انتصار ترامب وموت فكرة شعب المهاجرين

احدى المسائل الهامة التي وضعت على المحك في الانتخابات الأمريكية كانت فكرة دولة المهاجرين: مع فشلها يجب التحضر لأشكال جديدة من العنف واستخلاص العبر حول ضرورة التطرق للانعكاسات الاقتصادية التي ينطوي عليها استيعاب المهاجرين واللاجئين.
ايتمار من

 

حنة آرنت سألت مرة ما الانطباع الاولي الذي تركته الولايات المتحدة في نفسها عندما وصلت اليها في جيل 32 كلاجئة من المانيا. “أنظر،” قالت باستعلاء معين تجاه تحفظ الفرنسي الذي أجرى المقابلة معها، “أمريكا ليست دولة قومية. للأسف، الاوروبيون غير قادرون على فهم هذه الحقيقة البسيطة.. هذة الدولة لم تنشأ على التقاليد، الذاكرة، الأرض، اللغة، او الأصل.. المواطنون هنا موحدون بواسطة أمر واحد وهو لوحده كثير: بإمكان الانسان ان يصبح مواطن الولايات المتحدة بمجرد قبوله للدستور.”

معنى المواطنة الأمريكية من ناحية آرنت كان الانتماء لمجموعة سياسية متساوية. جزء من كتابها “في الثورة” هو بمثابة قصيدة مديح للولايات المتحدة، الديمقراطية الحديثة التي نجحت ظاهرياً في احياء بعض من نموذج الديمقراطية اليونانية واختلفت عن المواطنة الاوروبية التي انزلقت مباشرةً مع ظهورها الى دوامة من العنف. كما شرحت آرنت، بين الحربين العالميتين، وخاصة في الحرب العالمية الثانية، تجلت المواطنة الاوروبية كمواطنة تعتمد على العرق. دول اوروبا ادارت ظهرها للاجئين الكثر في القارة (وبينهم طبعاً لاجئين يهود) أما الولايات المتحدة فلم تكن كذلك. الولايات المتحدة ليست دولة قومية.

جدار ترامب

اقوال آرنت هذه تعكس توجهاً رومانسياً وأعمى بعض الشيء حيال المواطنة الأمريكية. هذا التوجه يلغي كل من دفعوا بحياتهم وبحريتهم من أجل انشاء المواطنة الأمريكية، وعلى رأسهم مواليد القارة الهنود والعبيد السود الذين احضروا من أفريقيا. مع ذلك، فهذه الأقوال تمثل فكرة أمريكية اساسية تحدث سياسيون كثر وما زالوا يتحدثون باسمها. حتى أن جون كندي كان قد قام بكتابة مانيفستو قصير بإسم “شعب المهاجرين (“A Nation of Immigrants”, 1958). عندما أشغلت منصب سكرتيرة الدولة، قامت هيلاري كلينتون بتكرير نفس الفكرة: “نحن لسنا فقط شعب مهاجرين، نحن أيضاً شعب لاجئين”.

ابتدءا من سنوات التسعينات، كان لفكرة شعب المهاجرين تأثيراً بعيد المدى في العالم تمثل بصعود تعدد الثقافات. مع انتهاء الابرتهايد في جنوب أفريقيا، ترسخت هناك ديمقراطية دستورية تحولت لنموذج لليسار الليبرالي في العالم كله- “أمة القوس قزح” (The Rainbow Nation). نظرية تعدد الثقافات التي خرجت من الاحرام الجامعية في الولايات المتحدة وكندا وصلت إلى إسرائيل كذلك وأثرت على جيل من السياسيين، النشطاء الاجتماعيين والكتاب المتنوعين الذين انشغلوا بالعدل الاجتماعي، الاثنية والمساواة ين اليهود والفلسطينيين. قد تبدو سنوات التسعينات بعيدة اليوم ولكن ربما انتهت هذه الآن فقط.

2.

اوباما اقتبس عنوان كتاب كندي عندما شرح بعام 2014 خطة الاصلاح التي اقترحها بمجال قوانين الهجرة، والتي سمحت لمدة معينة لحوالي ال-3.7 مليون من الآباء والأمهات معدومي المكانة ولحوالي ال-300،000 من معدومي المكانة الذين وصلوا الى الولايات المتحدة بصغرهم بأن يمكثوا في البلاد دون ان يكونوا مهددين بالطرد. القضاة في المحكمة العليا انقسموا في بينهم 4-4 بعد ان توفي القاضي المحافظ انطونين سكاليا ولم ينجح اوباما في تعيين شخص مكانه. مع ذلك فقد عكس خطاب اوباما من 2014 ذلك الالتزام الامريكي الاساسي:

“زملائي الأمريكان، نحن شعب مهاجرين وقد كنا كذلك دائماً. نحن أيضاً كنا غرباء في وقت مضى. ان كان آبائنا قد كانوا غرباء قطعوا المحيط الأطلنطي او المحيط الهادي او الريو غراندي، فنحن هنا فقط لأن هذه الدولة رحبت بهم عندما وصلوا، وعلمتهم بأن معنى ان تكون أمريكياً يتعدى المظهر او اسماء العائلة التي نحملها او الدين الذي ننتمي اليه. ما يجعلنا أمريكان هو التزامنا المشترك بالمثل الأعلى- بأننا خلقنا متساوين، وبأن هناك فرصة لجميعنا لأن نعيش حياتنا كما نريد”.

يوم قبل الانتخابات تطرقت الاعلامية المحافظة آن كولتر هي الأخرى لشعب المهاجرين ولكن من اتجاه آخر: “لو صوت في الانتخابات فقط الأناس الذين لديهم اربعة أجداد وجدات من مواليد الولايات المتحدة لفاز ترامب في كافة الولايات ال-50.” كولتر لخصت باقتضاب كراهية الأجانب والروح العنصرية لدى المرشح الجمهوري والرئيس الجديد الآن.

احدى المسائل الهامة التي وضعت على المحك في هذه الانتخابات كانت فكرة دولة المهاجرين. كلينتون شرحت في حملتها بأنها ستسعى كرئيسة لزيادة عدد اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة من 10.000 في فترة اوباما الى 65.000 (الرقم الذي أشار اليه بيرني ساندرس من قبل). وقد تم استخدام هذا التصريح في حملة ترامب في كل فرصة، وقد يكون قد كلفها ثمناً انتخابياً. بكلمات أخرى، المواطنة التي تحدثت عنها آرنت وضعت في امتحان وفشلت. لا يمكن المبالغة في الانعكاسات التي ستكون لهذا الفشل- في الولايات المتحدة والعالم كله.

3.

على مستوى الولايات المتحدة، فشل كلينتون سوف يمرمر بطريقة او بأخرى حياة 42 مليون مهاجر. مقترحات ترامب المعروفة أكثر من غيرها هي بناء الجدار في الحدود الجنوبية للولايات المتحدة (والذي يفترض بأن تموله المكسيك)، ومنع دخول المسلمين. ولكن قبل أن يباشر ترامب في تنفيذ وعوده المهيبة هذه، سيكون امامه الكثير من الامكانيات الأخرى والتي بمقدورها ان تحول حياة الكثير من السكان الى كابوس. في شهر أبريل الأخير، قام معهد محافظ مهم باسم “المعهد لدراسات الهجرة” بنشر قائمة ب-79 خطوة يستطيع ترامب اتخاذها للتقليص من حقوق المهاجرين واللاجئين “بالقلم والهاتف” (أي دون ان يحتاج لموافقة الكونغرس او المحاكم). جزء من هذه الخطوات يتعلق بالمهاجرين معدومي المكانة وجزء بالمهاجرين القانونيين تماماً أما جزئها الآخر فسيؤثر دون أي شك على السائحين الذين يطلبون الحصول على تأشيرة.

فشل كلينتون سيستدعي أشكالاً جديدة من العنف، ان كان على مستوى المؤسسة وان كان على مستوى الأفراد الذين يعملون بتشجيع من الأجواء العامة المسممة.

من بين الخطوات التي يقترحا “المركز لأبحاث الهجرة” هناك عدد ليس بقليل من التغييرات الاجرائية التي ستؤدي الى رفع مستوى فرض القانون، ولا يدور الحديث فقط عن الطرد الجماعي للمهاجرين إنما أيضاً عن فقدان اماكن العمل وإمكانية اللجوء. لكن أصحاب العمل بمجالات مثل الزراعة سوف يستمرون في تشغيل معدومي المكانة، والنتيجة ستكون شروط عمل استغلالية ومهينة أكثر. الخطوة الأهم المتاحة أمام ترامب هي الغاء الاصلاحات التي نفذها اوباما بواسطة سياسته الرئاسية، وهي الخطوة التي سيتخذها الرئيس الجديد على ما يبدو سريعاً جداً. لكي يمرر خطته الاصلاحية بمجال الهجرة، لم يعمل اوباما بواسطة التشريع لأنه لم ينجح في اقناع الكونغرس بمقترحاته. حقيقة اكتفاءه بالذراع التنفيذية دون موافقة الكونغرس تحولت لحجة لمهاجمة هذه السياسة في المحاكم. قرار اوباما هذا انطوى على تأثير اضافي. فالآن سيكون من الأصعب على الديمقراطيين ان يقوولا بأنه من غير المسموح للرئيس بأن يعمل على عاتقه بمجال الهجرة. ولاية اوباما الثانية بهذا المعني شكلت سابقة سيحلو لترامب الاعتماد عليها (حتى اذا ما كان الحزب الجمهوري الآن يسيطر على الذراع التشريعية).

أما على مستوى العالم، ففشل كلينتون سيمس بالدرجة الاولى باللاجئين وطالبي اللجوء من دول الشرق الاوسط وأفريقيا المتواجدين في اوروبا بما يشمل السوريين. في ألمانيا التي اعتبرت بالسنتين الاخيرتين قائدة الخط المنفتح في كل ما يتعلق باللاجئين، يكثر الحديث الآن عن تبني وسائل ردع وفق النموذج الاسترالي. ويعني ذلك عملياً بأن طالبي اللجوء الذين سيحاولون الوصول الى اوروبا سيضطرون الى الانتظار في معسكرات اعتقال خارج اوروبا والى تقديم طلبات من هناك. ولكن في استراليا، انطوى هذا النموذج للاعتقال خارج مناطق النفوذ على وحشية مقشعرة للأبدان كما كشفت صحيفة “الجارديان”: عنف، تحرشات جنسية، منع العلاج الطبي وتخدير المعتقلين. في ظل هذه الظروف، يطور الكثيرون منهم اضطرابات نفسية ويمسون بأنفسهم. قبل حوالي العقد تحدث طوني بلير عن معسكرات كهذه في بولندا. الآن يفكرون بالمستعمرات السابقة في شمال أفريقيا.

الاسئلة المتعلقة بدمج اللاجئين والمهاجرين الذين يتواجدون في اوروبا والذين حصلوا على مكانة لا تقل أهمية طبعاً. أيضاً في هذا السياق سيستدعي فشل كلينتون أشكال جديدة من العنف، ان كان على مستوى المؤسسة وان كان على مستوى الأفراد الذين يعملون بتشجيع من الأجواء العامة المسممة.

4.

في الأمس حين تحدثت الى والدتي عبر الهاتف حول نتائج الانتخابات الأمريكية، صرحت أمامي بشكل قاطع بأن ما حدث هو بذنب داعش واللاجئين. سأبقي داعش لمرة أخرى ولكني أعتقد بأنها- مثل كثيرين آخرين- محقة فيما يتعلق بمسألة الخوف من الهجرة. من جهة هؤلاء بيننا الذين يؤمنون بالمجتمع المتساوي وتعدد الثقافات، هذا الخوف من الهجرة وفشل كلينتون يجب أن يثيرا أسئلة صعبة. رأينا في سياق ازمة اللاجئين في اوروبا كيف تجند نشطاء المجتمع المدني بشكل ضخم ومثير للانفعال من أجل اللاجئين والمهاجرين. ولكن دون قاعدة سياسية معينة في مؤسسات الدولة ودون الدعم السياسي الواسع لن يكون بالإمكان ضمان استمرارية هذا الالتزام.

في السياق الأمريكي، يرتبط الخوف من الهجرة بالدرجة الأولى بالمخاوف الاقتصادية (المبررة) التي نجح ترامب في التعبير عنها. كما شرح ساندرس كذلك فاتفاقيات التجارة الحرة أدت الى انخفاض الأجور، أطالت يوم العمل، ونقلت اماكن عمل اعتبرت مضمونة في الماضي لدول مثل الصين حيث القوى العاملة أرخص. مجتمع حقوق الانسان في الولايات المتحدة الذي ينشط من أجل المهاجرين واللاجئين لم ينجح في التطرق مباشرةً للارتياب المتواصل من كون الهجرة عملياً الجانب الآخر من العملة: بدل ان تصل المصانع الأمريكية الى القوى العاملة الرخيصة، القوى العاملة الرخيصة وصلت الى الولايات المتحدة.

العبرة من الانتخابات بأنه لكي تشكل أي دولة بيتاً آمناً لثقافات متنوعة ولكي توفر ملجأً للملاحقين، يجب التطرق بشكل واضح جداً للانعكاسات الاقتصادية الداخلية التي ينطوي عليها هذا الالتزام. بشكل عام، الليبرالية الكوسموبوليتية التي نمت من سنوات التسعين وحركة حقوق الانسان لم تنجحا بالقيام في ذلك حقاً حتى الآن.

الاقتصاديون منقسمون بآرائهم حول متى وان كان دخول المهاجرين يمس بظروف عمل مواطني الدولة التي وصلوا اليها. الكثير كتب عن المساهمة الاقتصادية للهجرة للدولة المستضيفة، ولكن السؤال على من تعود هذه الساهمة الاقتصادية وكيف تؤثر على شبكة الأمان الاجتماعية لمواطني الدولة المحتاجين لهذة الشبكة ليس سؤالاً سهلاً. هو أيضاً سؤال لم تنجح كلينتون في التطرق له بطريقة ناجعة. هل كان ساندرس ليقوم بذلك بطريقة أفضل وينجح في اقناع جمهور العمال البيض الذين يشعرون بأنهم أهملوا، يبقى هذا سؤالاً مفتوحاً.

5.

هناك تقييدات صعبة على المقارنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بهذا الخصوص. مع ذلك فهناك اوجه شبه يجدر بنا أن نقف عليها: اولاً، فالخوف من الهجرة ليس حصرياً للولايات المتحدة وهو يميز دول أخرى كثيرة في العالم من بينها إسرائيل. هل تشكل دولة المهاجرين نموذجاً سياسياً ممكنناً (ان كان الحديث عن الولايات المتحدة، جنوب أفريقيا او اسرائيل)؟ العبرة من الانتخابات في الولايات المتحدة بأنه لكي تشكل أي دولة بيتاً آمناً لثقافات متنوعة ولكي توفر ملجأً للملاحقين، يجب التطرق بشكل واضح جداً للانعكاسات الاقتصادية الداخلية التي ينطوي عليها هذا الالتزام. بشكل عام، الليبرالية الكوسموبوليتية التي نمت من سنوات التسعين وحركة حقوق الانسان لم تنجحا بالقيام في ذلك حقاً حتى الآن. ولكن لا خيار آخر. الامكانية الوحيدة الأخرى هي الانزلاق لدوامة خطرة من العنصرية وكراهية الغرباء- الدوامة التي نتواجد منذ الآن في أعماق أعماقها.

الأمر الثاني، أيضاً بالولايات المتحدة وأيضاً لدينا، لا يمكن فصل الخوف من المهاجرين عنن الايديولوجية العنصرية العميقة ذات الجذور التاريخية. لدى  ترامب فهو جزء من الكراهية والعنف تجاه كل من لا ينتمي للعرق الأبيض. وبهذا المعني، هناك رابط مباشر بين حديث ترامب عن اغلاق الحدود وبين شرعنته في أكثر من مناسبة للعنف الشرطي ضد المواطنين السود. أما لدينا فلا يمكن الفصل بين الخوف من المهاجرين وبين التوجه الذي يمنح للمواطنين اليهود مكانة أفضل في اسرائيل (خاصة اذا ما كانوا من اصول اوروبية). وبهذا المعنى، هناك رابط مباشر آخر بين منشأة الاعتقال في “حولوت” (معسكر خاص اقامته اسرائيل في النقب لاحتجاز طالبي اللجوء الافارقة قبل طردهم من البلاد) حيث يحتجز، من بين من يحتجزون، مواطنين أثيوبيين وبين مصير الاسرائيلي من أصل أثيوبي افرا منغيستو (شاب أثيوبي اختفت آثاره بعد ان تسلل الى قطاع غزة): وبينه وبين سكان غزة وغالبيتهم أبناء لاجئين.

 محاضر في كلية الحقوق بجامعة حيفا.

المزيد:

“الغضب الأبيض حمل ترامب الى البيت الأبيض”، جاي بن بورات. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.