تطهير اثني مع سبق الإصرار: رد على بيني موريس

ضمن سجال متواصل من على صفحات “هآرتس”، يدعي المؤرخ الاسرائيلي بيني موريس بأنه لم تكن هناك سياسة للتطهير الإثني للفلسطينيين داخل حدود دولة اسرائيل. عمر الغباري يفند ادعاءات موريس السخيفة ويصف السيرورة التي آلت الى نجاح الصهيونية المبهر في اخفاء أكثر من 85% من الفلسطينيين.  
عمر الغباري

 

في الطريق الى القدس، بين باب الواد والقسطل، في تقاطع الطرق الذي يسمى بالعبرية “تقاطع حيمد” والذي يربط جهتي شارع رقم 1، تبرز بيوت أبو غوش، عين رافة وعين نقوبة العربية بشذوذها عن المنظر. في مقاله لجريدة “هآرتس” من تاريخ 20.10.16، والذي حمل عنوان “حملة دعائية مؤيدة للعرب”- وهو جزء من سجال واسع من على صفحات الجريدة- يدعي الباحث بيني موريس بأن هذه البيوت تشكل شهادة على أنه لم تكن هناك سياسة تطهير إثني بحق الفلسطينيين في اطار دولة إسرائيل. بيد أن بقاء أبو غوش وعين رافة، قرية ونصف من أصل مئات القرى والبلدات الفلسطينية التي تواجدت في المنطقة بين القدس، بيت شيمش، الرملة، اللد، يافا حتى الخضيرة في الشمال وبئر السبع في الجنوب تثبت بالذات بأنه كان هناك تطهير عرقي، وليس العكس كما يحلو لبيني موريس أن يدعي.

بقايا قرية صوبا المهجرة وفي الخلفية تظهر بيوت الكيبوتس الذي يحمل نفس الاسم.
بقايا قرية صوبا المهجرة وفي الخلفية تظهر بيوت الكيبوتس الذي بات يحمل نفس الاسم.

بخصوص عين نقوبة فهو مخطئ كذلك: فقد كان هؤلاء سكان بيت نقوبة الذين طردوا من قريتهم التي تواجدت مقابل عين نقوبة اليوم. بعد طردهم تنقل هؤلاء لبضعة أشهر في المنطقة، ارسلوا الطلبات واستجدوا السلطات الاسرائيلية واستعانوا بالعلاقات والمحسوبيات حتى حصلوا على موافقة للبقاء داخل حدود الدولة على ألا يعودوا لقريتهم وألا يسترجعوا بيوتهم وممتلكاتهم. الدولة اعطتهم قطعة أرض تعود لقرية صوبا على تلة تقف مقابل قريتهم الأصلية، هناك باشروا في بناء بيوت جديدة بينما احتلت بيوتهم الأصلية مقابل أعينهم من قبل مستوطنين يهود. هذه هي الحال حتى اليوم.

التطهير الإثني بحسب التعريف الرسمي للأمم المتحدة هو تحويل منطقة لمتجانسة من ناحية اثنية بواسطة استخدام القوة او التخويف لإخراج اناس من مجموعة اثنية او دينية أخرى من منطقة معينة. من السخيف اذاً استخدام عدم طرد سكان ابو غوش وعين رافة، حي صغير من قرية صوبا المهجرة، كشهادة على انه لم تكن هناك عملية ترانسفير. وجودهم اليوم في تلك المنطقة بالذات، كجسم عربي “غريب” في حيز مهود، هو شهادة على عمليات ديموغرافية غير طبيعية حدثت في المنطقة. هو شهادة على طرد وإخفاء الاغلبية الساحقة من الفلسطينيين وخلق حيز يهودي متجانس.

الأسباب والظروف من وراء بقاء جزء من الشعب الفلسطيني داخل دولة اسرائيل تختلف من منطقة إلى منطقة ومن قرية إلى قرية. سكان كثر من تلك المنطقة كانوا أيضاً مرشحين للطرد، وأسباب نجاتهم من الترانسفير لا تطري بالضرورة للحكم الكولونيالي الاسرائيلي الذي سمح لهم بالبقاء. فإبقاء انسان في بيته ووطنه فقط لكي يسخر كقوى عاملة لدى المحتل الجديد هو ببساطة تصرف مرضي. ليس من المفترض بأن يمر الانسان باستسلام مهين، استغلال، ابتزاز او خيانة لشعبه لكي يحصل على حقه الطبيعي في بيته. ليس من المفترض بأن يكون الفلسطيني من رعية السيد اليهودي لكي ينجو من النكبة والترانسفير. جسر الزرقاء، القرية الفلسطينية الوحيدة التي بقيت على طول الشاطئ، بقيت بفضل تدخل سكان “زخرون يعقوب”- ليس لأنهم اهتموا لأمر جيرانهم بل لأنهم كانوا بحاجة للعمال، اذا لم نقل للعبيد. هذا ما كان أيضاً في حالة قرية الفريديس. هذا موقف من المفترض بأن يخجل أصحابه.

التوجه الذي يعتمد عليه موريس والذي يعتبر بأن كل الفلسطينيين كانوا أعداءاً او مقاتلين، وعليه فهو يبرر طردهم ومنع عودتهم، هو بحد ذاته توجه لشرعنة التطهير الإثني آمن به قادة كثر وسط الحركة الصهيونية.

قرية عيلبون عادت الى الوجود فقط بفضل الضغط الدولي. بعد المذبحة التي ارتكبها جنود اسرائيليون ب-12 شاباً، أمر السكان بمغادرة القرية إلى جهة الشمال. جنود اسرائيليون رافقوا القافلة التي تكونت من سكان عيلبون وقرى أخرى بالمنطقة حتى الحدود اللبنانية لكي يضمنوا خروجهم من حدود الدولة. ماذا يكون هذا إن لم يكن ترانسفيراً. بخصوص قرى المثلث التي يذكرها موريس في مقاله، فقد ضمت هذه إلى دولة اسرائيل على سكانها (حوالي ال- 40 ألف شخص) في مطلع 1949 وفق اتفاقية رودس ورحابة صدر الملك الاردني عبد الله.  موريس يعرف بأن اسرائيل التزمت بعدم طردهم بحسب الاتفاقية والتفاهمات مع الدول الغربية. لا يجدر اذاً استخدام الفلسطينيين مواطني اسرائيل كإثبات على أنه لم يكن هناك ترانسفير لأنهم، على نسبتهم الصغيرة مقارنة بهؤلاء الذين طردوا، هم الاثبات على التطهير الإثني الذي حصل هنا.

حتى اذا ما افترضنا بأنه لم يكن هناك قرار رسمي (فلا توجد بأيدينا وثائق) بتنفيذ التطهير الإثني في المرحلة الاولى من عمليات الاحتلال، فقد اتخذت حكومة اسرائيل في جلسة رسمية من يونيو 1948، قراراً مصيرياً بهذا الشأن، حيث قررت عدم السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى قراهم ومدنهم. طرد الفلسطينيين من اماكن اضافية استمر ايضاً بعد هذا الميعاد. كل ضابط قام بطرد الفلسطينيين او تسبب في هروبهم بعد شهر يونيو كان مزوداً بقرار حكومي وتعليمات واضحة بمنع عودتهم بأي ثمن. آلاف من المواطنين الفلسطينيين غير المسلحين ممن حاولوا العودة إلى بيوتهم قتلوا او اصيبوا مرة أخرى بيد الجيش الاسرائيلي تبعاً لهذا القرار، وآلاف  أخرى أرغمت على الهروب مرة أخرى. نعم، طردوا مرة أخرى بقوة السلاح.

الناصرة نجت بفضل تشابك عدة عوامل: قدسية المدينة المسيحية، الضغط الدولي وقرار عيني لضابط اسرائيلي- الجنرال “الكندي” بن كوندلمان الذي وقع على اتفاقية استسلام الناصرة باسم دافيد بن غوريون، ورفض تنفيذ الامر بطرد سكان المدينة. رفضه هذا كان تصرّفًا استثنائيًّا يدلّ على القاعدة.

ماذا تخبىء الأراشيف

موريس يعرف بأن الادعاء القائل بأن الزعماء العرب هم من دعوا الفلسطينيين للمغادرة- ليس صحيحاً. لم يكن هناك أي نداء للناس بأن تغادر الوطن دون عودة، ويكذب من يرفع هذا الادعاء. في حالات قليلة، قامت القيادة المحلية التي لم تقوى على حماية المواطنين بمطالبتهم بالخروج لإنقاذهم من هجوم محتمل. تصرف طبيعي لمواطنين وعائلات في أي مكان خطر. من الشرعي بأن تبحث الناس عن ملجئ وأن تعود بعد زوال الخطر، وبكل الاحوال لا حق لإسرائيل بأن تعاقبهم على ذلك بمنع عودتهم.

من قام بتشغيل وكلائه لكي ينصحوا المخاتير العرب بإخلاء قراهم كانت الحركة الصهيونية نفسها. هذا ما جاء على لسان ييجال الون في كتاب “البلماح ب” (وبيني موريس يقتبس هذه الاقوال في كتابه “مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين”، صفحة 170):

“بحثنا عن.. وسيلة لا تضطرنا إلى استخدام القوة لطرد عشرات آلاف العرب المعادين الذين بقوا في الجليل، والذين كان بالإمكان أن يضربونا على الجبهة الداخلية في حال كان هناك غزو. حاولنا استخدام الحيلة التي تستغل وقع الهزائم (العربية) في صفد وفي المنطقة التي طهرت بواسطة (عملية) المكنسة- وهي الحيلة التي أبهرت بنجاعتها. جمعت المخاتير اليهود الذين تربطهم علاقات بعرب في القرى المختلفة، وطلبت منهم بأن يهمسوا في آذان بعض العرب بأن تعزيزات يهودية ضخمة وصلت إلى الجليل وبأنها تنوي القضاء على قرى (مرج) الحولة. بأن ينصحوهم، كأصدقاء، بأن يفروا مسبقاً. الاشاعة انتشرت في انحاء مرج الحولة بأنه حان أوان الفرار. الفرار شمل عشرات الآلاف. الحيلة حققت هدفها بالأكمل.. وصار بإمكاننا أن نحضر أنفسنا لملاقاة الغزاة على طول الحدود دون أن نقلق على جبهتنا الداخلية”.

حالة حيفا التي يذكرها موريس ليست دقيقة كذلك. عمليتان عسكريتان، “مقص” و”ابادة الخمير”، والتي تدل اسماؤها على أهدافها، كانتا من وراء نزوح سكان حيفا الفلسطينيين عن المدينة. البريطانيون نصحوا العرب بالمغادرة (لمصلحة من يا ترى!) ووفروا السفن حتى من أجل ذلك. موريس نفسه في كتابه المذكور (صفحة 123) يقتبس وثيقة بريطانية تصف الاوضاع في حيفا في حينه:

“خلال الصباح (اليهود) قاموا بإطلاق النار بشكل متواصل على كل العرب الذين تحركوا بوادي النسناس وبالبلدة القديمة. هذه الطلقات شملت (اطلاق) نار دون تفرقة من رشاشات وبنادق قنص على نساء وأولاد.. حاولوا الخروج من حيفا بواسطة البوابات التي تقود إلى الأرصفة.. بجانب البوابة الشرقية للميناء احتشدوا باكتظاظ كبير نساء وأولاد ومسنون عرب، مضطربين وفزعين، واليهود أطلقوا عليهم النيران دون رحمة”.

دافيد بن غوريون: “أي تشكيك من طرفنا بضرورة هذا الترانسفير، أي شك بإمكانية تحقيقه، أي تردد بخصوص صحته- قد تخسرنا فرصة تاريخية لن تتكرر.. وعلينا اولاً ان نتحرر من الخمول الفكري والرغبة والرأي المسبق بأن هذا الترانسفير ليس ممكنناً”.

موريس يضلل حين يدعي بأن سياسة منع العودة استهدفت “اللاجئين- نفس الفلسطينيين الذي حاربوا “اليشوف” (التجمعات اليهودية في فلسطين) وحاولوا تدميره”. فمنع العودة لم يسر على المقاتلين الفلسطينيين فقط بل كان جارفاً ضد كل الفلسطينيين، المواطنين، العائلات، الاولاد والمسنين. جميعهم. التوجه الذي يعتمد عليه موريس والذي يعتبر بأن كل الفلسطينيين كانوا أعداءاً او مقاتلين، وعليه فهو يبرر طردهم ومنع عودتهم، هو بحد ذاته توجه لشرعنة التطهير الإثني آمن به قادة كثر وسط الحركة الصهيونية. عدا عن ذلك، فموريس يعرف بأن قرى كثيرة لم تقاتل، ورفعت العلم الابيض حتى مع اقتراب القوات الصهيونية، ولكن تم طردها هي الأخرى.

في نوفمبر 1948، قرر الجيش تنظيف كافة القرى الفلسطينية القريبة من الحدود اللبنانية. سكان النبي روبين، تربيخا، السروح، المنصورة، اقرث، كفر برعم، والجش امروا بمغادرة قراهم. كان هذا تطهيراً اثنياً بحجج أمنية. جميع هذه القرى محيت باستثناء الجش. زعماء القرية طلبوا تدخل عمانويل فريدمان، ممثل المنطقة بوزارة الأقليات، وهذا سعى من أجلهم لدى يتسحاق بن تسفي من “مبام” والذي ضغط بدوره على الوزير لشؤون الأقليات شطريت الذي أقنع الجيش، وهكذا الغي أمر الطرد. قرية أخرى ما زالت موجودة، بفضل المحسوبية والاستجداء، وتشكل اثبات على التطهير الإثني الذي حدث بالمنطقة وليس العكس. سكان اقرث وكفر برعم وعدوا بأن ابعادهم سيكون مؤقتاً وبأنهم سيعودون الى قراهم بعد أسبوعين. أيضاً في النقب نجحت حيلة الوعد الكاذب بأن الاخلاء مؤقت كما في حالة العراقيب، مثلاً. بدل إعادتهم، كما وعدت، قامت الدولة بهدم اقرث، كفر برعم والعراقيب لتقضي على امكانية عودتهم وربما أيضاً على حلم وأمل أبناء وبنات هذه القرى. لا بد من الاشارة هنا بأن هؤلاء كانوا قد أصبحوا “مواطني” الدولة في حينه. ولكن هذه حقيقة هامشية كما يبدو. المواطنة في دولة اليهود ليست ضماناً للمساواة او للمعاملة المنصفة لغير اليهود.

في أمر عسكري (مرفق أدناه) من شهر سبتمبر 1948 يتعلق باحتلال قرية هونين شمالي البلاد بيد سرية كرمل، ذكر بأن “قرية هونين اخليت بمعظمها في أعقاب تبادل اطلاق النار في محيط المنارة… قد يكون القرويين قد عادوا الى القرية بالوقت الحالي”، ولهذا السبب فقد تم صياغة هدف العملية في الأوامر على النحو التالي: “غزو قرية هونين، قتل بعض الرجال، وأخذ أسرى، وحرق بعض بيوت القرية وحرق ما يمكن حرقه”. لا توجد أي كلمة في الوثيقة عن التطهير الإثني. ولكن ألا يفهم موريس من النص بأن هذه عملية تطهير إثني؟ يجدر التذكير هنا بأن الاراشيف الاسرائيلية لم تفتح لإطلاع الجمهور كافة الوثائق المتعلقة بأحداث النكبة في 1948، على الرغم من مرور 70 عام منذ ذلك الحين. أي شخص مهتم ينتظر بفضول معرفة ما تخبئه الأراشيف الصهيونية.

“قد نخسر فرصة تاريخية”

הונין
“غزو قرية هونين، قتل بعض الرجال، وأخذ أسرى، وحرق بعض بيوت القرية وحرق ما يمكن حرقه”.

دولة اسرائيل لم تكن لتقوم دون التطهير الإثني للعرب. الترانسفير كتوجه وكهدف لم يكن غريباً عن الحركة الصهيونية، وتم اقتباس كثير من قادتها وهم يشرحون بشكل واضح الحاجة لطرد السكان الفلسطينيين. يسرائيل زنجفيل، مثلاً، قال ذلك منذ عام 1905: “علينا أن نكون مستعدين- اما أن نطرد بالسيف القبائل المتواجدة في البلاد، كما فعل آباء آبائنا، واما ان نعالج مسألة هجرة السكان الغرباء المسلمين بغالبيتهم…”.

يوسف فايتس، مدير دائرة الأراضي في “ككال” (“الصندوق القومي اليهودي”) ومن رؤساء الاستيطان في البلاد، كتب في يومياته بديسمبر 1940: “بيننا وبين أنفسنا يجب أن يكون من الواضح بأنه لا مكان في البلاد لشعبين معاً.. اذا خرج العرب، ستكون البلاد واسعة ورحبة من أجلنا.. الحل الوحيد هو أرض اسرائيل، على الأقل أرض اسرائيل الغربية، وبدون العرب. لا مجال هنا لحلول وسط.. ولا طريق أخرى عدا عن نقل العرب من هنا الى الدول المجاورة، نقلهم جميعاً، ربما فقط باستثناء بيت لحم، الناصرة والقدس القديمة. يجب عدم ترك أية قرية عربية وأية قبيلة. النقل يجب ان يكون موجهاً نحو العراق، سوريا وربما حتى الاردن. سوف توجد الاموال لهذا الهدف.. وفقط بعملية النقل هذه ستستطيع البلاد استيعاب الملايين من اخوتنا، وستصل مسألة اليهود الى نهاية وحل. لا مخرج آخر” (يوسف فايتس، 20.12.1940 من: يوسي كاتس، “واثق من رأيه- يوسف فايتس وفكرة الترانسفير”، صفحات 348-349).

بيرل كتسينلسون قال في معرض تطرقه لنقل الفلسطينيين من البلاد خلال خطاب أمام “مجلس اتحاد عمال صهيون” من عام 1937: “انا اعتقد منذ زمن بأن هذا هو الحل الأفضل.. ولكن لم يخطر لي بأن النقل الى خارج أرض اسرائيل معناه باتجاه نابلس. آمنت وما زلت بأنهم سينتقلون الى سوريا والعراق”. دافيد بن غوريون، بحسب شهادة رحباعام زئيفي خلال خطاب ألقاه في الكنيست من يونيو 1993، قال: “أي تشكيك من طرفنا بضرورة هذا الترانسفير، أي شك بإمكانية تحقيقه، أي تردد بخصوص صحته- قد تخسرنا فرصة تاريخية لن تتكرر.. وعلينا اولاً ان نتحرر من الخمول الفكري والرغبة والرأي المسبق بأن هذا الترانسفير ليس ممكنناً”.

التحضير النفسي لهذا الوضع تم قبل وقت طويل بكثير، مع الاعلان الكاذب للصهيونية بأن البلاد فارغة. وعندما التقوا ببلاد مليئة، كان التفريغ خطوة جداً طبيعية لملائمة البلاد للأيديولوجية الصهيونية. هكذا بالإمكان تنفيذ تطهير اثني دون تأنيب ضمير، وكأنهم أعادوا البلاد لوضعها الأصلي.

معاينة عدد الفلسطينيين الذين بقوا في الدولة يعلمنا بأن الصورة أصعب مما تبدو. فسيكون من الخطأ أن ندعي بأن ال- 160 ألف فلسطيني الذين بقوا داخل دولة اسرائيل استمروا بالتواجد في أماكنهم بسلام وبأن القوات الاسرائيلية التي احتلت قراهم لم تلحق بهم الأذى. حوالي ال- 30 ألف من بينهم كانوا مهجرين داخل الوطن تم استيعابهم في قرى عربية مجاورة ولم يسمح لهم بالعودة إلى قراهم الأصلية حتى اذا كانت هذه قريبة جداً من القرى التي استقبلتهم. لا توجد أية بلدة فلسطينية في اسرائيل تقريبا لم تذوق صدمة الطرد سواء كانت قد هجرت جزئياً مثل ترشيحا، مجد الكروم وشعب او كانت قد استوعبت مهجرين داخليين مثل طمره، الناصرة، ام الفحم والطيرة.

ان ابقاء 4000 فلسطيني فقط من يافا وضواحيها من أصل 100 ألف تقريباً (بعضهم ابقوا بسبب ضرورتهم لمواصلة عمل الميناء)، 1000 فقط في اللد (نصفهم لأنهم كانوا عمال وموظفين بمحطة القطار فأبقوا هم وعائلاتهم) من أصل 40 ألف مواطن ولاجئ ممن مكثوا في المدينة خلال احتلالها، حوالي 1000 في الرملة من أصل 18 ألف تقريباً، حوالي 3500 في حيفا من أصل 70 ألف، 0 عرب في طبريا من أصل 6 آلاف، صفر في صفد من أصل 10 آلاف، صفر في بيسان من أصل 6 آلاف، صفر من أصل 11 ألف في المجدل التي طرد بعض أهاليها بواسطة شاحنات عام 1950، وحوالي 10 آلاف فقط في كل النقب من أصل ال-100 ألف تقريباً- هذا بالتأكيد محصول مفزع ومروع للتطهير الإثني.

لم يكن في أي مكان بالعالم تطهير اثني كامل. كما لم تكن ابادة شعب تامة. ومع ذلك فقد سميت تطهيراً اثنياً وابادة شعب وعرفت كجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية. النجاح المدوي للصهيونية في الاخفاء القسري لأكثر من 85% من الفلسطينيين من داخل دولة اسرائيل وإنكاره المستمر هو “انجاز” مرعب من الممكن بأن يكون بمثابة مدرسة لتعليم ممارسات التطهير الإثني والحفاظ على ضمير نائم. فالتحضير النفسي لهذا الوضع تم قبل ذلك بوقت طويل، مع الاعلان الكاذب للصهيونية بأن البلاد فارغة. وعندما التقوا ببلاد مليئة، كان التفريغ خطوة جداً طبيعية لملاءمة البلاد للأيديولوجية الصهيونية. هكذا بالإمكان تنفيذ تطهير اثني دون تأنيب ضمير، وكأنهم أعادوا البلاد لوضعها الأصلي. لم يكن من المفترض بأن يكون العرب هنا وها هم ليسوا هنا. هناك فقط أقلية.

موجه مجموعات، مربي سياسي، يوثق ويصور النكبة وعودة اللاجئين، عضو طاقم في جمعية “ذاكرات”. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.