هل هناك يمين عادل؟

بالذات في هذه الايام الحالكة التي يحتل صدارتها قياديون يؤسسون حملاتهم على التحريض الفظ ضد المهاجرين، الأقليات، القوى الليبرالية، وسائل الاعلام ومنظمات حقوق الانسان والمواطن، يجدر بنا أن نتذكر بأنه بالإمكان ومن الحري بنا أن نجري حواراً مع القوى الليبرالية العميقة المتواجدة وسط اليمين
دانيال حكلاي

 

في اكتوبر 1995 اقيمت المظاهرة اياها في ساحة “تسيون” بقلب القدس. حتى اذا ما حاولوا تنقيح الذاكرة التاريخية البائسة، العبث في أدمغتكم كما يفعل مختصي التحريف والتزوير أمثال نتنياهو وترامب، تمويه ذلك بكل الطرق، لا يمكن الهروب من الحقيقة المرة في نهاية المطاف: كان هناك في تلك المظاهرة متظاهرون طالبوا بكل وضوح بقتل رابين.

רבין
ملصق يظهر رئيس الحكومة السابق اسحاق رابين بزي وحدات الاس الاس النازية.

مقابل منصة الشخصيات الاعتبارية، وقف آلاف المتظاهرون القلقون بحق. هؤلاء تخوفوا من العمليات التفجيرية التي صعقت مدن دولة اسرائيل عدة مرات منذ ابريل 1994. خافوا من امكانية الانسحاب الاسرائيلي من أجزاء بالضفة الغربية وقطاع غزة. فزعوا من فكرة الدولة الفلسطينية المستقبلية. القلق كان انسانياً، الخوف كان مفهوماً، الاحتجاج كان عميقاً وحقيقياً. اقامة المظاهرة نفسها كانت شرعية- اليمين الإسرائيلي شعر بأن الأرض تهتز من تحت قدميه. الاعتراف بدرجة معينة بحق الفلسطينيين بتقرير المصير (ولو أنه لم يتم الحديث حتى ذلك الوقت بشكل واضح عن دولة فلسطينية) على أجزاء من أرض اسرائيل التاريخية انطوى على تصادم شديد مع اسس عميقة في هوية الكثيرين.

لكن جزءاً غير صغير منهم صرخوا بشكل واضح: “بالدم والنار سوف نطرد رابين”، “رابين خائن”، وأيضاً “الموت لرابين”. هكذا ببساطة ووضوح. ومع كل الاحترام لرغبتنا في فلسفة الأمور والالتفاف عليها واقتراح التفسيرات المجازية، لا مكان هنا للتفسير: كان هناك متظاهرون في ساحة “تسيون” طالبوا بقتل رئيس الحكومة اسحاق رابين.

بعضهم كانوا ممن يضعون “الكيباه” على رؤوسهم- ولا أقصد بأن الصهيونية الدينية كلها هي التي قتلت رابين طبعاً فالحقيقة أبعد من ذلك. بعضهم تأثروا بأقوال الحاخامات الذين ألهبوا الكراهية القومية والتعصب الديني- ولا أقصد كذلك بأن معظم الحاخامات وعظوا للمس برابين. لكن بعضهم، على فظاعة ذلك، تداولوا أحكام الوشاية والملاحقة (بحسب الشريعة اليهودية) بجدية سحيقة. بعضهم، على ما يبدو، اصدر فتاوى استباحت بشكل صريح دم رئيس الحكومة ووزير الأمن. بعضهم كانوا محافظين وبعضهم الآخر علمانيين.

بعد ذلك بوقت قصير اقيمت في قلب تل أبيب وقفة تضامنية مع حكومة رابين-بيرس تحت عنوان “نعم للسلام، لا للعنف”. رابين تحدث في خطابه عن العنف والتحريض اللذان يقوضان اسس الديمقراطية. لكنه لم يعرف الى أية درجة كان محقاً- فقد سقط في نفس المساء قتيلاً. 21:45 بعد انتهاء السبت. 4 نوفمبر 1995. الأرض اهتزت. ليس فقط في دولة اسرائيل. العالم كله صعق. بعد ست سنوات كنت في نادي بباريس وتحدثت الى شابة من دولة افريقية بعيدة. عندما عرفت بأنني من اسرائيل كان اول ما قلته لي: لن تتخيل كم بكيت عندما قتل رابين. صدقتها.

عودةً الى ساحة “تسيون”: على منصة الخطباء وقف قياديو اليمين الاسرائيلي. كانوا قلقين. ارادوا انقلاباً سلطوياُ. هم قرؤوا الاستطلاعات وعرفوا جيداً بأن الجمهور الإسرائيلي الذي دعم اتفاقية اوسلو بغالبيته بدأ يتجه نحو اليمين في ظل العمليات التفجيرية في الباصات (التي بدأت كما هو معروف بعد المذبحة التي اقترفها جولدشطاين في قلب الخليل في فبراير 1994). في بعض الاستطلاعات تفوق نتياهو على رابين بفارق صغير. رئيس المعارضة الشاب ابن ال- 46 بدأ يشم الانقلاب المحتمل. بنظرة الى الوراء يبدو بأن هذه الرائحة جعلته هو الآخر يتصرف بتسيب.

من على منصة الخطباء كان بالإمكان سماع الأصوات بوضوح. مشاهدة المناظر. ليس من المؤكد بأن كل الخطباء لاحظوا صورة رابين التي رفعت بالمكان والتي يظهر فيها بزي ضابط نازي (كان ذلك على ما يبدو بمبادرة وعلى الأقل بتشجيع من عنصر الشاباك افيشاي رفيف الذي دس بين خلايا اليمين المتطرف الذين انتهجوا العنف ضد الفلسطينيين). ليس من المؤكد بأنهم سمعوا كل شتيمة او تهديد تحريضي صدر عن فلان او علان في الجمهور. لكن الأكيد بأنه لم يكن بالإمكان تفويت الصرخات الهستيرية والمتكررة والجماعية “بالدم والنار سوف نطرد رابين”، “رابين خائن” “الموت لرابين”.عودةً الى ساحة “تسيون”: على منصة الخطباء وقف قياديو اليمين الاسرائيلي. كانوا قلقين. ارادوا انقلاباً سلطوياُ. هم قرؤوا الاستطلاعات وعرفوا جيداً بأن الجمهور الإسرائيلي الذي دعم اتفاقية اوسلو بغالبيته بدأ يتجه نحو اليمين في ظل العمليات التفجيرية في الباصات (التي بدأت كما هو معروف بعد المذبحة التي اقترفها جولدشطاين في قلب الخليل في فبراير 1994). في بعض الاستطلاعات تفوق نتياهو على رابين بفارق صغير. رئيس المعارضة الشاب ابن ال- 46 بدأ يشم الانقلاب المحتمل. بنظرة الى الوراء، يبدو بأن هذه الرائحة جعلته هو الآخر يتصرف بتسيب.

رجال اليمين العادل اختاروا ترك منصة الخطباء: رؤوفين ريفلين، د.بنيامين زئيف بيجن ودافيد ليفي. هؤلاء الذين بقوا على المنصة ولم يحركوا ساكناً للجم النداءات التحريضية سوف يذكرون للأبد بعملهم المشين هذا: المرحوم اريئيل شارون، المرحوم رحباعم زئيفي، المغتصب موشيه كتساف ومعهم- بنيامين نتنياهو.

ما هو اليمين العادل؟

هل يستطيع المعسكر الاشتراكي-الديمقراطي المتضائل ان يميز معسكر يميني عادل من خلف ابخرة التحريض المنبثقة عن مكتب رئيس الحكومة- ضد المواطنين العرب “الذين يتدفقون بالباصات”، منظمات حقوق الانسان الذين يتجرؤون على تذكيرنا بالدكتاتورية العسكرية الصارمة المفروضة على ملايين الفلسطينيين بالضفة، مدير عام منظمة “بتسيلم” الذي تجرأ على مطالبة شعوب العالم بمساعدة اسرائيل والفلسطينيين على انهاء لعنة السيطرة العسكرية في الضفة،  اواسط في الاعلام والتي تتجرأ على انتقاد نتنياهو وكذلك جهات سياسية مختلفة في المركز واليسار والتي تتجرأ على الخروج ضد الحكم المستمر للقيصر من قيساريا؟.

اليمين العادل هو اليمين الذي يفهم بأن الديمقراطية الجوهرية هي ليست فقط حكم الأغلبية (حكم الأغلبية هو ليس إلا تعبير عن الديمقراطية الضيقة والرسمية) انما أيضاً ضمان الحقوق الاساسية الدستورية للأقلية وللفرد.

هل يستطيع المعسكر المدني الذي يؤمن بأن الحكم العسكري الاسرائيلي في الضفة الغربية هو كارثة- وهو المعسكر الآخذ بالتقلص في إسرائيل- ايجاد حلفاء للحوار الثاقب ولكن العادل في الجانب الآخر من الخارطة السياسية؟ ام أنه كتب علينا بأن نعيش في واقع يتحرك بين التحريض من قبل قطيع المتملقين المثيرين للشفقة على شاكلة بيطان، ريجف واكونيس وبين التحريض الصريح من قبل نتنياهو نفسه؟ بكلمات أخرى، في واقع يتحرك بين الانقضاض على صحافيين اقترفوا الخطيئة الفظيعة المتمثلة بانتقاد القيصر وبين التحريض المتعمد ضد منظمات مجتمع مدني تسعى الى الدفاع عن حقوق الانسان وحقوق المواطن من أجلنا جميعاً (بغض النظر عن آرائنا السياسية. استنكار الاعتقال الاداري لناشط يمين متطرف لا يقل عن استنكار الاعتقال الاداري لفلسطيني. الفرق طبعاً بأنه في حالة الفلسطينيين الحديث عن روتين هو جزء من نظام قمع عسكري، ولهذا فهناك في أي لحظة معطية مئات وأحياناً آلاف الفلسطينيين المعتقلين لا يحظون بإجراءات منصفة في اطار القضاء الجنائي ولا يعرفون بماذا يتم اتهامهم، بينما في حالة نشطاء اليمين المتطرف فالحديث عن اعتقالات ادارية عينية ونادرة جداً).

الاجابة باعتقادي ما زالت ايجابية ولو ان علامات سؤال مقلقة تحوم من فوقها. هناك يمين عادل في اسرائيل كما أن هناك يمين عادل في ديمقراطيات أخرى.

اليمين العادل هو يمين قومي-ليبرالي. تعريف حركة “الليكود”، ولو أن ذلك يبدو كنكتة بائسة في أيام نتنياهو، هو “حركة قومية-ليبرالية”- أي معسكر ينسب أهمية كبيرة لتقرير المصير للقومية اليهودية في اطار دولة قومية يهودية ذات رموز حكم يهودية: علم الدولة، رمز الدولة، التقويم العبري، اللغة العبرية كلغة مركزية، اسم البرلمان وهو الكنيست، اسم العملة الرسمية وهو الشيكل ومضامين جهاز التعليم التي تركز على التاريخ اليهودي والإسرائيلي، ذلك الى جانب الالتزام الواضح بالحقوق السياسية المتساوية للمواطنين العرب.

ليس من قبيل الصدفة بأن حركة “حيروت” برئاسة المرحوم مناحيم بيجن عارضت الحكم العسكري الذي فرضه “مباي” على حياة الفلسطينيين مواطني دولة اسرائيل حتى عام 1966. بجين عارض فرض الحكم العسكري منذ عام 1949 أي في المرحلة التي بدأت تهدأ فيها معارك “حرب الاستقلال” ولكنها لم تنطفئ بعد، أما بعد “حرب الاستقلال” فقد كان ممن قادوا الخط الديمقراطي-الليبرالي الذي عارض بشدة تقليص الحقوق الاساسية للمواطنين العرب كحرية الحركة وحرية التظاهر.

بيجن عارض كذلك الاعتقالات الادارية في اطار دولة اسرائيل بكل ما اوتي من قوة وعلى مدى فترة طويلة. فبعد ان سجن عدد من أعضاء حركة “حيروت” دون محاكمة ضمن اعتقال اداري تم مع اقامة الدولة، شعر بيجن بشكل شخصي الى أي درجة قد يسحق استبداد حكم الأغلبية حقوق الأقلية والفرد. وفعلاً، اليمين العادل هو اليمين الذي يفهم بأن الديمقراطية الجوهرية هي ليست فقط حكم الأغلبية (حكم الأغلبية هو ليس إلا تعبير عن الديمقراطية الضيقة والرسمية) انما أيضاً ضمان الحقوق الاساسية الدستورية للأقلية وللفرد.

في هذا السياق بإمكاننا أن نتساءل كيف يتماشى توجه اليمين الليبرالي العادل مع الرغبة في مواصلة السيطرة العسكرية المستمرة منذ يونيو 1967 والتي تسحق حقوق الانسان والمواطن فيما يتعلق بملايين الفلسطينيين المعدومين من المواطنة والمحرومين من حقهم بدولة قومية في الضفة الغربية. الحديث عن تناقض داخلي وجلي وحزين في عقيدة رجال اليمين الليبرالي العادل:

בני בגין
عضو الكنيست بني بيجن ورئيس الحكومة نتنياهو، 2009 (تصوير: عاموس بن غرشوم)

من جهة، هم يعارضون استبداد الأغلبية تجاه الأقلية ويقاتلون من أجل تحصين حقوق الأقليات والفرد أمام حكم الأغلبية. ولكن ذلك يسري فقط داخل دولة اسرائيل (من ناحيتهم). من هنا ينبع النقد الشديد لبقايا اليمين الليبرالي على رعونة بنيامين نتنياهو (الحديث اليوم بالأساس عن الرئيس ريفلين وعضو الكنيست بني بيجن. في الماضي كان هناك كذلك ميخائيل ايتان ودان مريدور وبدرجة معينة أيضاً الوزير دافيد ليفي). من جهة أخرى، هم يحافظون على صمتهم أمام ادعاء اليسار القائل بأنه من غير الممكن استبقاء حكم ديمقراطي معقول يحفظ حقوق الانسان والمواطن داخل دولة اسرائيل السيادية وفي نفس الوقت تعميق الدكتاتورية العسكرية الصارمة التي تتسم بمعالم ابرتهايد معينة بين مئات آلاف المستوطنين الاسرائيليين وبين ملايين الرعايا الفلسطينيين بالضفة.

بعض رجال اليمين الليبرالي يحاولون الاجابة على هذا النقد الذي يوجهه اليسار ضدهم: بني بيجن مثلاً يشدد على أهمية الحكم الذاتي الذي يجب منحه للفلسطينيين في الضفة (أو عرب يهودا والسامرة بكلماته). ولكن هذه كلمات فارغة باعتقادي. فمن غير الواضح عن أية حكم ذاتي يتحدث من عارض اتفاقيات اوسلو على طول الخط (الاشكالية جداً بنظري أيضاً) التي منحت جزء من الفلسطينيين في الضفة حكم ذاتي جزئي ومنقوص ومتقطع على أجزاء من الضفة الغربية.

يبدو بأنه على الرغم من انصافه المعروف، استقامته ورغبته الصادقة لضمان حقوق الانسان والمواطن لجميع مواطني دولة اسرائيل السيادية، يستصعب د.بيجن ان يعترف بالحقيقة المرة التي تثبت بأن نظرته حيال مواصلة سيطرة دولة اسرائيل على الضفة الغربية دون منح الفلسطينيين مواطنة اسرائيلية معناها مواصلة حرمان ملايين الفلسطينيين من حقوق الانسان بشكل منهجي من قبل دكتاتورية عسكرية صارمة- وهي الحقيقة التي بالضرورة حولت الجيش على مدى خمسون عاماً من جيش دفاع لجيش احتلال يعاني من مساوئ اخلاقية كثيرة.

د.بيجن أيضاً لا يتطرق الى حقيقة كون مواصلة الدكتاتورية العسكرية الاسرائيلية في الضفة- رغم وجود جوانب معينة من الحكم الذاتي لبعض الفلسطينيين تحت الحكم المتزعزع والمتقطع للسلطة الفلسطينية- يعني تعميق واقع يتسم بمعالم ابرتهايد: بجين الابن يدعم مثل والده المرحوم تكثيف الاستيطان الاسرائيلي بالضفة الغربية. ذلك يعني، كما نعرف، مئات آلاف المستوطنين اليهود الذين يتمتعون بحقوق الانسان والمواطن التي تمنحها لهم الديمقراطية الاسرائيلية والى جانبهم ملايين الرعايا الفلسطينيين الذين يخضعون للدكتاتورية العسكرية الاسرائيلية (ونعم، لجوانب معينة وجزئية من الحكم الذاتي يجب عدم الاستهانة بها ولكنها لا تنطوي على مكانة مدنية او على حقوق مواطن كاملة).

خلافاَ لبيجن الابن، يخطو الرئيس ريفلين وكذلك وزير الأمن السابق موشيه آرنس خطوة أخرى الى الأمام: بعض تصريحاتهم بالماضي تدل بأنهم يطالبون بضم الضفة الغربية وبأنهم يوافقون على منح حقوق مواطن متساوية للفلسطينيين الذين يسكنون في الضفة الغربية. بإمكان رؤيتهم هذه ان تندمج مع رؤية رجال اليسار المعادين-للصهيونية فيما يتعلق بدولة مواطنة ديمقراطية اسرائيلية-فلسطينية من البحر حتى النهر. ولكن، على العكس من رجال اليسار هؤلاء، ريفلين وآرنس لم يوضحوا يوماً بشكل قاطع ومنهجي ان كانوا يقصدون منح كل الفلسطينيين بالضفة كامل حقوق المواطن التي تمنح للمواطنين الاسرائيليين دون شروط. اية مقولة لا تكون واضحة في هذا السياق معناها العملي هو استمرار تكريس نظام يتسم بمعالم معينة من الابرتهايد (ولو أنه بالتأكيد صارم أقل من نظام الابرتهايد الفظيع في جنوب أفريقيا الذي انطوى أحياناً على معالم شبيهة بالنازية).

مقابلهم، هناك رجال يمين ليبرالي تراجعوا عن فكرة أرض اسرائيل الكاملة. هؤلاء يدعمون بشكل واضح اقامة دولة قومية فلسطينية في الضفة الغربية الى جانب دولة القومية اليهودية (الملزمة من ناحيتهم بمنح المواطنين العرب حقوق مواطن كاملة دون أية شروط). الحديث عن الوزير السابق ميخائيل ايتان الذي قام بالماضي حتى بصياغة وثيقة بهذه الروح مع د.يوسي بيلين وعبر عن دعم واضح لإقامة دولة فلسطينية في الماضي غير البعيد. الحديث أيضاً عن وزير المالية، القضاء والاستخبارات السابق دان مريدور والذي شارك الى جانب ايهود براك في المفاوضات التي باءت بالفشل مقابل عرفات في يوليو 2000. الحديث كذلك عمن ولدت لأعضاء مشهورين في “الإتسل”، كبرت في الليكود، كانت وزيرة باسم هذا الحزب، انتقلت الى “كاديما”، أقامت الحركة وهي تتواجد اليوم في قيادة “المعسكر الصهيوني” لكنها ليست عضوة في حزب “العمل”- تسيبي لفني. ومن الجدير بأن نضيف لهؤلاء الوزير وعضو الكنيست السابق مئير شطريت.

اليمين الليبرالي العادل، الرفاه والشرقيين

اليمين الليبرالي العادل يعي كذلك جيداً بأنه لا يمكن ترك الطبقات المسحوقة لرحمة الخصخصة المنفلتة. خلافاُ للتوجه الأرعن لنتنياهو، بنيت واييلت شاكيد في هذا الخصوص، أدلى الرئيس ريفلين والوزراء سابقاً ليفي، ايتان، يعالون ومريدور في أكثر من مرة بتصريحات حول ضرورة الدمج بين مبادئ الاقتصاد الحر وبين الحاجة لضمان قاعدة رفاه لكل مواطن.

من المهم ان نتذكر بأن خط الكسر الذي يضعه حكم نتنياهو ليس بين اليمين واليسار انما بين من يخلقون التخويف والملاحقة الاستبدادية وبين المعنيين بإجراء حوار ديمقراطي ومتعدد الاصوات وصون حقوق الانسان والمواطن للجميع. عدد غير قليل من مؤيدي اليمين المعتدل شركاء في هذا التوجه.

وفعلاً، فالعقيدة المعروفة لأب اليمين الإسرائيلي، زئيف جبوطنسكي، انطوت على اعتراف واضح بواجب الدولة لضمان حقوق اساسية اجتماعية وحد أدنى من العيش الانساني لكل مواطن. الى جانب أقواله الواضحة حول مساواة الحقوق الديمقراطية التي يجب منحها لكل مواطن عربي في الدولة اليهودية المستقبلية، جبوطنسكي فهم بأن الاقتصاد الحر ليس بمثابة غابة يبقى فيها القوي بينما يلقى بالضعيف الى الشارع. جبوطنسكي تحدث عن واجب الدولة للاهتمام بالرفاهية الاساسية لكل مواطن. يبدو هذا خيالياً بعض الشيء في دولة نتنياهو التي لا يمكن الحلم فيها بشقة دون أهالي متمكنين او جدة متوفية تورث شقة، لكن عقيدة اليمين الليبرالي لم تنطوي على توجه وحشي يستغل القوي بموجبه الضعيف ويذل الغني الفقير. نلحظ احياناً في الليكود بقايا لهذه الروح، ومع أنها قليلة جداً من الجدير ان نذكرها هنا: الوزيرة جيلا جمليئيل ونعم، مرة أخرى بني بيجن.

نقطة أخيرة بخصوص اليمين العادل: رغم الجوانب الديماغوجية الكثيرة التي ميزته، وعلى الرغم من أن رئيس الحكومة المرحوم مناحيم بيجن فشل بكثير من المعاني بتوفير حياة أفضل لمئات آلاف الاسرائيليين الشرقيين الذين منحوه صوتهم، لا بد من الاشارة الى أنه فتح أبواب الحزب أمام مئات الشباب الشرقيين الموهوبين من بلدات التطوير والأحياء المستضعفة، وعزز مشاعر الفخر والتضامن وسط مئات الآلاف ممن ذاقوا المعاملة المهينة والمشينة أحياناً من طرف حزب “مباي” (“العمل” سابقاً) وعرف كيف يدمج قياديين شرقيين وصلوا الى قمة “الليكود”.

دافيد ليفي، مئير شطريت، موشيه كتساف (الذي اتضح فيما بعد كمغتصب دنيء) في ولاية بيجن وشامير، اسحاق مردخاي (الذي حوكم هو الآخر بتهمة مخالفات جنسية) وشؤول عمور في ولاية حكومة نتنياهو الاولى، سلفان شالوم في ولاية حكومة شارون (شالوم استقال بعد شبهات بمخالفات جنسية ولكنه لم يحاكم في نهاية الأمر)، جيلا جمليئيل الموهوبة والمثيرة للانطباع في حكومة نتنياهو الحالية، ميري ريجف (ولو أنها باعتقادي قائدة عدوانية، قومجية وحتى عنصرية لا تفيد النضال الشرقي بل تهتم بمصلحتها بالأساس من خلال التزلف الرخيص لمراكز القوة برئاسة بنيامين وساره نتنياهو) ومجموعة من رؤساء المدن الشرقيين عن “الليكود”- كل هؤلاء يثبتون بأن اليمين الاسرائيلي عرف كيف يدمج بين صفوفه قادة شرقيين، أكثر او أقل نجاحاً، أكثر او أقل انصافاً، عدوانيين وقومجيين ولكن كذلك معتدلين أكثر، من خلال منح امكانية معينة للارتقاء الاجتماعي (المحدود جداً بنهاية المطاف) ولتمثيل أصوات شتى تم اقصائها خلال ولاية “مباي”.

مفهوم بأن هذا لا يغير حقيقة كون السياسة الاقتصادية التي قادها نتنياهو على مدى العقود الأخيرة قد عمقت من معاناة اسرائيليين كثر وعلى رأسهم من يتواجدون بالطبقات المسحوقة وبينهم الكثير من الشرقيين.

بالذات في هذه الايام الحالكة التي يحتل صدارتها قياديون يؤسسون حملاتهم على التحريض الفظ ضد المهاجرين، الأقليات، القوى الليبرالية، وسائل الاعلام (والقصد هنا بالتحريض وليس النقد المبرر لبعض وسائل الاعلام) ومنظمات حقوق الانسان والمواطن- ترامب في الولايات المتحدة، اردوغان في تركيا، بوتين الذي أعاد روسيا الى الدكتاتورية التامة تقريباً، لوبان الخطيرة في فرنسا، فيلدرز الصاعد في هولندا، برلسكوني الذي أصبح في عداد الماضي في ايطاليا لكنه ترك وراءه شرخاً عميقاً وطبعاً بنيامين نتنياهو في اسرائيل- بالذات في هذه الأيام الصعبة يجدر بنا أن نتذكر بأن المعسكر الاشتراكي-الديمقراطي والى جانيه المعسكر الليبرالي-الديمقراطي يستطيعون ومن الحري بهم بأن يجروا حواراً (وأحياناً ان يتعاونوا) مع قوى ليبرالية عميقة تتواجد وسط اليمين.

صحيح، هذه القوى آخذة بالانكماش في دولة اسرائيل. “الليكود” يبدو كحزب يميني قومجي صاحب معالم فاشية. لكن من المهم ان نتذكر بأن خط الكسر الذي يضعه حكم نتنياهو ليس بين اليمين واليسار انما بين من يخلقون التخويف والملاحقة الاستبدادية التي تحصل على ايحاء لها من الأنظمة الفاشية بالماضي وكذلك من الانظمة الشيوعية بالماضي، وبين المعنيين بإجراء حوار ديمقراطي ومتعدد الاصوات وبصون حقوق الانسان والمواطن للجميع. عدد غير قليل من مؤيدي اليمين المعتدل شركاء في هذا التوجه.

محامي مختص بالقانون الجنائي. 

المزيد:

“نحن عامة الشعب، يقول الراعي”، شوشانا جباي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.