ولنستنكر "بتسيلم" من خلف الهالة الأخلاقية إياها!

الاستنكار الواسع الذي لاقته منظمة “بتسيلم” بعد ان تحدث مديرها العام  امام مجلس الامن مطالباً اياه بالتوقف عن الكلام والعمل ضد الاحتلال الاسرائيلي كان متوقعاً بعض الشيء. لكن هناك من ذهب ابعد من ذلك ليدعي بأن الجرائم التي تحدث هنا ليست جرائم حقاً اذا ما قورنت بالمذبحة في سوريا!
نعمان هيرشفيلد

 

استنكارات كثيرة اطلقت بحق مداخلة حجاي العاد، مدير عام منظمة حقوق الانسان “بتسيلم” أمام أعضاء مجلس الأمن للأمم المتحدة. وقد كان أولها، كما هو متوقع، ليئير لابيد الذي حول المزاودة على منظمات اليسار وحقوق الانسان، وخاصة على منظمة “بتسيلم”، لمركب مركزي في الحملة الجارية التي يديرها على رئاسة الحكومة. هذا ما صرح به لا بيد قبل يوم من انعقاد مجلس الأمن عبر صفحته على “الفيسبوك”: “قرار “بتسيلم” المشاركة في النقاش.. هو بمثابة شهادة طلاق اليسار الراديكالي من الصهيونية. فهم حتى لم يعودوا يتظاهرون بأن هدفهم التأثير على الجمهور الاسرائيلي. عوضاً عن ذلك فقد قرروا.. محاولة لي ذراع اسرائيل من الخارج.. لن يقرر لنا أحد كيف ندير حياتنا، وبالتأكيد لن تقرر لنا ذلك منظمات هامشية غير مستعدة لأن تتقبل بأن المجتمع الإسرائيلي توقف عن الاستماع لها”.

حساسية آرنس المفاجئة تجاه معاناة الشعب السوري ليست إلا وسيلة لتعزيز الادعاء بأن العالم منافق، لأن الفظائع التي تحدث في سوريا اسوأ بآلاف الدرجات مما يحدث في اسرائيل التي يقومون بشجبها أما الاسد فلا يشجبونه طبعاً.

ادانة “بتسيلم” كطابور خامس، متطرف، معادي للصهيونية وعليه أيضاً لاسامي، بحسب لابيد، تنبع من محاولة لابيد لتمييز نفسه عن اليسار ولتصوير نفسه في الوعي الجماهيري كحارس وطني. ولكن الذي طور هذه الغوغائية لفن بحد ذاته هو عدوه الكبير نتنياهو. ومن المثير ان نرى في هذا السياق كيف تتقلص المسافة بين الاثنين مع الوقت كما يؤكد الاستنكار الذي نشره نتنياهو (بعد يوم من الجلسة) والذي يشبه تصريحات لابيد الى حد مفاجئ: “مدير “بتسيلم” حث مجلس الامن بالأمس على العمل ضد اسرائيل. ما لم تنجح هذه المنظمات في تحقيقه بالانتخابات الديمقراطية في إسرائيل، فهي تحاول تحقيقه بواسطة الاكراه الدولي.. في الديمقراطية الاسرائيلية نجد أيضاً منظمات هامشية وواهية مثل “بتسيلم” لكن معظم الجمهور يعرف الحقيقة. سنستمر في الدفاع عن العدل وعن دولتنا أمام كل الضغوط الدولية”.

مع ذلك، ورغم التشابه بين التصريحات، فرد نتنياهو يهدف الى جني المكاسب السياسية من خلال تجييش الهلع الجماهيري من امكانية اتخاذ قرار معادي لإسرائيل في مجلس الامن بالمستقبل القريب، وكذلك الى تعزيز الرواية المضادة للنقد الدولي. وفق هذه الرواية، هناك أمر واحد ووحيد في مركز “الصراع الاسرائيلي الفلسطيني”: محو اسرائيل واليهود من قبل الفلسطينيين واوجه، كما شرح نتنياهو مؤخرا من خلال تسجيل فيديو،  في النية لتنفيذ تطهير اثني لليهود. تبعاً لذلك، فقد استخدم نتنياهو استنكار “بتسيلم” لينخز السبب والمسبب للصراع في تصرفات الفلسطينيين. “في النقاش الذي عقد بالأمس في مجلس الأمن (…تكرر) الادعاء الكاذب بأن “الاحتلال والمستوطنات” هي السبب للصراع. لكن الحقيقة بأن الفلسطينيين هاجموا اسرائيل من قبل ان تكون هناك مستوطنة واحدة. هم يستمرون في مهاجمة اسرائيل.. بينما هم يطالبون بحق العودة.. وهم يعززون هذه المطالب بالتحريض الفتاك.. هذه الحقائق تثبت بأن جذور الصراع تعود للرفض الفلسطيني المستمر للاعتراف بدولة يهودية في أية حدود كانت”.

عدا عن مقالة عودة بشارات التي نشرت اليوم فالردود المتوقعة التي نشرت في جريدة “هآرتس” تعقيباً على مقالة حجاي العاد هناك بدت وكأنها استمرارية للخط الموجه لنتنياهو. المقالة الاولى كانت لنافا درومي التي بسطت ادعاءاتها بلهجة ساخرة ومستعلية: مجلس الامن مكون من انظمة دكتاتورية عنيفة ومظلمة. التوجه الى الخارج هو خطوة غير ديمقراطية وجبانة. العنف الفلسطيني يسبق الاحتلال، والفلسطينيون هم رافضي السلام الحقيقيين مقابل الكرم الاسرائيلي. لليهود حق تاريخي بالبلاد لا يعترف به اليسار، والتوجه للأمم المتحدة هو كنشر الغسيل القذر امام العالم.

حجاي العاد، بحسبها، هو يساري، انسان متواصل مع المركب الوضيع لليهودي القديم، او بكلماتها: “هو اسرائيلي تماماً مثلنا… ولكن ماهيته هي بقايا الشتات”. لا عجب بأن درومي تحصل على مرتبها من مصنع الغوغائية اليميني المسمى “معهد الاستراتيجية الصهيونية” الذي يهدف الى الترويج لاسرائيل بصفتها دولة شرعية، اخلاقية ومتطورة مقارنة بالعالم المظلم والشرير الذي يتواجد خارجها. لهذا فمن المتوقع بأن تتناغم مقالتها بدرجة كبيرة مع المقالة الثانية وهي لموشيه آرنس، راعي نتنياهو المعروف.

مقالة آرنس تتحدث ظاهرياً عن المذبحة في سوريا ولكن على غرار مقالة درومي، التي تشير الى قضية اغتصاب اليزيديات الفظيعة، فحساسيته المفاجئة تجاه معاناة الشعب السوري ليست إلا وسيلة لتعزيز الادعاء بأن العالم منافق، لأن الفظائع التي تحدث في سوريا اسوأ بآلاف الدرجات مما يحدث في اسرائيل التي يقومون بشجبها أما الاسد فلا يشجبونه طبعاً. في نفس الوقت، وهذا هو الهدف المركزي، فآرنس يبيض ويطهر الضحية المشجوبة، أي اسرائيل، والتي تبدو، مقارنة بالعالم، دولة اخلاقية وغير عنيفة كما يتضح.

صهيونية آرنس وبنهاية المطاف صهيونية درومي أيضاً حزينة، مخيبة للأمل ومخجلة. من خلال مقارنة المذبحة البشعة التي تحدث في هذه الأيام في سوريا للمحرقة (اليهودية)، يقوم آرنس باستخدام المذبحة للادعاء بأن الجرائم التي تحدث في البيت ليست جرائم عملياً، وبهذه الطريقة يلحم بشكل نهائي الجفون التي تغلق أيضاً تجاه الداخل وأيضاً تجاه الخارج.

طالب دكتوراة بمجال التاريخ، يختص ببحث الميثولوجيا السياسية في اسرائيل. 

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.