النضال الشرقي لم يفشل

لسنوات كثيرة حاولوا اسقاط الشرعية عن النضال الشرقي مدعين بأن الجمهور الشرقي لا يتعاطف مع أهدافه وبأن الناشطين والناشطات هم جزء من “برج عاجي”. لكن الأعداد والمعطيات من السنة-سنتين الأخيرتين تثبت العكس بالذات.
توم مهاجر

 

المخرج رون كحليلي يعلن مؤخراً من على منصات مختلفة بأن النضال الشرقي قد فشل، وهذا ما يقوم به أيضاً في الحلقة الثانية من مسلسله (الوثائقي) الجديد التي يخصصها للجمهور الشرقي ويعرض من خلالها صورة بائسة جداً للنضال. اوفير طوبول، مؤسس حركة “العصر الذهبي- جاء دورنا”، يلتقي بشرقيين وشرقيات من أنحاء مختلفة من البلاد من شتى المعسكرات السياسية، ويصادف في معظم الحالات الكثير من التشكيك من طرفهم. الحلقة تنتهي في مشهد يظهر فيه طوبول والناشطة الاجتماعية كارمن المكياس وهم في طريق العودة من لقاء آخر مخيب للآمال مع شرقيين أما الجملة التي تختتم الحلقة فهي “الناس لا تعتقد بأنها تستحق أكثر من ذلك”. بشكل رمزي، يتواجد هؤلاء على مفترق طرق بين أشكلون وتل أبيب ويختارون تل أبيب.

لكن يبدو بأن مقياس كحليلي للنجاح غريب ومنقطع عن الواقع. في مقالته الأخيرة لصحيفة “هآرتس” في نهاية الاسبوع كتب بأن “وضع الشرقي، في كل معيار ممكن تقريباً، ما زال متدنياً أكثر من وضع الأشكنازي بكثير”.  ورغم أن هذه الحقيقة نفسها صحيحة إلا أنها لا تشكل اثباتاً على الفشل. هذه الامور كانت صحيحة من قبل سلسة اللقاءات المحبطة بدرجة معينة التي بادر لها طوبول، وهناك احتمال صغير، للأسف، بأن يطرأ تغيير ملحوظ في السنوات القريبة. لكن السؤال الحاسم هو هل ينجح النضال الشرقي في اثارة الوعي للمواضيع الإثنية وسط الشرقيين، وهل، على الرغم من المحاولة المنهجية وطويلة الأمد للفئات المهيمنة للادعاء بأنه “لا يوجد شيء كهذا اليوم” (أي فروق بين الشرقيين والاشكناز)، هل يعتقد الشرقيون بأن هناك مجال للتغيير والاصلاح أيضاً في أيامنا هذه؟

برأيي، الاجابة على هذه الأسئلة ايجابية. في سلسلة من المواضيع التي سأتطرق الى بعضها فيما يلي، هناك جمهور شرقي ليس بصغير يتعاطف مع أهداف النضال الشرقي.

المعطيات تبين بأن التمثيل الشرقي هو موضوع مهم بالنسبة للجمهور الشرقي وبأن مواضيع مثل اقصاء الشرقيين عن محكمة العدل العليا ليست غريبة عنه.

كحليلي يكتب كذلك بأن “القبيلة الشرقية لا تتصرف كقبيلة ولا تنظر الى نفسها كقبيلة”. هذه امور غير صحيحة. شرقيون كثر في البلدات التي تندرج بالعناقيد الاجتماعية الرابعة والخامسة يصوتون لمرشحين شرقيين بنسب أعلى بشكل ملحوظ من المعدل العام في البلاد. في جولة الانتخابات الأخيرة” حظي حزب “كلنا” برئاسة موشيه كحلون وحزب “شاس” برئاسة ارييه درعي بدعم شرقي انتخابي واضح. هكذا، على سبيل المثال، كانت نسبة التصويت القطرية ل”كلنا” 7.49% ولكن في العديد من المدن بالعنقود الاجتماعي 5 والتي تمتاز بنسبة عالية من السكان الشرقيين نسبياً كانت نسبة التصويت لكحلون أعلى بكثير: 8.8% في بئر السبع، 16.08% في كريات شمونه، 8.38% في أشكلون، 15.75% في الخضيرة، 8.66% في العفولة و- 11.18% في نتانيا. بالمعدل، نسبة التصويت لحزب “كلنا” في هذه المدن كانت أكبر ب- 150% من نسبة التصويت العامة في البلاد. هذا معطى هام.

بشكل مماثل وأهم أكثر ربما، نسبة التصويت لحزب “شاس” في المدن ذات الأغلبية الشرقية والمتواجدة في عنقود 4 أعلى من المعدل القطري. فبينما وصلت نسبة التصويت القطرية ل”شاس” في انتخابات 2015 الى 5.74%، حصلت “شاس” في حتسور هجليليت على 9.87%، وفي بيت شيمس على 14.35%، وفي كريات ملآخي على 13.7%، وفي يروحام على 15.04، وفي سديروت على 7.8% وفي نتيفوت على 23.3%. بإمكاننا اذاً ان نقول بأنه كما كان الصوت الشرقي عنصراً هاماً في نجاح عمير بيرتس بانتخابات 2006، وفي تعيينه وزيراً للأمن فيما بعد، هكذا وهب الصوت الشرقي الدعم لموشيه كحلون ولارييه درعي بانتخابات 2015. من ناحية النضال الشرقي، المعطيات تبين بأن التمثيل الشرقي هو موضوع مهم بالنسبة للجمهور الشرقي وبأن مواضيع مثل اقصاء الشرقيين عن محكمة العدل العليا ليست غريبة عنه.

عندما عرضت اور سيونوف نفسها في بيت “الأخ الكبير” (برنامج الواقع الأكثر رواجاً في اسرائيل) عرفت عن نفسها كناشطة شرقية، وتحدثت على مدى البرنامج مع المشاركين الآخرين عن مواضيع كالنضال ضد اخلاء حي “جفعات عمال”، توجيه الشرقيين في جهاز التربية للمساقات المتدنية، قضية اختطاف اولاد اليمن، البلقان والشرق وتمثيل الشرقيين والاشكنازيين في الاعلانات التجارية. في احد النقاشات وصفت سيونوف اعلاناً يظهر الفتية الشرقيين كعنيفين تجاه فتى اشكنازي. اذا كان الشرقيون لا يهتمون بمواضيع مثل التأطير السلبي للشرقيين، كما يدعي كحليلي، كان من المفترض بأن يقابل نقاش سيونوف هذا باللامبالاة ولكن مقطع الفيديو هذا عملياً تصدر الشبكة الاجتماعية: 1،725 مشاركة ومئات آلاف المشاهدات. عدا عن مقطع الفيديو هذا فقد حصلت سيونوف على دعم واسع جداً من الجمهور وكانت قريبة من أن تصل الى النهائيات. جمهور شرقي كبير صوت لصالحها اسبوعاً وراء أسبوع.

قبل سنتين-ثلاث، الخطاب حول اختطاف اولاد اليمن، البلقان والشرق جرى في دوائر ضيقة للغاية. أما اليوم فقد أصبح الحديث عن نضال جماهيري واسع لاعتراف الدولة بجريمة الاختطاف. أيضاً في هذا الموضوع الجمهور الشرقي يبدي اهتماماً ونشاطاً. اذا كان الهدف من كل نضال هو توسيع الصفوف والنقاش الجماهيري فالحديث عن نجاح كبير، من أبرز النجاحات التي عرفها النضال الشرقي بالسنوات الأخيرة. في موقع جمعية “عمرام (التي انشط بها) جمعت حوالي ال- 500 شهادة لعائلات المختطفين، ما يعادل نصف الشهادات التي وصلت للجان التحقيق الرسمية، والجمعية ما زالت تستقبل التوجهات كل الوقت. مسلسل الانترنت “أنبياء: حملة عمرام” يحظى هو الآخر بمشاركات ونقاشات كثيرة- أعلى بكثير من المعدل الذي يحصل عليه السياسيين الكبار جداً.

بالإضافة الى هذه المواضيع الثلاثة، من المهم أن نذكر النجاحات بمجال الثقافة. فعلى الرغم من اقصائها من محطات الراديو العامة، نرى بأن الموسيقى الشرقية تزدهر في المحطات التجارية مثل راديو “لف همديناه” والقناة التلفزيونية “24”. في كلتا الحالتين تترجم قوة الجمهور الشرقي الاستهلاكية لمشهد ثقافي يشكل معارضة لروح الجماعة الاوروبية-الاشكنازية التي حاولت الدولة ان تكسبها للمواطنين. المشروع الشعري “عرص-بوئتيكا” يستمر في بث الذعر في نفوس حراس المرمى الأشكنازيين بينما تستمر شخصيات ثقافية مثل يهونتان جيفن وهليت يشورون في كل نهاية أسبوع بإسماع اصوات ديناصورات انقضى زمانها في الملاحق الثقافية للصحف.

في مشاركة هامة نشرها ايتمار طوبي في هذا الموقع، يفسر طوبي العنف تجاه المتظاهرين اليساريين كغضب ينبع من نفي الشرعية وكم الأفواه طويل الامد تجاه أي شكل آخر من السياسة الشرقية. أنا اعتقد بأننا نجحنا في السنوات الأخيرة بخلق القاعدة والمعادلة الصحيحة لنشاط عكسي تماماً. في كثير من الحلبات يتحدث شرقيون عن هويتنا، تاريخنا ومصالحنا كمجموعة مما يمكننا بالتعاطي بالدرجة الاولى مع أنفسنا. كحليلي، باعتقادي، فوت القدرة الكامنة بالنضال الشرقي والذي لا يتساوى اليمين واليسار الاسرائيليين في صلتهم به بنفس الدرجة.

في نهاية المطاف، الساحة السياسية كلها ستضطر للتعامل مع نشاطنا ورسائلنا الآخذة بالانتشار بين الجمهور الاسرائيلي عامة والشرقي خاصة. نحن نخطو باتجاه النجاح برأيي.

ناشط في جمعية “عمرام” لدعم الثقافة والهوية الشرقية. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.