دعوا الاولاد يلعبون كرة القدم بهدوء!

ما الذي يخيفنا لهذه الدرجة بالاختلاط مع مجموعة أخرى؟ ما الأمر الذي يهددنا لدى هؤلاء الاولاد الصغار من ام الفحم والذي أدى بمجموعة أهالي من الخضيرة لأن تطالب بالفصل بين اولادهم والاولاد العرب في نادي كرة القدم “هبوعيل الخضيرة”؟
يفعات بن درور لوطوك

 

في مدرسة كرة القدم “هبوعيل الخضيرة” طالب أهالي لأولاد يهود مؤخراً بألا يسمح للأولاد العرب من ام الفحم بالتدرب مع أولادهم في نفس الفريق. المدرب استسلم للضغوطات وتقرر انشاء فريقين منفصلين للعرب واليهود.

الاولاد في اسرائيل يولدون لواقع من الفصل والتفرقة يخلق الجهل ويخلد حالة من المعرفة المعدومة تقريباً للآخر. الوصمات والآراء المسبقة المتجذرة عميقاً في الوعي تخلق جداراً ثقافياً، اجتماعياً وانسانياً. الطريقة الأمثل للتعرف الى الطرف الآخر هي الالتقاء في حيز مشترك منذ جيل صغير، وقد يكون هذا في أي مجال- فريق كرة قدم، على سبيل المثال، هو فرصة رائعة للتعرف، لتمويه الحدود، لإذابة الجدران خاصة وان هذه الجدران لم تنشأ بعد في كينونة الأولاد الصغار. هذه تتواجد لدينا نحن البالغين. اذاً ما الذي يخيفنا لهذه الدرجة بهذا الاختلاط؟ ما هو الأمر الذي يهددنا بهذه الدرجة لدى هؤلاء الاولاد الصغار من ام الفحم والذي أدى بمجموعة الأهالي من الخضيرة لأن تطالب بالفصل بين اولادهم والاولاد العرب في نادي كرة القدم “هبوعيل الخضيرة”؟

هذا الخوف المسبق بأن اختلاط اولادنا مع اولاد من ديانة أخرى، ثقافة أخرى أو لون آخر سيزعزع شيئاً في هويتهم لا اساس له من الصحة. هو يعتمد على مناطق من الجهل والتمترس الفكري المتجذرة لدينا جميعاً تقريباً.

الوسم السلبي لأم الفحم كمكان متطرف يحمل فيه الناس آراء متعصبة او بكلمات أخرى “يكرهوننا”، يحصل على تأكيد في كل مرة نسمع فيها بالأخبار عن حادثة عنيفة وقعت بالبلدة. ولكن في كل يوم آخر هناك روتين يومي واعتيادي تماماً كما تحدث هناك أمور جميلة ورائعة كذلك. الاولاد يذهبون الى الروضة والمدرسة، الناس تقصد أماكن عملها، الحوانيت تفتح أبوابها ومراكز المشتريات تعج بالحياة. في ام الفحم هناك أطباء وطبيبات، مهندسين، ممرضات، معلمين ومعلمات، مقاولين، نساء أعمال، ربات بيوت، عاملات اجتماعيات، عمال بناء، فنانين، موسيقيين والتشكيلة الانسانية الكاملة التي نجدها في أي مكان آخر.

من تجربتي، بعد سنتين كمعلمة للعبرية المحكية، يهودية وحيدة في مدرسة اعدادية عربية، بإمكاني ان اؤكد على ان هذا الاختلاط حطم آراء مسبقة كانت لدي حول المجتمع العربي وشحذ حتى شيئاً في هويتي اليهودية الاسرائيلية. حتى تلك السنتين لم أزر ام الفحم بحياتي وكنت اسيرة الآراء المسبقة والمخاوف تماماً مثل الكثير من الناس. المعرفة القريبة للناس والفتية في أم الفحم غيرت نظرتي للحياة ومكنتني من التعرف على مستويات أعمق للمجتمع المحلي.

صحيح بأن هناك في ام الفحم أيضاً مشاكل بطالة، جريمة، أسلحة غير قانونية وظواهر متطرفة من أنواع مختلفة، ولكن كذلك في الخضيرة كانت هناك محاولات تصفية، حالات قتل ومشاكل جريمة. في احدى المرات وجدوا اسلحة خبأها مجرمون في بناية قريبة من مكان سكني. هل يقول ذلك عني أي شيء؟ عن عائلتي؟ عن جيراني في الخضيرة؟ هناك من سيدعي بأن الجريمة تتواجد بنطاق اوسع بالوسط العربي لكن المعطيات الاحصائية ليست ذات صلة هنا. المهم هو ان نفهم بأنه لا يمكن التعميم من أقلية متطرفة لكافة السكان. هذا ظلم كبير وتشويه للواقع. يجدر بنا أن نفهم بأنه في مكان يعيش فيه 50،000 مواطن هناك تنوع ووفرة على مستوى الأفراد والمجموعات. هذا صحيح بخصوص ام الفحم وبخصوص الخضيرة على حد سواء. هذا صحيح على الجانب الاجتماعي-الثقافي وكذلك على الجانب السياسي ولا يوجد أي سبب لأن يتسلل هذا لملعب كرة القدم حيث يقضي الاولاد الصغار وقتهم. بكلمات أخرى، دعوا الاولاد يلعبون بهدوء! سوف تفاجئون عندما تكتشفوا بأية سرعة وسهولة يتواصل احدهم مع الآخر ويجدون قواسم مشتركة.

أنادي نادي “هبوعيل الخضيرة”- ومثله كل نوادي كرة القدم والفرق الرياضية- لأن يمتنعوا عن هذا الفصل بين الاولاد لا سيما وأنه يعبر عن الابرتهايد والعنصرية البغيضة- بالضبط كتلك التي واجهها اليهود في فترة الرايخ الثالث والسود في جنوب أفريقيا. هذا الخوف المسبق بأن اختلاط اولادنا مع اولاد من ديانة أخرى، ثقافة أخرى أو لون آخر سيزعزع شيئاً في هويتهم لا اساس له من الصحة. هو يعتمد على مناطق من الجهل والتمترس الفكري المتجذرة لدينا جميعاً تقريباً. هناك الكثير من الأمثلة في دول مختلفة بالعالم للابرتهايد، الفصل العنصري والخوف من الآخر. لدينا فرصة هنا في اسرائيل لان نكون الرواد في توطيد الحيز المشترك، التعددية الثقافية، الدينية والاثنية. ان نمكن اولادنا من معرفة الآخر ومن بناء الجسور بدل الجدران.

طالبة بحث للقب الثاني في مساق الأنثروبولوجيا بجامعة حيفا.   

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.