التصادم التاريخي بين العولمة والسيادة الوطنية!

المد اليميني الذي يفضل السيادة الوطنية على الحقوق والحريات يبدو كرد فعل طبيعي على ما أفضت الية العولمة من تعميق للفقر والفوارق الاجتماعية، وها هو ترامب، يحصد آثارها على المجتمع الأمريكي كما حصدها من قبله مؤيدو انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.
مرزوق الحلبي

 

نتائج الانتخابات الأمريكية ليست “أمريكية” فقط بل هي عالمية، أيضا. وليس بسبب دلالات قد تحملها بالنسبة للسياسة الدولية و”النظام” الدولي القائم فحسب، بل لكونها نتائج تتصل، أيضا، بتحولات دولية أبرزها ذاك التوتّر المتنامي بين “الوطني” و”العولمي”، بين مفهوم السيادة الوطنية وبين سيرورة العولمة التي قوضت هذا المفهوم و”غدرته” إذا صحّ القول.

يبدو العالم متفهماً ومتعاوناً تماماً مع أنظمة قامعة وشوفينية وقومجية على طول الكرة الأرضية وعرضها. وهي أفكار توازي قي قوتها وزخمها تلك المتصلة بالليبرالية على مذاهبها. وهي ردّ فعل طبيعي على ما أفضت إليه العولمة حتى هذه المرحلة.

معروفة تلك المقولة التي تصف سلوك الناخب الأمريكي الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع وقد اختار حسب المبلغ في جيبه وهاجسه الاقتصادي. للحقيقة، هو اعتبار يعمل في كل جولة انتخابية حيثما كانت وليس في أمريكا حصرا. ومع هذا، سنجد أن دونالد ترامب، بواسطة مستشاريه طبعاً ـ وليس بفضله ـ تمحور في اجتماعاته الشعبية وفي الولايات المأزومة اقتصادياً على هذا الجانب من حياة الأمريكيين. كان من السهل عليه أن يجتذب المحتجين على سياسات العولمة التي كانت هيلري كلينتون مرشحتها بامتياز وداعية لها بوضوح. مقابل ضلوعها و”تورّطها” في سياسات العولمة الاقتصادية والسياسية، لعب ترامب على وتر الوطنية الأمريكية والحماية، وصعد فوق خرائب مدن أمريكية أفرغتها الأزمات الاقتصادية من مشاريعها وسكانها، وركِب ظهر ريف قلق غير واثق بمستقبله ليستقطب ضحايا العولمة بصيغتها ألأمريكية، أولئك الضعفاء والمهمشين ومجمّع الصناعات الوطنية الخائف من غزو الصناعات العالمية ومن اتساع حصتها في الاقتصاد الأمريكي. وكل مُجتمع يتأثّر حسب إكسل هونت الألماني من سياسات الإقصاء والاعتراف وما تتركانه من أثر على الفئات التي يتمّ إقصاؤها وتهميشها.

ينضم فوز ترامب إلى انتصارات أخرى حققها دُعاة الوطنية والمتحفظون من الليبرالية والانفتاح بصيغته الأكثر اندفاعاً، في كثير من بقاع العالم. في بريطانيا من خلال تأييد غالبية بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، أو في انتصار أحزاب وحركات وطنية ألمانية محافظة ويمينية في الانتخابات المحلية على حزب المستشارة ميركل، في ارتفاع نجم اليمين الفرنسي في كل الاستطلاعات الأخيرة، إلى نزعات يمينية متنامية في دول شمال أوروبا، حتى تلك المعروفة بتسامحها وانفتاحها على اللاجئين والمهاجرين، في يمينية صينية ويابانية متعاظمتين.

ينسجم هذا التطور الكوني مع بروز أفكار وتنظيرات جديدة في العلوم السياسية والفكر السياسي تميل إلى يمينية واضحة تقول بأولوية الإبقاء على الدولة والسيادة والنظام العام حتى على حساب الحقوق والحريات خاصة المتصلة بالمهاجرين واللاجئين وطالبي العمل. بل يبدو العالم متفهماً ومتعاوناً تماماً مع أنظمة قامعة وشوفينية وقومجية على طول الكرة الأرضية وعرضها. وهي أفكار توازي قي قوتها وزخمها تلك المتصلة بالليبرالية على مذاهبها. وهي ردّ فعل طبيعي على ما أفضت إليه العولمة حتى هذه المرحلة. فهي لم تؤسس لجريان في السلع وخطوط الانتاج ورأس المال فحسب، بل أفضت إلى تعميق الفقر والفوارق الاجتماعية والإجحاف والتمييز، وتسريع الهجرة وتغيير الديمغرافيا في كثير من المواقع إضافة إلى دكّها حصون السيادة الوطنية وأنظمة الحماية. بمعنى، أن هذه السيرورة الكونية لم تحسّن من وضع الفئات الوسطى والفقيرة بقدر ما وسّعت منها ومن تدني مدخولاتها، وهو ما تُبته أبحاث اقتصادية نوعية مقارنة في العقود الأخيرة. بل إن العولمة زادت من تضعضع أمنها الاجتماعي الاقتصادي وغموض مستقبلها وغياب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لم تحسن الأوضاع في دول الجنوب بقدر ما سرّعت في هجرة سكانها نحو الشمال والدول الغنية.

الولايات المتحدة ـ غير محصّنة البتة أمام هذه العواصف وهذه التأثيرات في العولمة ومفاعيلها على الرغم من كونها مُصدّرة بامتياز لهذه السيرورة. وها هو ترامب، يحصد آثارها على المجتمع الأمريكي كما حصدها من قبله مؤيدو انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. الخوف من الراهن غير الواضح والمستقبل المهزوز حرّك فئات أمريكية إلى المحور الذي ترأسه ترامب، وكان يُمكن أن يترأسه شخص آخر.

نشرت وسائل الإعلام الأمريكية عن نتائج استطلاع مفادها أنه لو جرت الانتخابات بين ترامب الجمهوري، وبين بيرني ساندرس الذي نافس كلينتون على ترشيح الديمقراطيين لفاز ساندرس على ترامب. وهذا، بحدّ ذاته يؤكّد ما ذهبنا إليه. فساندرس كان مرشحاً يسارياً بامتياز (حقق في حملته الانتخابية الداخلية الكثير من نقاط الفوز على هيلري) وأقرب إلى الفئات المسحوقة والاحتجاجية على آثر العولمة ومفاعيلها.

لا يُمكننا أن نؤسس مفهومنا لنتائج انتخابات كالتي في أمريكا على عامل واحد مهما يكن أساسياً وحاسماً. واعتقادنا أن هناك جُملة أسباب وجيهة أفضت إلى النتائج. ومع هذا أردنا أن نشير بقوة إلى ذاك التصادم التاريخي الحاصل بين عولمة مندفعة ومفهوم السيادة الوطنية كغاية من غايات العقد الاجتماعي ومكاسبه وما تركه من أثر على الفرد الأمريكي. وأكثر، هناك نظرية هامة ليورغن هبرماس المتأخّ، يقول فيها ما معناه أن الديمقراطية مفصّلة على مقاس الدولة الإقليمية وحدودها، وأن العولمة كسيرورة متجاوزة، تنتقص من هذه الدمقراطية لكونها تؤثّر من خارج الدولة وبشكل قوي على الأوضاع فيها بشكل يجعل من اللاعبين المركزيين ومن المواطنين رهائن مراكز خارجية. في حالة كهذه ستتواصل في رأينا انتصارات القوى اليمينية المحافظة المناهضة لليبرالية بصيغتها المُعولمة في مواقع أخرى من العالم في الانتخابات أو بدونها.

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.