتى في أيام الحرب العالمية الثانية، وثمة مشاهد تستعجل يهود أمريكا لمواصلة المساهمة. هناك أيضاً تلميح للتوتر الذي جاءت به الصهيونية إلى العلاقات بين اليهود والعرب، ولكن هناك أيضاً وصف للعلاقات الطيبة بين اليهود والعرب في جبال الأطلس، هذا بينما الصور عن العرب في الفيلم الإسرائيلي هي سلبية فقط، كمدبري مكائد، وليس ثمة ثقة ممنوحة ليهود العالم الذين مولوا بسخاء الدولة الصهيونية وأنشطتها، بما فيها هذا النشاط. وإنما فقط الإعلاء من شأن المبعوثين الصهاينة والصهيونية.

من فرط ضبابية وتشظي التاريخ الشرقي يصعب رؤية حقيقتين. الأولى هي أن الطوائف اليهودية في العالم كانت تعمل دائماً في تضامن، ساعدت الواحدة منهم الأخرى ودعمتها بسخاء، قبل أن يربي هرتسل لحيته بوقت طويل. وهكذا اعتمدت الحركة الصهيونية أيضاً بشكل ثقيل على طاولة الأسخياء قبل أن تبدأ ببيع “الهاي- تك”(التقنية العالية) والسلاح. هذا التضامن بين اليهود في أنحاء العالم الذي ساد على مدار الأجيال لا يشار إليه تقريباً. أموال المساعدة الممنوحة للاجئين اليهود من الشرق ومن أوروبا بعد الهولوكست تقدم دائماً وكأنها خرجت من خزانة الاستيطان اليهودي [في فلسطين] ثم من خزانة الدولة. ولكن في الواقع فمساعدات يهود العالم والتي خصصت لدعم اللاجئين اليهود هي التي مولت الاستيطان اليهودي في البلاد. الحقيقة الثانية أن كثيراً من يهود الشرق مُنحوا مواطنة فرنسية وإنجليزية، بل وإيطالية، ولهذا كان لديهم دائماً مكان يذهبون إليه على عكس يهود شرق أوروبا الذي لاقوا صعوبة في العودة لبلدانهم بعد الهولوكست ولم تُفتح أبواب الدول الغربية لهم إلا بالقطارة. في الحيز العام الإسرائيلي ليس هناك استبطان لهذه المعلومة ولازالت جمل كاذبة عن إنقاذ الصهاينة ليهود الشرق في الكتب الدراسية هي غذاء أطفال إسرائيل. ما العجب أن يرسل أي ذي أنف سائل مثل أوري أورباخ أو نفتالي بنيت [من حزب “البيت اليهودي”] حتى اليوم رجالهما للقيام بدور أصحاب البيوت في البلدات الشرقية- الروسية (المعروفة باسم “بلدات التطوير“[3] رغم أنها لم يكن مقرراً لها التطوير في الحقيقة)؟

يصعب إذن الزعم أن الفيلم الصهيوني ليهوشواع معدّ وفق النظرة المعيارية للأفلام الوثائقية في هذه الأيام. لو أخذنا نموذجاً تقريراً من التلفزيون الفرنسي من معسكر الانتقال في مارسيليا في هذه السنة بالضبط سنكتشف للعجب العجاب أن “الأطفال” تعلموا الكلام خلال عدة أيام. وليس فقط أنهم تعلموا الكلام، وإنما أصبحت لديهم أشياء قاسية يقولونها ضد النظام في إسرائيل. في ريبورتاج ساحر آخر، يعود على ما يبدو إلى 62-63، وقدمه التليفزيون الفرنسي عن يهود الجزائر الذين وصلوا مدينة “أشدود” [في إسرائيل]، يتحدث رجال الطائفة باللغة الفرنسية بهدوء ويحاذرون من نقد بلدهم الجديد. فقط الطبيب المثقف يعبر بشكل حاد ويشرح لماذا غادر إسرائيل. السبب الأساسي هو الاحتقار الذي شعر به موجهاً ضده ممن يسميهم “اليهود الغربيون”. نعم، حدد الطبيب الجزائري ما يفصل بينه وبين هؤلاء الذين تركهم خلفه في إسرائيل. اليهودي الشرقي في المنفى هو هذا الذي لا يريد العيش في مهانة وإذلال موجهين لأبناء طائفته في إسرائيل. كم هو مثير للسخرية أن الصهيونية تتحدث كثيراً عن انتصاب القامة، ولكنها في الواقع تعمل بلا هوادة على خلق إنسان محني القامة. نجح هذا بدرجة أقل مع الفلسطينيين، ولكن النجاح كان أكبر مع اليهود الشرقيين.

المزيد:

كيف جرى استيعاب اليهود الشرقيين في الخطاب الصهيو-إشكنازي: الجزء الأول.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.