موجة الحرائق وإنكار الحقائق!

لا يمكننا الاستمرار في انكار الحقائق حول الاحتباس الحراري وعواقبه على المنطقة والعالم أجمع: اذا لم ننجح في تطوير ثقافة ونظام سياسي جديد يمكننا من التعامل مع هذه التحديات سنثبت بأننا أكثر غباءً من أن نعيش هنا.
عبد أبو شحادة

 

التقرير الأهم الذي نشر حول موجة الحرائق الأخيرة التي هبت في الشرق الأوسط نشر منذ بداية أكتوبر في صحيفة “واشنطن بوست”. معد التقرير هوجو نيلور حذر من عواقب درجات الحرارة التي سادت في بغداد بالصيف الأخير على دول الشرق الاوسط وصولاً للمغرب وشمال أفريقيا. مما يعني بأن تأثير الاحتباس الحراري ليس أمراً مستقبلياً سيحدث بالقرون القريبة بل أنه أصبح هنا- وما نراه الآن هو فقط البداية. الذي يحذر منه نيلور هو ليس بالضرورة الأضرار التي ستسبب بها الكوارث الطبيعية انما العواقب الاجتماعية والسياسية لهذه الأضرار.

مع ذلك وعلى الرغم من كل الشهادات الواضحة حول انتشار موجة الحرائق في أنحاء المنطقة كلها فنحن نرى بأن هناك سياسيين من اليمين ومن اليسار الإسرائيلي يسمحون لأنفسهم بالادعاء بأن موجة الحرائق جاءت على خلفية قومية ذلك بدلاً من ان يفتحوا أعينهم ويفهموا، مع كل الاحترام للصراع، بأن أمور أكبر منا بكثير تحدث هنا، وبأنه ولا يمكننا الاستمرار بتجاهل الحقائق وبأنه اذا لم يكن هناك تعاون في هذا الخصوص فحتى لو “انتصرنا” بالحرب لن يستطيع أحد العيش هنا.

اذا لم ننجح في تطوير ثقافة ونظام سياسي جديد يمكننا من التعامل مع تحديات الانحباس الحراري سنثبت بأننا أكثر غباءً من أن نعيش هنا.

النقاش حول التأثيرات البيئية للحروب لا يجري في الاعلام، ولكن هذه الحروب التي عاشها الشرق الاوسط منذ سنوات ال-80 وحتى اليوم (ايران والعراق، حرب العراق الاولى والثانية، حرب لبنان الاولى والثانية، حرب غزة الاولى والثانية، افغانستان، اليمن، سوريا والآلاف من عمليات القصف العشوائية) تسببت بأضرار لا رجعة عنها للبيئة ان كان الحديث عن الجنود العراقيين في حرب الخليج الاولى والذي احرقوا حقول الغاز في الكوت مما تسبب بتلوث جوي لا سابق له او عن حرب لبنان الثانية عندما قصفت اسرائيل محطة توليد طاقة لبنانية جنوب بيروت وأصابت مخزن نفط متسببة بتسرب 20.000 طن من النفط في البحر المتوسط.

وقد تجلت العبثية في منع محاولات تنظيف واحتواء الأضرار الصحية بسبب عدم الاستقرار في المنطقة وتوجهات من النوع الذي يفترض بأن ما هو سيء للعدو جيد لي، ولكن ما العمل عندما تتحول حدود الدول لحدود لا معنى لها عندما يتعلق ذلك بالطبيعة. نفس العمى يمنعنا بأن نفهم بأن الصراعات قد تشتد مع تدهور الأضرار البيئية- يكفي النظر الى سوريا التي عانت في 2007 من الجفاف الأصعب منذ 100 عام مما أدى الى انتقال الفلاحين الى المدن الكبيرة وساهم بدوره في عدم الاستقرار الذي تمثل في عام 2011 بهيئة ثورة وحرب أهلية.

أنا أفهم تماماً الحاجة الثقافية الاسرائيلية للانفصال عن الشرق الاوسط ولكن الانسان، على ما يبدو، لم ينجح بعد في خلق التكنولوجيا المناسبة للانفصال جغرافياً عن الشرق الاوسط والتواصل مع اوروبا. اذا ما استمرت اسرائيل والدول المجاورة بالإنكار سوف نخوض هذا العصر الجديد الذي تأذينا فيه الكوارث الطبيعية بطرق لن نستطيع التهيؤ لها. اذا لم ننجح في تطوير ثقافة ونظام سياسي جديد يمكننا من التعامل مع هذه التحديات سنثبت بأننا أكثر غباءً من أن نعيش هنا.

ولا تفهموني بشكل خاطئ، أنا لست إرصادياً ولا أحمل أي لقب أكاديمي له علاقة بالجغرافيا او بالأرصاد البيئية وبالطبع ليس في جعبتي حلول. ولكن يكفي بأنني أتابع الأخبار المحلية والدولية وأفهم بأن الانحباس الحراري هو ظاهرة قائمة تتم مناقشتها على المستوى العالمي، ولا يمكنني أن اسمح لنفسي بأن أجعل التوجهات السياسية تعمي عيناي وأن أصدق حقاً بأن موجة الحرائق الأخيرة هي نتيجة عمل أفراد. ولكنني قطعاً غبي أكثر من اللازم لأتوقع من السياسيين الاسرائيليين بأن “يكبروا رؤوسهم” ويتوقفوا عن التحريض ضد المجتمع العربي، ذلك لأنهم أصبحوا سياسيين فقط بفضل هذا التحريض!.

طالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.