نحو دولة يهودية ودكتاتورية

 لم يعد بالإمكان انكار نشوء نظام قومجي وخطير في إسرائيل في عهد نتنياهو، نظام لم يعد يخجل لا سياسياً ولا أخلاقياً: على كل هؤلاء الذين ما زالوا يعتقدون بأن اللعبة السياسية ما زالت مفتوحة أن يخرجوا من سذاجتهم.
مرزوق الحلبي

 

ابتهاج اليمين لمرأى دونالد ترامب الفرح وهو يرفع إشارة النصر، مثلها مثل موجة التصريحات المنفلتة حول “الضوء الأخضر” لتعميق الاحتلال ومظالمه، تعيدنا من ربوع أمريكا لإسرائيل من لحم ودم. إذا ما اعتبرت نتائج الانتخابات هناك هزة أرضية، ففي اسرائيل الهزة الأرضية قد وقعت ونحن في أوج هزات فرعية تأتي على شكل موجات لتصفية ما تبقى من الديمقراطية التي تأسست هنا بمجهود كبير من الصهيونيين الأوائل.  يخيل لي أحيانا بأن فصلاً مثيراً في تاريخ دولة اسرائيل انتهى ليبدأ عصر جديد. وإذا ما وفقت فسوف أعرّف ذلك على النحو التالي: من طموح خلاق وصادق للدمج بين اليهودية والديمقراطية إلى عصر من التنازل المتعمّد عن الديمقراطية- حتى إن كان ثمن ذلك تشويه سمعة اليهودية بمجملها.

اغتيال رابين الذي ينكر جزء من الجمهور اليهودي، كما سمعنا هذا الشهر، كونه اغتيالاً سياسياً، كان نقطة الشرخ التي نستطيع من خلالها تجسيد الحاصل في اسرائيل كعملية هدفها اخضاع الدولة- أي ترسيم الحدود، الحكم، المصلحة العامة، النظام، الخطاب، القيم- لأيديولوجية جزء من الأغلبية اليهودية. أوج هذه العملية هو الغاء أسس الدولة الديمقراطية (او الديمقراطية جزئياً). على مدى العقدين الأخيرين تتم في اسرائيل تصفية بطيئة ولكن ممحورة لمبدأ المساواة واشتراط تحصيل الحقوق المدنية بتبني ايديولوجية يمينية وبدعم مشروع الاحتلال ومظالمه. هذا يعني عملياً، الغاء، بشكل واعي ومتعمد،  لقدرة الأقلية على ان تصبح أكثرية وأن تغير الحكم: تقويض آليات التوازن التي تشكل شرطاً لا بد منه لوجود ديمقراطية مقبولة وكذلك المس بشكل بالغ بمبدأ فصل السلطات والذي نراه مثلاً في حملات التخويف ضد الجهاز القضائي والتقليل من أهمية المحكمة العليا واجتثاث قدرة الاعلام على البحث والنقد بواسطة عمليات تشريع غريبة من نوعها.

حتى هؤلاء الذين يعارضون حكم اليمين القومجي بدؤوا يخافون ممن يقولون الحقيقة ومن الحقيقة نفسها أكثر من الحروبات وويلاتها التي يستطيع حكم اليمين توريطهم وتوريطنا بها.

حملات التحريض والتأليب ضد كل جسم، طرف، رجل وامرأة يتجرؤون على ابداء النقد او تحدي المنظومة ليست أقل خطورة. هناك اغتيال مستهدف لمنظمات المجتمع المدني، وخاصة تلك التي تعنى بالحقوق وبنقد النظام، عن طريق نزع شرعيتها وتجفيف مصادر تمويلها بواسطة عمليات تشريع ووسائل سلطوية أخرى كتأجيل الطلبات في مكاتب مسجل الجمعيات. بيد أن تسرب الديمقراطية من بين الاصابع الذي يشعر به اليهود الاشكنازيون أبناء وبنات النُخب المؤسسة اليوم، يشعر به المواطنون العرب يومياً- خاصة من بعد أحداث اكتوبر 2000 (بداية الانتفاضة الثانية) والتي اعتبرت كإسقاط خيار المواطنة من جهتهم. منذ ذلك الحين تشتدّ حملة اقصائهم يوماً بعد يوم. وليس من المستبعد بأن تقوم حكومات اليمين في القريب العاجل بإقصائهم عن اللعبة السياسية بواسطة اجراءات كإخراج الشق الشمالي للحركة الاسلامية عن القانون وحزب التجمع كما هو محتمل. خطوة من هذا النوع ستكون بمثابة اعلان طلاق مع العرب في إسرائيل على المستوى السياسي.

سيكون من السذاجة من طرف مَن ينشغلون بالسياسة الإسرائيلية بأن يستمروا بالافتراض بأن اللعبة السياسية ما زالت مفتوحة. سيكون ذلك خطأً في فهم الواقع ان لم يقم الناس الخيّرون والجريؤون بتغيير تقديراتهم وطرق تعاملهم مع هذه الحقيقة. فمن المعروف للجميع بأنه لا يمكن تغيير النظام دون الصوت العربي ولكن انظروا ماذا فعل، او ماذا لم يفعل، كل هؤلاء الذين من المفترض بأن يستخدموا هذا الصوت لتغيير النظام على افتراض بأن هذا هدفهم؟ أنا اتسائل اعتماداً على افتراض موازي يقول بأن المعارضة لنتنياهو في المجتمع اليهودي لم تعد على استعداد لعقد تحالف مع العرب في إسرائيل، وهو الأمر الذي باتوا ينظرون إليه كغير شرعي وغير صالح سياسياً (انظروا مثلاً خطاب “محبي العرب” لاسحاق هرتسوغ).

لا يجدر اذاً الاستمرار في انكار حقيقة نشوء نظام حكم قومجي، عدواني وخطير في اسرائيل في عهد نتنياهو. يجب عدم الانكار أيضاً بأن هذا النظام يشعر بالثقة بالنفس لدرجة انه لم يعد يخجل أخلاقياً وسياسياً. هذا النظام قوي بما فيه الكفاية ليبرئ نفسه من مقتل رابين، مثلاُ، او من التحريض لقتله. قوي بما فيه الكفاية لدرجة أنه لم يعد يخجل من مظالم الاحتلال ومن السيطرة على شعب آخر وتحويله لشعب يخضع لنزوات وزراء الحكومة. قوي بما فيه الكفاية لدرجة أنه مستعد للتنازل عن مشاركة 20% من مواطني الدولة في اللعبة السياسية والادعاء بأن هذا الأمر يضفي شرعية لنظام الحُكم ولا ينتقص منها. هذا النظام قادر على المس أيضاً باليهود الجريئين لكي يحقق “رؤيته” المروّعة.  هذا النظام سعيد بتصفية انجازات الأوائل، الآباء المؤسسين، والادعاء بأن هذا يضيف قيمة ومعنى للوجود اليهودي هنا. هذا النظام مستعد لأن يرهب الصحافيين، القضاة، القادة العسكريين السابقين ورجال الأمن لكي يؤسس هنا دكتاتورية يهودية مطلقة.

دولة يهودية ودكتاتورية آخذة بالتشكل أمام أعيننا فتعالوا نستفيق من الحلم بأننا نحيى في ديمقراطية. عندما ترفض الكيبوتسات قبول أعضاء من (منظمة) “نكسر الصمت”، كما نشر في صحيفة “هآرتس”، للسكن فيها فذلك يعني بأنه حتى هؤلاء الذين يعارضون حكم اليمين القومجي بدؤوا يخافون ممن يقولون الحقيقة ومن الحقيقة نفسها أكثر من الحروبات وويلاتها التي يستطيع حكم اليمين توريطهم وتوريطنا بها. عندما يسيطر الخوف والتخويف على الموقف لا عجب بأنه بالإمكان إرساء أي نوع من أنظمة الظلام هنا، ديكتاتورية يهودية مثلاً.

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.