خليج حيفا- خليج الموت!

خلافاً للمنطق ولنتائج الابحاث التي اثبتت بأن هناك علاقة واضحة بين التلوث التي تسببه معامل تكرير البترول في حيفا وبين المعدلات العالية للإصابة بالأمراض، تمت المصادقة على توسيع هذه المعامل، القرار الذي من المفترض بأن يزيد من أرباح أصحاب المال بغض النظر عن انعكاساته الخطيرة على المواطنين.
ركيفت امسالم

 

حيفا، مدينة الميناء المتوسطية التي ولدت بها، مدينة صقلت هويتي، مدينة تعايش، أخوة ومحبة. حيفا هي مدينة تعاني من التلوث غير المنقطع في البحر، الجو واليابسة الذي تسببه معامل تكرير البترول التي تعمل فيها منذ أيام الانتداب البريطاني عام 1938، والتي تمت خصخصتها بسنة 2007 ووضعها في يد الأخوة عوفر.

بالنسبة للكثيرين، الرافعات البيضاء الكبيرة في مدخل خليج حيفا تعتبر منظراً رومانسياً معرف مع منطقة الخليج ولكن معظمهم لا يعرفون بأن هذه عملياً هي أبراج لتبريد المياه وجزء من صناعة بتروكيميائية ضخمة لتكرير الوقود.

منذ قيام الدولة تم تشجيع الصورة الصناعية لحيفا وسط السكان بمنطقة عكا-حيفا، ولهذا فهم يسلمون بالأمر الواقع على المستوى النفسي باعتبار الصناعات البتروكيميائية بالمنطقة قضاء وقدر.

قبل حوالي العشر سنوات، أصيب زوجي الذي كبر في “نيشر” مقابل معامل تكرير البترول باللوكيميا، سرطان الدم، وحصل على مدى بضعة سنوات على العلاج والمتابعة في قسم الاورام بمستشفى “رمبام” في حيفا. لا حاجة لأن نذكر هنا بأن اكتشاف مرض خطير من هذا النوع وعلاجه هو تحدي كبير جداً يتطلب الكثير من الطاقات الجسدية والنفسية للمريض ولأبناء عائلته. في قسم الاورام ب”رمبام” انكشفت على الحجم الضخم للاصابة بالمرض وعلى العمل المكثف الملقى على عاتق الطاقم الطبي. عشرات المرضى بجيل 18 وما فوق يتلقون العلاج في القسم في كل يوم ويمرون بإجراءات طبية صعبة، ولا توجد أسرة للجميع لهذا يضطر بعضهم للجلوس على كراسي. الطاقم الطبي يحمل أكثر من طاقته بينما يستمر الواقع الحيفاوي بصفع الوجوه دون رحمة.

هذا الوضع جعلني أسأل الأسئلة وأدرس ماذا يجري حقاً في حيفا، وتحديداً هل هناك علاقة بين بيئة السكن وحجم الاصابة بالأمراض؟ بدأت اشارك بالمظاهرات التي تنظمها المنظمات البيئية، التقي بالمرضى وأتحدث اليهم، اتوجه لأخصائيين بمجال جودة البيئة ودراسة السرطان، وأقراً التقارير، وهكذا انكشفت تدريجياً على الوضع القائم في خليج حيفا اليوم بكامل خطورته والذي يخضع لرحمة شبكة معامل لتكرير البترول تشمل: “جاديف صناعات بتروكيميائية”، “كرمل اوليفينات” و”زيوت اساسية حيفا” والتي تتسبب بالتلوث المتواصل في المدينة.

اثباتات واضحة وإنكار مستمر

منذ قيام الدولة وحتى اليوم أجريت عشرات البحوث من قبل مختصين بمجال علم الاوبئة، صحة الجمهور، جودة البيئة وغيرها، والتي وجدت علاقة واضحة ومباشرة بين تلوث الجو والإصابة بالأمراض والبيئة. ويتضح من نتائج البحوث البيئية بأن حجم المواد الملوثة التي تنفثها المداخن غير اعتيادي، وبأن هناك تلوث في نهر “الكيشون” يشمل المواد السامة التي تصبها المصانع في النهر، وتلوث في المياة الجوفية وغيرها.

على مستوى الاصابة بالأمراض فقد وجدت أمراض كثيرة بينها: التهاب القصبات وامراض التنفس بين الاولاد، سرطان الرئة، لمفوما غير هودجكين، لوكيميا، أمراض قلب واوعية دموية، اطفال يولدون بوزن منخفض وحجم رأس صغير وأمراض أخرى كثيرة الأبرز بينها هو مرض السرطان على أنواعه الكثيرة.

احدى الحالات المعروفة أكثر والتي تم فيها الكشف عن الاصابة بالأمراض والتلوث كانت قضية مقاتلي الاسطول الذين كانوا يغوصون في مصب نهر “الكيشون” على مدى 25 عام (ذلك على الرغم من معرفة المسؤولين عن صحة الجمهور بأن “الكيشون” هو أكثر نهر ملوث في دولة اسرائيل). بعد أن اصيب العشرات منهم بأمراض سرطانية مختلفة وماتوا قبل اوانهم، قام حوالي مئة مقاتل بتقديم دعوى بسنة 2000 ضد بلدية حيفا، “حيفا للكيماويات”، اتحاد المدن بمنطقة حيفا ومعامل تكرير النفط بادعاء أن هذه المؤسسات هي المسؤولة عن تلويث “الكيشون” وعن المواد السامة المتواجده فيه والتي تسببت بإصابتهم بالمرض. فقط بعد 13 عام، وخلافاً للمنطق وللإثباتات التي قدمت حول العلاقة بين المكان الذي كانوا يغوصون به وبين اصابتهم بالمرض وموت الكثيرين منهم قبل اوانهم، قامت المحكمة برفض الدعوى.

عدا عن مقاتلي الاسطول، تقدم صيادي “الكيشونط الذي اصيبوا هم الآخرين بأمراض سرطانية مختلفة بدعاوى تعويضية إلا ان المحكمة رفضت ادعاءاتهم وادعت بأن لا علاقة بين المكوث بمنطقة نهر “الكيشون” وبين الامراض التي اصابتهم.

إخفاء المعلومات عن السكان في خليج حيفا هو من اكثر عمليات القمع النفسية التي تجري هنا ضخامة وحنكة. الحديث عن شبكة مكثفة من أصحاب المال والمصالح والقوى الاقتصادية الضخمة التي تستخدم قوتها بشكل مستهتر لتحول دون وقوف الجمهور ومعارضته

في شهر فبراير الأخير كشف حاييم ريفلين من القناة التلفزيونية الثانية عن وجود بحث استدعته وزارة جودة البيئة ووزارة الصحة لفحص العلاقة بين تلوث الجو والإصابة بالأمراض في حيفا. وقد جند للبحث الذي كان من المفترض بأن يستمر لمدة خمس سنوات باحثين معروفين من جامعة حيفا توصلوا بعد سنة واحدة فقط الى استنتاجات تثبت بأن حجم الاصابة بالأمراض أعلى من المعدل القطري في منطقة “كريات حاييم”، “كريات بياليك”، جنوب شرق “كريات طفعون” ومرتفعات الكرمل. في اعقاب هذه الاستنتاجات الصعبة، قررت وزارة جودة البيئة الغاء البحث رغم أنه ما يزال في سنته الاولى مدعية بأن طرق البحث لم تكن سليمة، كما تم التستر على بحث آخر كان من المفترض بأن يلقي الضوء على العلاقة بين تلويث المصانع والإصابة بالأمراض.

ليست هذه المرة الاولى التي تعمل فيها المكاتب التي من المفترض بأنها مسؤولة عن صحة الجمهور الحيفاوي بعدم شفافية وتتجاهل نتائج الابحاث الواضحة. هذه طريقة عمل تمتاز بها وليس من المستغرب على هذه الخلفية بأن ثقة الجمهور بهذه المكاتب في تدهور دائم.

وماذا عن الجمهور الحيفاوي؟

سكان خليج حيفا والمنطقة اعتادوا بدرجة معينة على حقيقة كون منطقة سكنهم منطقة صناعية تشكل بالنسبة للكثيرين منهم (1500 عائلة تقريباً) مصدر دخل. الكثير من السكان اعتادوا على الروائح الكريهة، على التلوث في نهر “الكيشون”، وعلى بقع النفط التي تظهر على رمال البحر في “الكرايوت”، وعلى موت اصدقائهم وأبناء عائلاتهم قبل الاوان. السؤال كيف يحدث ذلك ولماذا يقبل حوالي المليون نسمة بهذا الوضع ولا يعملون على ايقافه؟. سوف احاول استعراض عدد من الاسباب.

منذ قيام الدولة تم تشجيع الصورة الصناعية لحيفا وسط السكان بمنطقة عكا-حيفا، ولهذا فهم يسلمون بالأمر الواقع على المستوى النفسي باعتبار الصناعات البتروكيميائية بالمنطقة قضاء وقدر. فالمصانع، ظاهرياً، قد أقيمت قبل تطور المنطقة لمتروبولين ضخم يصل تعداد سكانه 000،900 نسمة. رؤساء البلديات والمكاتب المسؤولة عن صحة الجمهور تقوم بشكل ثابت بالتعتيم على المعلومات لكي لا تصل الى المواطنين، وفي كل مرة ينشر فيها بحث يؤكد على حجم الاصابة بالأمراض يقومون برفضه وبتجاهل نتائجه العلمية، ويدعون، في كل مرة من جديد، بأنه عندما ستكون هناك نتائج موثوقة “في البحث القائم” سيعملون بناءً عليها. في المقابل، الكثير من سكان حيفا يعملون في المنظومة ويخافون على مكان عملهم، ولهذا فهم يشاركون مرغمون بعلاقة الصمت الضخمة هذه ومتعددة الابعاد. ذلك عدا عن كون الكثير من المواطنين مرضى ولا قوة لديهم للخروج من البيت وللقتال على حياتهم!.

وبلهجة شخصية- عدم الوعي، عدم الايمان، عدم التربية للنشاط الجماهيري وتغيير الواقع هي جزء من المزاج العام لسكان حيفا. إخفاء المعلومات عن السكان في خليج حيفا هو من اكثر عمليات القمع النفسية التي تجري هنا ضخامة وحنكة. الحديث عن شبكة مكثفة من أصحاب المال والمصالح والقوى الاقتصادية الضخمة التي تستخدم قوتها بشكل مستهتر لتحول دون وقوف الجمهور ومعارضته: من جهة، يتسببون بتلوث لا رجعة عنه وبزياد الاصابة بالأمراض، ومن جهة أخرى، يعملون على اقامة مبنى فاخر لقسم الاورام، ويتبرعون لإنشاء ملعب كرة قدم على اسم سامي عوفر ولرابطة محاربة السرطان ولتخليد ذكرى الجنود الدروز في دالية الكرمل ولتمويل نشاطات ثقافية وغيرها.

على الرغم من لوائح الاتهام الجنائية المقدمة اليوم ضد معامل تكرير البترول بسبب المخالفات البيئية، وعلى الرغم من المعلومات المتواجدة لدى الدولة وجهات فرض القانون والقضاء، تمت المصادقة على توسيع معامل التكرير والتي من المفترض بأن تزيد من ارباح اصحاب المال حتى ان تسببت في زبادة التلوث والإصابة بالأمراض بمستويات غير معقولة.

نضال سكان حيفا هو نضال اجتماعي. الامراض لا تمر عن أحد- عرباً ويهوداً، سوداً وبيضاً، نساءً ورجالاً، ولهذا فلجميهم يجب ان تكون هناك مصلحة بالتغيير.

مطربة وناشطة اجتماعية وبيئية

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.