نعم، كان ذلك تمرداً عربياً على الصهيونية

الاسرائيليون اعتبروا جنازة بيرس حدثاً قومياً ومرة أخرى توقعوا من العرب إعلان الولاء لكن القيادة الفلسطينية قررت ألا تمتثل. موت بيرس ابرز اشكاليات “التعايش” بمفهومه الشائع وأكد بأن هذا لا يمكن ان يمشي يداً بيد مع الصهيونية.
عمر الغباري

 

موت شمعون بيرس فتح مجالاً كبيراً للتفكير بعلاقات القوة بين اليهود والفلسطينيين في البلاد وطرح اسئلة حول المستقبل. قرار القيادة الفلسطينية في البلاد مقاطعة الحدث نفث الكثير من الحقد في الحيز تجاه الفلسطينيين في اسرائيل وتجاه قيادتهم. الوقاحة الاسرائيلية تجلت بكامل عنفوانها: تقوقع، عنصرية، استعلاء وتهديدات كما يجدر بمجموعة كولونيالية عنيفة تتوقع من ضحيتها تقدير وتبجيل القامع.

مسيرة حياة بيرس عكست المسار التاريخي للدولة اليهودية. حياته جسدت الصهيونية وانجازاتها، ولهذا فقد تحول بموته لرمزاً قومياً. المقاطعة العربية كانت ضد رمز قومي اسرائيلي، وقد اخرجت الاسرائيليين عن طورهم لأنهم ادركوا معناها. اسرائيليون على شاكلة روني دانيال الذي وصف الفلسطينيين بأنصاف الآدميين او على شاكلة آفي ديختر الذي اعتبر قرار “القائمة المشتركة” “دناسةً”، لم يثوروا دفاعاً عن بيرس الرجل انما عن أنفسهم، للدفاع عن اسرائيليتهم، عن الصهيونية فيهم وعن القيم الجميلة التي يعتقدون بأنهم يمثلونها وبأنهم يستحقون لذلك الاحترام- بالأساس من الفلسطينيين الذين يعيشون معهم. جنازة بيرس تحولت لطقوس قومية صهيونية، و”القائمة المشتركة” قرأت الصورة بشكل صحيح واتخذت قرارها وفقاً لذلك. الاسرائيليون أيضاً اعتبروا هذا الموت حدثاً قومياً، وتوقعوا من العرب مرة أخرى بأن يقوموا بإعلان الولاء. هذه المرة، القيادة الفلسطينية قررت ألا تمتثل. نعم- كان هذا تمرداً عربياً معادياً للصهيونية.

بيرس لم يتوقف عن الانشغال في “هم لن ينتصروا علينا”، وقد سعى لذلك بطرق مختلفة، ايضاً بالحديث عن السلام. ولكنه في الواقع أراد بأن يتعايش الفلسطينيين والعرب مع الحقائق التي فرضتها الصهيونية..

لا أحد يستطيع أن يشهد على ما فعله بيرس في حياته مثل الفلسطينيين. الرجل الذي نجح في تصوير نفسه كمحارب من أجل السلام حارب الفلسطينيين عملياً وسحق آمالهم. اتفاقيات اوسلو كانت كارثة من ناحية الفلسطينيين، والسلام الذي عرضه لم يكن إلا تسوية قسرية تضمن استمرارية التفوق والسيطرة الاسرائيلية- لأن عدم التناظر القائم بين الفلسطينيين المستضعفين والاسرائيليين الاقوياء يجب ان يستمر حتى في اوقات “السلام”، وأية محاولة لسد الفجوات سيتم اعتبارها كتهديد وجودي على اليهود. بيرس وأمثاله اعترفوا وواظبوا على السعي للتفوق العسكري، والعالم قدم دعمه. هكذا نحافظ على اسرائيل كمن لا يمكن هزيمتها. لكن كل عاقل يفهم بأن التفوق العسكري يأتي مع ويكون حتى نتيجة التفوق الاقتصادي والعلمي، وكذلك مجالات أخرى بالحياة. الاستنتاج اذاً بأنه لكي نبقي الفلسطينيين والعرب عامةً ضعفاء عسكرياً يجب اضعافهم بمجالات الحياة الأخرى أيضاً. وهذا ما فعله بيرس وما سيستمر اتباعه في فعله.

دولة بيرس نفذت النكبة الفلسطينية، التطهير الاثني، هدم القرى، الاستحواذ على ممتلكات اللاجئين ومنع عودتهم، فرض الحكم العسكري على الفلسطينيين الذين نجوا من النكبة وأصبحوا مواطنين لدى شمعون بيرس، ارتكاب مذبحة كفر قاسم، استمرار مصادرة الاراضي، احتلال آخر في 67، بناء المستوطنات، يوم الارض، قمع الانتفاضات، التمييز والعنصرية، شن الهجومات على لبنان، قانا، غزة، جنين جنين، اكتوبر 2000، السلاح النووي، العلاقات مع الانظمة الظلامية يشمل الابرتهايد في جنوب افريقيا. وهذه فقط الامور الواضحة للعيان.

موت بيرس جعل كل هذه المظالم تطفو أمام أعين ضحاياه. فقط من هو ساذج او غبي يصدق بأن من كان شريكاً في كل هذه العمليات والتوجهات اراد حقاً تحقيق السلام والعدل. بيرس لم يتوقف عن الانشغال في “هم لن ينتصروا علينا”، وقد سعى لذلك بطرق مختلفة، ايضاً بالحديث عن السلام. ولكنه في الواقع أراد بأن يتعايش الفلسطينيين والعرب مع الحقائق التي فرضتها الصهيونية، ورأى بأنه من الأجدر بالعرب الضعفاء والمتخلفين بأن يعيشوا بسلام مع اسرائيل، كما هي، وفقط هكذا سيهنئون بالحياة.

ربما كان محقاً. فلو تعايش الفلسطينيون مع هزيمتهم ومدوا ايديهم لاسرائيل التي انتهت للتو من اكتساحهم واكتساح وطنهم وقبلوا بالعمل لدى اليهود وأعطوا موافقتهم لقمعهم وتصرفوا، في نفس الوقت، بأدب وامتثلوا لجنازات قادتهم- فلربما تكرمت دولة بيرس ببعض العظام الانسانية او بوادر حسن النية، ولربما كان وضع الفلسطينيين اقل سوءاً مما هو اليوم. وكما اعتاد بيرس فقد كان ليبتز بهذه الفرصة طقوساً من التذلل والعرفان من بعض الفلسطينيين، وكذلك اطراءات من العالم على بوادر حسن النية والتنازلات التي يفترض بأنه قام بها.

دولة شمعون بيرس عبرت بالفعل عن استعدادها لتحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين وحتى للعالم العربي كله. وقد سمي ذلك بالسلام الاقتصادي. التطوير الاقليمي. بيبي (نتنياهو) يؤمن بذلك هو الآخر. هذه هي معادلة السلام التي يعرضها بيرس والصهيونية. سلام بين الغالب والمغلوب. بين الاسياد والخدم. هذه عقلية كولونيالية معروفة، المتنورين والمتحضرين سيجلبون التطور، الثقافة وكل ما هو نافع للعالم الظلامي، وكله مقابل الخنوع. ولكن كما في بقية الأمكنة، فهذا العرض رفض من قبل السكان الاصلانيين. لمفاجئة الاسياد، فالناس لا تطلب الخبز فقط انما الحرية والاستقلال كذلك. وهذا ما لم يرغب ولم يستطع بيرس توفيره.

بيرس مات وبانت الحقيقة. موت بيرس حدد الامور غير الممكنة في التوجهات الشائعة حيال “التعايش” و”الاندماج”. بالإمكان استغلال الفرصة لبدء نقاش جاد حول المستقبل الممكن والمحبذ لمواطني البلاد، فلسطينيين ويهود. وأخيراً سمعنا التوضيحات، بما يشمل من القائمة المشتركة، حول معنى التعايش. التعايش لا يمكن ان يمشي يداً بيد مع الصهيونية. رؤية التعايش كإدارة علاقات جيدة على المستوى الشخصي بين اليهود والعرب على اساس علاقات القوة القائمة اليوم هو اعتقاد مخطئ. النضال من اجل المساواة ضمن الاطر التي خلقتها دولة شمعون بيرس هو نضال عديم الجدوى. هذه فرصة لتوضيح الرسائل وللوقوف على من هو شريك ومن لا. من يناضل حقاً من أجل واقع عادل، متساوي، ديمقراطي وغير صهيوني، ومن يصمم، عن وعي او عن عدم وعي، على تعميق الابرتهايد وتكريس الطبقات القائمة بالدولة على اساس عرقي، مثل شمعون بيرس. من يؤمن بأنه يستطيع تحقيق السلام بهذه الطريقة، لا يدرك ماذا يعني بأن تكون انساناً يحيى تحت القمع ويطمح للحرية.

موجه مجموعات، مربي سياسي، يوثق ويصور النكبة وعودة اللاجئين، عضو طاقم في جمعية “ذاكرات”. 

المزيد:

“وهم اقتصاد السلام الذي قاده بيرس”، جاي بن بورات.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.