دولة إسرائيل: احميني منك وأنا سأحمي نفسي من الاباحية

عدا عن مس الرقابة بحرية التعبير وبقواعد اللعبة الديمقراطية، اقتراح القانون الذي يسعى لحجب المضامين الاباحية لن يجلب أية بشرى لنفوس أولاد إسرائيل الرقيقة لأن الحل يكون بالتربية فقط.
اميليا كوهين

 

احدى المعادلات الاساسية للتصيد* هي ايجاد حل ظاهرياً لمشكلة مقلقة من خلال المس بشكل بالغ بموضوع آخر مهم. بهذه الطريقة، معارضة الحل المقترح تستلزم التطرق للمشكلة وللحل بشكل مركب وواعي. المتصيد يستمتع بالانتباه بينما يلتوي المعارضون وهم ما زالوا يحاولون تفسير معارضتهم دون تجاهل كافة الجوانب ذات الصلة. بحسب هذه المعادلة، يتضح بأن عضوة الكنيست شولي موعلم هي متصيدة ناجحة. اقتراح القانون الذي تقدمت به لحجب المضامين الاباحية هو ظاهرياً حل يجب أن ندعمه جميعنا ولكنه ينجح في نفس الوقت بأن يكون جدلياً ومشبوهاً بشكل خاص.

من الصعب جداً ان نعلل معارضة حجب المضامين الاباحية. من جهة، اضرار تجارة الاباحية معروفة ومثبتة حتى بأبحاث كثيرة. ابتدءًا من الشهادات حول تجارة الاباحية، مروراً بشروط العمل والانعكاسات طويلة الأمد على حياة الممثلات والممثلين الذين يشاركون في هذه الافلام وانتهاءً بتأثير المضامين الاباحية على الطريقة التي نفكر، نشعر ونقيم بها العلاقات الجنسية في اطار النموذج أحادي الابعاد الذي تطرحه الافلام الاباحية. لهذا فالحد من الانكشاف على هذه المضامين، خاصة وسط الاجيال الصغيرة، يجب ان يكون مصلحة مشتركة لنا جميعاً. من جهة أخرى، ففرض الرقابة على مضامين شبكة الانترنت هو أمر اشكالي وتطبيقه يذكرنا بأنظمة لا يتفق تصرفها مع فكرة “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط”.

اذا كنا نتحدث عن تشريع القوانين فمن الأفضل بأن يستثمر اعضاء الكنيست نشاطهم بجعل التربية الجنسية والجندرية الزامية وفق القانون لكي تتعلم الاجيال القادمة كيف تتعامل مع مضامين جنسية من أي نوع، وتزود بأدوات تحد من احتمالات المس بالنفس او بالآخرين.

ولو ان لجنة الوزراء للشؤون التشريعية قد صوتت بالإجماع لصالح القانون، تجدر الاشارة بأنه من غير الممكن تقريباً حظر الاباحية- ان كان من ناحية تقنية او جوهرية. فمنذ الآن ومن قبل ان يتم تشريع القانون، بالإمكان ايجاد طرق للالتفاف على الحظر بواسطة بحث بسيط على محرك “غوغل”. أمثلة ملموسة لعدم قابلية الفكرة للتطبيق من ناحية تكنولوجية بإمكاننا ان نجد في محاولات دول مثل بريطانيا، كندا واستراليا التي اضطرت للاعتراف بعدم نجاعة تكنولوجيات حجب المضامين. أما من الناحية الجوهرية فالاباحية والمضامين الجنسية المسيئة لا تتواجد فقط بالأفلام الاباحية. يكفي بأن نلقي نظرة على الاعلانات التجارية وكتالوجات ملابس الاطفال لننكشف على مضامين غلمانية (بالإشارة الى الغلمانية او البيدوفيليا وهي التحرش الجنسي بالأطفال). المواد التي تصنع الاوهام المتعلقة بالطريقة التي يجب ان يظهر بها الرجال والنساء وان يقيموا العلاقات الجنسية تعرض في كثير من المنتجات الثقافية التي تحيط بنا- الأفلام، المسلسلات، الاعلانات التجارية، وفيديوهات الموسيقى بالتأكيد وحتى فيديوهات اللياقة البدنية على الشبكة. الافتراض بأن حجب المواقع الاباحية سوف يمنع الانكشاف على مضامين جنسية مسيئة يعتمد على عدم فهم لتأثير ثقافة الاباحية على حياتنا اليومية.

عدا عن الحاجز التكنولوجي، فاقتراح القانون يعبر عن عدم فهم ليس فقط للمنتجات الثقافية انما ايضاً لقيم الديمقراطية. يبدو بأن احداً من ال-27 عضو كنيست الموقعين على اقتراح القانون لم يقرأ “1984” (بالاشارة الى رواية جورج اورويل) او يتصفح احد كتب المدنيات التي صادقت عليها وزارة التربية او الغتها في العقد الاخير. بحسب الاقتراح الذي وقعوا عليه فشخص واحد- وزير الاتصالات- سوف يقرر أياً من المواقع هي اللائقة. هذه نكتة ناجحة بشكل خاص على ضوء حقيقة كون وزير الاتصالات في اسرائيل هو ايضاً رئيس الحكومة الحالي. أي، حتى اذا ما قمنا بمسامحتهم على عدم الفهم النظري لمس الرقابة بحرية التعبير وبقواعد اللعبة الديمقراطية فهم يشهدون بصمت على الطريقة التي تمكن وتسمح بها الديمقراطية الاسرائيلية لشخص واحد بأن يجمع المزيد والمزيد من القوة في يديه، ولا يبدو بأنهم قلقين من أنهم يسمحون بتحويل اسرائيل الى ديكتاتورية عملياً.

ما الحل اذاً؟ التربية طبعاً. لا توجد حلول سحرية او تكنولوجيا تلتف على حاجتنا لتمرير الجنسية للأولاد والفتية او للحديث عن الطريقة التي تؤثر بها تجارة الاباحية على حياتنا جميعاً. واذا كنا نتحدث عن تشريع القوانين فمن الأفضل بأن يستثمر اعضاء الكنيست نشاطهم بجعل التربية الجنسية والجندرية الزامية وفق القانون لكي تتعلم الاجيال القادمة كيف تتعامل مع مضامين جنسية من أي نوع، وتزود بأدوات تحد من احتمالات المس بالنفس او بالآخرين. حتى ذلك الحين، أفضل بأن احافظ على نفسي من الاباحية بنفسي.

*المتصيد (“troll” بالانجليزية) بلغة الانترنت الدارجة تصف شخص يستمتع بتهييج المتصفحين وإثارة الخلافات والخصومات فيما بينهم، وهو يقوم بذلك عادة بواسطة ادخال معلومات مغلوطة او مضامين تثير الحزازة.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.