لماذا تجاهلت وسائل الاعلام مسيرة آلاف النساء الاسرائيليات والفلسطينيات؟

في الماضي غير البعيد احتل الموضوع السياسي مكانة مركزية على الاجندة الجماهيرية في اسرائيل ولكنه اهمل تماماً مع مر السنين. لهذا، فقد اختارت وسائل الاعلام تجاهل المسيرة الحاشدة التي نظمتها “نساء تصنعن السلام” والتي لم نشهد مثلها منذ سنوات كثيرة كثيرة.
عنات سرجوسطي

 

في الماضي غير البعيد، جزء كبير من النقاش الجماهيري خصص للموضوع السياسي. تمت دراسة الامكانيات، اقترحت الحلول، وجرت نقاشات يقظة حول الموضوع. في الماضي غير البعيد، جزء ملحوظ من النقاش الجماهيري تعاطى مع ما يجري في الاراضي (المحتلة)، في المجتمع الفلسطيني، في نقاط التماس بين الفلسطينيين والاسرائيليين. في الماضي غير البعيد، جزء كبير من النقاش الجماهيري اعتمد على المعلومات التي قدمتها وسائل الاعلام المركزية لإطلاع الجمهور. في الماضي غير البعيد، كل وسيلة اعلام تحترم نفسها وتحترم مستمعيها، مشاهديها وقرائها وظفت اكثر من مراسل ومراسلة لتغطية ما يجري لدى الفلسطينيين. لم يكن هناك “مراسلنا لشؤون العرب” والذي يمتد مجال تغطيته من المغرب في الغرب وحتى ايران في الشرق كما هي الحال اليوم.

عملياً، في الماضي غير البعيد كنت انا واحدة من هؤلاء المراسلين، وصدقوا او لا، فقد كنت مسؤولة عن تغطية قطاع غزة، والى جانبي كان هناك مراسل يغطي الضفة الغربية والى جانبه مراسل آخر يعنى بتغطية العالم العربي. لعدة سنوات كنا نحضر ثلاثتنا التقارير في كل يوم- نعم في كل يوم- كل في مجاله. أي أن للموضوع السياسي كان هناك حجم كبير في التغطية الاعلامية ولهذا ايضاً في النقاش الجماهيري.

ولكن مرت السنوات والموضوع أهمل تماماً تقريباً. اليوم، فقط اذا قمنا بالحفر عميقاً في شبكة الانترنت سنستطيع ان نستقي القليل من المعلومات عما يجري في أنحاء الضفة الغربية. التقارير عما يجري في غزة تختزل الى معلومات سطحية جداً، هذا ان توفرت هذه أصلاً. التوازن الجماهيري بأكمله تغير عملياً. الموضوع الاقتصادي-الاجتماعي احتل مكاناً اوسع وأعمق. بإمكاننا اليوم ان نقول في اية لحظة معطية ما هو سعر لبن “الكوتج”، بأن نعطي قائمة اسعار مقارنة للمنتجات الاساسية في تل ابيب، برلين ونيويورك. نحن نعرف مخطط الغاز بحذافيره، ونتابع بقلق تعاظم قوة الشركات على حساب الزبون الصغير، ونفهم كيف تعمل الطريقة التي اصبحت البنوك بفضلها أكثر المؤسسات ربحية في السوق.

هذا تطور مبارك بالطبع إلا أننا، في المقابل، قمنا بتبني شعار “لا يوجد شريك” دون أية معارضة او التصور القائل بأن هذا ليس الوقت المناسب للخطوات السياسية، وكثيرون منا استسلموا لتلك المقولة التعيسة لرئيس الحكومة بأنه كتب علينا بأن نخوض الحروبات للأبد ومن الأجدر بأن نذوت ذلك، ودخلنا جميعاً الى خندق تحيطنا جدران عالية من الهلع، التهديدات، المخاوف والتزعزع النفسي والوجودي.

الف امرأة فلسطينية جئن من كل أنحاء الضفة الغربية ومشين الى جانب حوالي الثلاثة آلاف امرأة اسرائيلية وصلن من كل أنحاء اسرائيل- كان هذا مشهداً مثيراً للانفعال لم نرى مثله بالمنطقة منذ سنوات كثيرة كثيرة.

لأن الواقع لم يستوي مع التغيير بالخطاب الجماهيري. ففي الواقع تستمر قذائف القسام في السقوط على بلدات التفافي غزة، وفي الواقع نفذت عملية “الجرف الصامد” (الحرب على غزة من عام 2014) والتي كانت حصيلتها الكثير من الضحايا بكلا الطرفين، وفي الواقع تدور الآن جولة حظيت باسم “انتفاضة السكاكين” او “انتفاضة الأفراد”. لهذا فغالبيتنا نتصور بأنه من السذاجة بأن نعتقد بأنه بالإمكان تغيير الخطاب، بأنه بالإمكان ان نعيد للأجندة الجماهيرية ليس فقط الموضوع السياسي ولكن وبالأساس الامل- الأمل بأنه من الممكن بأن تكون الاحوال هنا مختلفة. يبدو لنا مستحيلاً تقريباً بأن نفكر بأنه بالإمكان تفكيك كل المخاوف والتصورات المتحنطة وبالأساس الاجوبة التي تنتهي بعلامات تعجب.

بالضبط من هذا المكان بدى الشعار الذي وقفت من ورائه هذا الاسبوع آلاف النساء الاسرائيليات والفلسطينيات للكثيرين ضبابياً بعض الشيء وغير واضح: “لن نتوقف حتى التسوية السياسية”. هذا هو الشعار الذي تنمو من خلفه أكبر حركة ميدانية في اسرائيل اليوم، حركة “نساء تصنعن السلام”. قد يعتقد مخضرمي النضال ضد الاحتلال او مؤيدي ضم أجزاء الوطن بأن هذه الحركة عامةً وشعارها خاصةً ما هي الا بأمر لطيف، ساذج وغير سياسي بالمرة حتى، تقريباً مثل الباروديا عن ملكة الجمال التي تسأل الى ماذا تتطلع فتجيب “الى تحقيق السلام العالمي”.

هذا صحيح اذا ما نحن استمررنا في التقوقع بالقوالب التي مشينا عليها كل هذه السنوات. هذا صحيح اذا ما دخلنا لحالة الطيار الاوتوماتيكي الذي يطلق الاجابات لكل الاسئلة قبل ان تسأل. هذا هو الطيار الاوتوماتيكي الذي يملك اجابات فقط. الطيار الاوتوماتيكي الذي يخلق المسطرة التي ان لم نستوي بناءً عليها فلا حق لنا بالحديث. الطيار الاوتوماتيكي الذي يضطرنا الى القول ان كنا مع او ضد الاحتلال، مع او ضد المستوطنات. الطيار الاوتوماتيكي الذي يلزمنا الاختيار بين السلام والأمن، بين التسوية السياسية والأمن الشخصي وأمن الدولة. الطيار الاوتوماتيكي الذي نردده حتى في منامنا لأننا مبرمجين لذلك. الطيار الاوتوماتيكي الذي يقسمنا الى يمين ويسار، وأحياناً الى مركز و-“small” (“سمول” بالعبرية تعني يسار وعليه تطلق هذه التسمية على اليسار بإسرائيل للتهكم عليه). هذا هو الطيار الاوتوماتيكي الذي يلزمنا باختيار احد الاطراف، والذي يقوم بتعريفنا ووسمنا.

في العام القادم ستكتمل 50 سنة على حرب الستة أيام. نصف قرن على ذلك النصر المهلل الذي تركنا مع حمل ثقل يمزقنا كمجتمع منذ ذلك الحين. حمل لا توجد طريقة لتعريفه بشكل حيادي، ولهذا فهو يملك تعريفات كثيرة، وكل تعريف نختاره يشير الى الانتماء السياسي للمتحدث: الاراضي المحتلة، الأراضي المستحوذ عليها، أرض اسرائيل الكاملة، الضفة الغربية وقطاع غزة، يهودا والسامرة، الأراضي الفلسطينية وغيرها من التسميات. الامريكان، على فكرة، قاموا بصياغة تعريف حيادي لا يتخذ موقفاً سياسياً: “الأراضي التي سيطرت عليها اسرئيل في 1967”.

السؤال حول اجزاء البلاد هذه يمزق المجتمع الاسرائيلي منذ ذلك الحين الى معسكرين (على الأقل): اليمين واليسار. الاخلاء مقابل الضم، ارض اسرائيل الكاملة مقابل مخطط الدولتين، وهلم جرا. ولكن قبل حوالي السنتين وقفت عشرات كثيرة من النساء من كل أنحاء البلاد لتقول كفى. كان ذلك في الايام الأخيرة لعملية “الجرف الصامد”. كانت هذه عملية أخرى لم تقوى النساء على تحملها. لقد شعرن بضائقة كبيرة، يأس عميق، استنزاف قوى ومن هذا المكان خرجن في تنظيم حظي باسم “نساء تصنعن السلام”.

كانت هناك نسوة يتجرأن للمرة الاولى على اسماع صوتهن بمواضيع الأمن والسياسة، كانت هناك نسوة لم تخرجن قط من البيت لأجل هدف جماهيري بهذه المرتبة، كانت هناك نسوة من ايلات، يافا، اشكلون (عسقلان)، اوفاكيم، المطلة، تل أبيب والقدس. نساء من كل الأنواع، الأجيال، الحالات الشخصية، المستويات التعليمية والأصول. على مدى السنتين الاخيرتين قمن بحرث البلاد فانضمت المزيد والمزيد من النساء للحركة التي تضم اليوم أكثر من عشرة آلاف عضوة مسجلة وعشرات آلاف أخرى من المؤيدات في كل أنحاء البلاد. نساء قررن العمل قدر المستطاع من أجل تغيير الاجندة الجماهيرية، من أجل ارجاع الموضوع السياسي الى مركز الخطاب، من أجل زرع الأمل بأنه من الممكن ومن الواجب القيام بتغيير وبأن ذلك بأيدينا. نساء تجولن في البلاد، قمن بعرض الفيلم الوثائقي عن نساء ليبيريا اللواتي نجحن في انهاء الحرب الاهلية الدموية، نظمن الحلقات البيتية ووقفن على مفترقات الطرق. حركه تعتمد كلها على المتطوعات.

بالاسبايع الاخيرة خرجت الحركة في مسيرة تحت شعار: “مسيرة الامل- لن نتوقف حتى التسوية السياسية”. المسيرة بدأت مع انتهاء رأس السنة (العبرية) من رأس الناقورة وانتهت مع دخول عيد العرش بتظاهرة جماهيرية في القدس امام بيت رئيس الحكومة. “نساء تصنعن السلام” هي حركة ميدانية حقيقية لديها قواعد وممثلات ومركزات وناشطات تقريباً في كل نقطة على خارطة اسرائيل. لا فرق بين المركز والضواحي، وبروح النسوية فالحديث عن حركة مسطحة- جميعهن قياديات، جميعهن متساويات، جميعهن شريكات في القرار وفي النقاشات. هناك صوت لكل واحدة. هذه الامور تجسدت بشكل قوي في المسيرة التي مرت بالكثير من البلدات، المدن والقرى في طريقها الى القدس. الفكرة كانت بأن تتمكن كل امرأة من المشاركة في المسيرة، حتى اذا كانت تسكن في ام الفحم ولا مواصلات عامة في بلدتها لتصل الى القدس، بإمكانها ان تشارك في هذا الحدث الكبير. وهذا ما كان. في كل مكان نظمت وقفات شارك بها المئات وأحيانا الآلاف من الناس بالمنطقة، والكثير من رؤساء السلطات والبلدات عبروا عن مباركتهم للمسيرة.

الف امرأة فلسطينية انضمت الى المسيرة عندما وصلت هذه الى قصر اليهود.
الف امرأة فلسطينية انضمت الى المسيرة عندما وصلت هذه الى قصر اليهود.

لاضفاء الزخم ولفت الانتباه أكثر حضرت الى البلاد ليما جبواي من ليبيريا الحائزة على جائزة نوبل بعام 2011، والتي قادت النضال من اجل انهاء الحرب الأهلية الفظيعة في دولتها، وجاءت الى البلاد خصيصاً للمشاركة في المسيرة. من أكثر اللحظات المثيرة للانفعال في المسيرة كانت الوصول الى قصر اليهود- المكان الذي قطع فيه بنو اسرائيل نهر الاردن ودخلوا الى البلاد بحسب المعتقدات اليهودية، والمكان الذي عمد فيه يوحنا المعمدان ياسوع وأتباعه بحسب المعتقدات المسيحية. كان هذا المكان الذي استطاعت فيه النساء الاسرائيليات السير سوية مع نساء فلسطينيات. الف امرأة فلسطينية جئن من كل أنحاء الضفة الغربية ومشين الى جانب حوالي الثلاثة آلاف امرأة اسرائيلية وصلن من كل أنحاء اسرائيل- كان هذا مشهداً مثيراً للانفعال لم نرى مثله بالمنطقة منذ سنوات كثيرة كثيرة. لكن وسائل الاعلام التي بثت من هناك كانت عربية. وسائل الاعلام الاسرائيلية لم ترسل مراسليها ولم تخصص للموضوع أي بث خاص، وتعاملت مع الحدث بتسامح في أفضل حال وبتجاهل في اسوأ حال.

نحن نتواجد اليوم ب”زمن المرأة” بأكثر من معني. المسألة الجندرية تحتل مكانة هامة في الاجندة الجماهيرية بالعالم وكذلك في اسرائيل. النساء تتجرأن على اسماع صوتهن. من هنا اختارت حركة “نساء تصنعن السلام” عدم الدخول للقوالب المتآكلة والمعروفة وعدم وضع حل سياسي محدد على الرف. ومن هنا ترفع الحركة رسالتين مركزيتين: تسوية سياسية محترمة ومقبولة على كلا الطرفين ودمج النساء في عمليات صنع القرار.

المطالبة بتسوية سياسية محترمة هي بمثابة محاولة لكسر القوالب بين مؤيدي ارض اسرائيل الكاملة ومؤيدي الدولتين. لأن المهم بحق هو ليس بأن يكون هناك اتفاق انما بأن يكون الاتفاق مقبولاُ على الطرفين. من هذا المكان يصبح من السهل على النساء ان تتواصلن. تحت هذا الشعار بالإمكان بسهولة ان نضم نساء من اليسار، المركز واليمين. كل واحدة مع وجهة نظرها، افكارها وإيديولوجيتها- ولكن جميهن موحدات بالايمان العميق وبالمطلب المحدد بأن على القادة القيام  بكل شيء من اجل الوصول الى تسوية سياسية محترمة، لان هذه فقط من ستضع نهاية للحروبات والعمليات وفقط هي من ستوفر الأمن الذي نبحث عنه جميعاً. لقد حدث في الماضي، حتى لدينا، بأن تحول اكبر الاعداء الى حلفاء- هذا ما كان عندما وقع بيجن اتفاقية السلام مع انور السادات. هذا حدث هنا وحدث في اماكن أخرى بالعالم وبإمكانه ان يحدث مجدداً.

ناشطة في حركة “نساء تصنعن السلام”.

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.