الغضب الأبيض حمل ترامب الى البيت الأبيض

عدم الأمان والغضب وسط من يشعرون بأنهم حرموا من الحلم الأمريكي، بعيداً عن واشنطن ونيويورك، كانا من وراء العمليات التي أوصلت ترامب الى الرئاسة. ضد كل “النخب” المكروهة، اختارت الولايات المتحدة الرئيس الذي وعد بأن يرجع لأمريكا عظمتها
جاي بن بورات

 

المخرج مايكل مور وصف قبل عدة أسابيع- في مقالة توقعت نتائج الانتخابات الأمريكية- جمهور ناخبي الرئيس الأمريكي الطازج دونالد ترامب كمن يريدون القاء زجاجة حارقة على النخب التي هدمت الحلم الأمريكي من ناحيتهم. آرتشي بانكر، تلك الشخصية الكوميدية المحافظة والشوفينية التي عرفناها في سنوات السبعين، كان جزءاً من هذا الحلم: رجل أبيض، غير متعلم، يخرج في كل صباح الى عمله في المصنع ويعود في المساء الى اريكته مقابل التلفاز. لآرتشي بانكر وأبناء جيله كان هناك عمل ثابت، شروط عمل، مرتب جيد وتقاعد. عندما نظر الى الخلف لوالديه، رأى بنكار كم كانت حياته مريحة وآمنة أكثر في العصر الذي تلا الحربين العالميتين: أما عندما نظر الى الأمام فرأى ابنته تحصل على تعليم وعلى مستقبل أفضل مما كان لديه.

ولكن من ناحية أبناء وأحفاد ذك الجيل فقد ضاع الحلم الأمريكي. اختفاء النقابات المهنية، تفكيك العمل المنظم وصعوبة البقاء هي ما يميز حياتهم. المؤرخ الاقتصادي كارل بولني أحسن وصف الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين والتي كان التغيير المركزي فيها ليس فقط الفقر والقلة انما أيضاً الشعور بعدم الامان والاستقرار الذي أثار القوى المظلمة- تلك التي ظهرت بعد ذلك بقليل. لا حاجة لأن  نغالي في المقارنة مع ذلك العصر ولكن الآن أيضاً عدم الأمان والغضب وسط من يشعرون بأنهم حرموا من الحلم الأمريكي كانا من وراء العمليات التي حملت ترامب الى الرئاسة.

من ناحية سكان الغرب الاوسط (والذي يسمى أحياناً “حزام الفولاذ”) يبدو بأن الحلم الأمريكي لم يعد ممكنناً أما السياسيين، من اليمين ومن اليسار، فقد خيبوا ظنهم مرة تلو الأخر. غضبهم واستيائهم هم جزء من الموجة التي حملت ترامب الى البيت الأبيض.

ان اردنا التطرق للسؤال لماذا أخطأت الاستطلاعات والمستطلعين فان ذلك لا يتعلق بالحملة التي أدارها ترامب ولا يتعلق بالضرورة بشخصيته او بشخصية كلينتون، انما بالعمليات العميقة التي فشلت الاستطلاعات في الوقوف عليها. الادمان على الاستطلاعات والثقة التي أظهرها بعض المستطلعين تتعلق بالوهم الذي يرى بأنه بالإمكان تحويل العلوم الاجتماعية لنظيره للعلوم الطبيعية، وتحويل الاستطلاعات لما يشبه عمليات الرصد في المختير- لعملية دقيقة وحيادية. دون التقليل من أهمية المنهج الكمي ومساهمته الكبيرة للبحث، يجب ربما أن نبدي بعض التشكيك تجاه نتائج الاستطلاعات وقدرتها على تنبؤ تصرفات الناس عامةً وتصرفاتها في الصناديق خاصة. ودون التنازل عن الادوات الكمية، لكي نفهم الواقع يجب محاولة قراءة العمليات العميقة والتيارات الباطنية. ربما من الصعب أيضاً بأن نقرأ الواقع بوضوح من نيويورك او واشنطن فهناك تقاس ولاية اوباما بكبح الازمة الاقتصادية، اخراج القوات الأمريكية من العراق وافغانستان، وبالأساس روح المساواة والفرص الليبرالية التي حملها انتخابه بشكل رمزي. وهناك يبدو من الطبيعي تقريباً بأن تنتخب هيلاري وتكمل طريقه. ولكن، كما تقول الكليشه، فهناك أيضاً أمريكا أخرى.

روبرت بتنام، باحث العلوم السياسية من هارفرد، يصف في كتابه الأخير “Our Kids” البلدة التي ولد فيها في ميشيغان- بلدة هادئة اعتاش معظم سكانها من مصنع السيارات على غرار بلدات كثيرة في المنطقة. في سنوات السبيعن الاولى، اختار كثيرون من خريجي الثانوية التنازل عن استكمال التعليم والاندماج في المصنع الى جانب أهاليهم. وقد كان هذا الاختيار منطقياً حيث وفر لهم عملاً ثابتاً، أجوراً جيدة ومستقبلاً بدا مستقراً وآمناً. الحلم الأمريكي بمعني معين. عندما يعود بتنام، الذي اختار التعلم في الجامعة، الى البلدة يجدها مدمرة بعد ثلاثة عقود عاثت فيها. المصانع أغلقت بغالبيتها، البطالة مستفحلة وحتى الذين يعملون يواجهون صعوبات العيش. من ناحية سكان الغرب الاوسط (والذي يسمى أحياناً “حزام الفولاذ”) يبدو بأن الحلم الأمريكي لم يعد ممكنناً أما السياسيين، من اليمين ومن اليسار، فقد خيبوا ظنهم مرة تلو الأخر. غضبهم واستيائهم هم جزء من الموجة التي حملت ترامب الى البيت الأبيض. العنصرية والشوفينية هم جزء آخر من هذه الموجة ولكن سيكون من الخطأ بأن نعلق عليها فقط نتائج الانتخابات فليس كل ناخبي ترامب عنصريين، والأهم- بأن نتجاهل الارضية التي تنميهم.

مقابل هذا “الغضب الأبيض” الذي سعى الى ارجاع امريكا الى يديه، كان هناك من تطلعوا لائتلاف يضم الاقليات والليبراليين، والذين كان لهم، على الأقل من الناحية العددية، أرجحية نظرية ومساندة من ميراث اوباما تضمن انتصار كلينتون. لكن السؤال كان هل سيصل هؤلاء المصوتين الى الصندوق. قبل ثماني سنوات كانت تلك موجة أخرى التي حملت اوباما الى البيت الأبيض. الأمل الكبير والكاريزما أحضروا الى الصناديق أيضاً اناس لم تصوت ابداً من قبل، سود وأقليات أخرى، وكذلك شباب. هيلاري كلينتون، وعلى الرغم من الدعم الكبير لاوباما وزوجته، لم تنجح في تكرير هذا- وقد لا يكون ذلك بذنبها فقط.

بإمكاننا ان نسأل، بحذر، حتى تصبح هناك معطيات مؤكدة، هل من المحتمل بأن الحديث عن خيبة أمل من طرف السود من السنوات الثماني الأخيرة- ما هي انعكاسات حقيقة استخدام الشرطة، حتى بعد ولايتين لرئيس اسود في البيت الأبيض، للعنف المفرط تجاه السود؟ هل استنتج بعضهم من ذلك بأنه لا فائدة من التصويت لأن الواقع لا يتغير حتى عندما يتغير الحكم؟ ما بدا كواقع جديد من المساواة والاحترام أثار، من جهة، غضب المحافظة البيضاء، ولكن، من جهة أخرى، أيضاً استياء من توقعوا ما هو أكثر من الكلمات والتصورات.

عندما أصبح بيرني ساندرس مرشحاً شرعياً للحزب الديمقراطي، مع أنه عرف عن نفسه كاشتراكي- بدا للحظة وكأن هناك في السياسة الأمريكية يسار ويمين كما لم يكن من قبل، ذلك الى جانب السأم من السياسة الممأسسة. ولكن في نهاية السباق، وضد كل “النخب” المكروهة، اختارت الولايات المتحدة الرئيس الذي وعد بأن يرجع لأمريكا عظمتها، ولو أنه لم يمقت الأكاذيب، تفاخر بأنه لم يدفع الضرائب وبأنه اعتدى على نساء جنسياً وأدلى باقوال عنصرية على طول الحملة الانتخابية. بالنسبة للكثيرين، وخاصة في وسائل الإعلام، كان ذلك كافياً لمنعه من الاقتراب للبيت الأبيض. لكن ترامب ومؤيديه ألغوا بازدراء كل ما قاموا بتعريفه ك”لائق سياسياً” (أي الاحترام الاساسي للنساء والأقليات) وكذلك التنبؤات التي توقعت بأن يخسروا، والجمهور الأمريكي قال كلمته.

حتى الانتخابات القادمة سيقوم المستطلعون بتحسين ادوات قياسهم، الاستراتيجيون السياسيون سيقومون بصياغة حملات جديدة ومرشحة جديدة (يجب أن نأمل) ستقود الحزب الديمقراطي. الولايات المتحدة سوف تستمر بالتغير ديموغرافياً، اقتصادياً واجتماعياً وربما تتضح نتائج الانتخابات من هذا الاسبوع كالمعركة النهائية للمحافظة البيضاء. وربما لا.

محاضر في كلية الادارة والسياسة الجماهيرية في جامعة بن غوريون بالنقب. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.