اعتقال فلسطينيين بسبب مشاكل في الترجمة!

يتضح بأن مسألة الترجمة وجودتها تقف في مركز ظاهرة اعتقال فلسطينيين في أعقاب مشاركات على “الفيسبوك”، وهو ما كان مؤخراً في حالة الصحافي أنس أبو دعيبس الذي يخضع الآن للسجن المنزلي بعد أن تم اعتقاله بسبب مشاركة ساخرة ترجمت بصورة خاطئة!  

 

بعد ساعات قليلة من نشر مشاركة ساخرة بالعربية على “الفيسبوك” في اوج موجة الحرائق التي شبت في البلاد، وجد انس ابو دعيبس نفسه مكبلاً بيديه ورجليه ومتهماً بالتحريض. بعد كذا جلسة في المحكمة وبعد تمديد اعتقاله مرتين وبعد بضعة أيام وصفها كالأصعب في حياته، تم اطلاق سراحه أمس اول للسجن المنزلي لمدة خمسة أيام، ويمنع عليه بالوقت الحالي الذهاب الى عمله او الى دراسته في جامعة بن غوريون.

ظاهرة اعتقال فلسطينيين مواطني اسرائيل او الأراضي المحتلة بسبب منشورات على الشبكات الاجتماعية آخذة بالانتشار في العام الأخير، وأكثر حالة اشتهرت بهذا السياق هي حالة الشاعرة دارين طاطور التي تتواجد رهن الاعتقال منذ عام بتهمة نشر قصيدة على “الفيسبوك”. ابو دعيبس، ابن 29، يتواجد الآن في بيته في راهط مع زوجته منذ شهرين فقط رقية، وهما يقضيان، كما يقولان، “شهر عسل” برعاية شرطة إسرائيل، وينتظران ليعرفا ان كانت ستقدم ضده لائحة اتهام ام لا.

انس ابو دعيبس

“كنت في العمل ونشرت مشاركة على “الفيسبوك”، مشاركة عابرة”، يحدثنا عبر الهاتف (وهو هاتف رقية لان الشرطة قامت بمصادرة هاتفه). “لم يهمني بشكل خاص ان انقل رسالة الى العالم. كانت مجرد مشاركة ساخرة في نهاية يوم العمل. فجأة وأنا في طريقي الى البيت اتصلوا ليبلغوني بأن محققين ينتظرونني في البيت. اعتقدت بأنها مزحة. قالوا لزوجتي: “تبدين خائفة، لا داعي للقلق، جئنا لمحادثة صغيرة فقط”. عندما وصلت، اجلسني ثلاثة محققين بلباس مدني على كرسي وقالوا لي بأنني متهم بالتحريض. عندما قالوا لي بأن السبب هو المشاركة الأخيرة التي كتبتها على “الفيسبوك”، بدأت بالضحك. كنت مسترخياً تماماً، جلست وأنا أضع رجلاً على رجل وانتظرت بأن يكلمني أحد. كنت على ثقة بأنني عندما اترجم لهم ما كتبت سيقولون لي “اذهب بطريقك، وكل الاحترام”.

يتضح بأن مسألة الترجمة وجودتها تقف في مركز ظاهرة اعتقال الفلسطينيين- وبالطبع الفلسطينيين فقط لأنه من المسموح لليهود بأن ينادوا بالقتل، الحرق وكل ما هو ممنوع على العرب- في أعقاب مشاركات على “الفيسبوك”. مشاركة ابو دعيبس مثلاُ ترجمت من قبل شرطي ليس مترجماً مهنياً من العربية للعبرية في أحسن حال، وفي أسوأ حال، قام باستخدام “غوغل ترانسليت” لترجمة المشاركة.

وقد سبقت مشاركة ابو دعيبس هذه التي اختتمت حتى بهاشتاغ #تهكم_ومش_جد(!) مشاركة أخرى في نفس الصباح تتهكم بشكل مباشر على هؤلاء الذين يهللون للحرائق. وقد عرض المحامي ايال افيطال هذه الأمور خلال جلسة تمديد الاعتقال يوم الجمعة الماضي ولكن الشرطة بشكل مفاجئ خرجت بادعاء آخر يقول بأن “المتهم قام باستخدام لغة عالية المستوى، وهناك احتمال بألا يفهم قصده.. وربما لم يفهم فتى معين اللغة.. فقد كانت هناك حرائق بمنطقة الجنوب الليلة”. القاضي، من جهته، قبل هذا الادعاء الغريب وقام بتمديد الاعتقال.

تريد الماء؟ سنحضر لك البنزين

انس ابو دعيبس يعمل بالسنوات الأخيرة كصحافي في عدة صحف محلية، ويمرر في هذه الايام دورات تصوير من مكتبه في بئر السبع كما يدير وكالة تسويق موجهه للمجتمع العربي ومبادرة اجتماعية لطباعة قمصان بالعربية هدفها التشجيع على استخدام العربية وعدم الاستسلام للتدهور الحاصل في مكانتها بالسنوات الأخيرة. عدا عن ذلك فهو يدرس للقب الثاني بالإعلام في جامعة بن غوريون.

“لم يخطر في بالي بأنني سأدخل الى منطقة خطر بسبب هذه المشاركة”، حدثنا قائلاً. ابو دعيبس أخذ الى مكتبه وأخرج من سيارة الشرطة وهو مكبل بينما أثار الشرطيون ضجة غير عادية في المكان: “دخلوا الى جاري وفحصوا حاسوبه، سألوا الناس أسئلة.. شعرت بأنهم ببساطة يريدون اهانتي، بأن يراني كل جيراني وأنا مكبل. دخلوا، فحصوا، لم يكن هناك أي شيء بالمكتب، أخذوا حاسوب العمل. في المقابل قاموا بتفتيش البيت وأخذوا حاسوبي النقال وحاسوب زوجتي. وجدوا بضعة قمصان مع كتابات بالعربية ولأنهم لا يتقنون العربية لم يفهموا ما المكتوب بل أثار ذلك الشك فيهم أكثر”.

أبو دعيبس لم يرى حتى الآن محطة شرطة من الداخل: أراد أن يتحدث الى والده ولكنهم لم يسمحوا له. الشرطيون قالوا له بأن والديه لا ينجحون في ايجاد محامي له فلا يوجد أي محامي يريد أن يمثله. كما قاموا بتهديده بأن قضية من هذا النوع تعني السجن أربعة أشهر، أحدهم حتى قال سنتنين على الأقل. “حاولت أن احافظ على هدوئي وألا اتوتر لأن هذا ما يريدونه. حاولت ألا أسمع ملاحظاتهم. فهمت بأنهم يستخدمون اسلوب التخويف. أردت أن أشرب الماء، مثلاُ، فأحضروا لي الماء بعد ساعتين وقالوا لي لما نحضر لك الماء- من الأفضل بأن نحضر لك البنزين(!). أو عندما قلت بأنني أشعر بالبرد وطلبت بأن يغلقوا الباب، قالوا لي تعال نشعل النار في الخارج ونحرق بضعة أشجار. هكذا ببساطة. بعد ذلك كان التحقيق. فيما بعد فهمت بأنهم أبلغوا والديَ بأنني بحاجة لمحامي قبل التحقيق بعشرة دقائق”.

حدثنا عن التحقيق وعن الليلة التي قضيتها بالسجن.

“جلست معهم وحاولت أن أترجم لهم المشاركة وأن أشرح لهم ولكنهم صمموا بألا يفهموا. “غوغل ترانسليت لا يساعدك”، قال لي المحقق. سألته ان كان ينوي ارسالي الى السجن بسبب استخدامه ل”غوغل ترانسليت”. مع نهاية التحقيق، أبلغوني بأنني سأقضي الليلة في السجن. انتظرت أهلي ليحضروا لي ملابس دافئة. أبي رآني وأنا مكبل وهذا بحد ذاته مشهد صعب. في الثانية ليلاً وصلنا الى (سجن) “اوهالي كيدار” في بئر السبع حيث أدخلوني الى غرفة منفصلة لليلة الاولى. في الصباح عندما وصلنا الى المحكمة كنت متأكداّ بأنهم سيطلقون سراحي. لكن القاضي بشكل مفاجئ قال تلك الجملة التي كررها الجميع فيما بعد: “من يحرض لإشعال الحرائق أخطر على أمن الدولة ممن يشعل الحريق بنفسه”.

فيما يشبه المسرحية الهزلية الطويلة والتي من الممكن بأن تسمى بسهولة “lost in translation”، طلب القاضي من الشرطة بأن تقوم بترجمة المشاركة الاولى (التي خرجت ضد الحرائق وضد من يهلل لها). ابو دعيبس يقول بأن الشرطة أقرت بالفعل بأن المشاركة الاولى لا تثير الشبهات ولكنها قامت بعد ذلك بتقديم “مادة تحقيق سرية” للقاضي الذي قام بدوره  بتمديد الاعتقال حتى نهاية يوم السبت. بعد تمديد اعتقال آخر، تم تقديم استئناف للمحكمة اللوائية، هناك قرر القاضي بأن المشاركة الاولى- التي أقرت الشرطة بأنها ليست اشكالية- اشكالية(!)، وبأن الترجمات التي قدمت له، من قبل الدفاع ومن قبل الادعاء، عكسية بمعناها. “كان ذلك في يوم الأحد، أسوأ يوم في حياتي. كنت كل الوقت بين مجرمين، بعضهم متهمين بالقتل، الاغتصاب والتحرش. في نهاية اليوم نقلوني الى غرفة جديدة وثم أبلغوني فجأة بأن بإمكاني أن اعود الى البيت. بأن الشرطة سحبت القضية”.

“هل تعتقد بأن الشرطة فهمت بأنها تسلقت شجرة عالية جداً؟

تقديم لوائح الاتهام يتم فقط ضد العرب او الفلسطينيين بحجة التحريض. في المقابل، لا أحد يولي اهتماماً بنداءات “الموت للعرب” على “الفيسبوك” او بكل ما كتب ضد زهافا جلؤون مثلاُ.

“لست متأكداً البتة- لأنني لا أعرف حتى الآن ان كانوا ينوون تقديم لائحة اتهام ضدي أم لا، القرار في يد النيابة. الأصداء الجماهيرية لاعتقالي، أيضاً في المجتمع العربي وأيضاً في المجتمع اليهودي، أثرت كثيراً. كما فهمت بأن الشرطة بدأت تتراجع عن كل مسألة التحريض للحرائق والتعامل معها كأحداث ارهابية. فاذا ما كان الحديث عن عمل ارهابي سيتوجب على الدولة تعويض العائلات المتضررة اما اذا كان ذلك بفعل حالة الجو فالمسألة تعود لشركات التأمين- وهذا يعني توفير بحجم مليارات”.

ما هو وضعك حالياً من ناحية قانونية؟

“الآن أنا رهن الاعتقال المنزلي لخمسة أيام ومبعد عن “الفيسبوك” ل- 15 يوماً. عدا عن ذلك فالأمور ليست واضحة- لم أحصل على أي مستند من المحكمة، الشرطة، السجن، ولا أعرف ما هو وضعي حقاً. كل ما أبلغوني به “الآن انت في الخارج”. قرأت أخبار في الاعلام تقول بأن الشرطة اوقفت عملية التحقيق أي بأنهم استنفذوها على الأقل من جهتهم ولو أنني أفترض بأن هناك من دخل الى حساب “الفيسبوك” و”الواتس-أب” خاصتي- فقد صادروا حاسوبي وهاتفي”.

حظيت بالطبع على الكثير من الدعم من الجمهور ومن البيئة القريبة.

حصلت على تشجيع من أناس لم أراها منذ سنوات او أناس لا أعرفها اطلاقاً- يهود وعرب، من هنا ومن العالم. الكثيرون تجندوا لدعمي بشكل مدهش. أيضاً أعضاء الكنيست العرب تجندوا ومارسوا الضغط على قيادة الشرطة وقائدها العام وعلى الوزير اردان. هذا يغير في نظري الآراء المسبقة التي تقول بأن أعضاء الكنيست العرب لا يهتمون لأمر مواطني اسرائيل العرب.

حس الفكاهة- ممنوع على العرب!

في أعقاب حالة ابو دعيبس قمنا بالتوجه للمحامية جابي لاسكي، اخصائية بمجال حقوق الانسان ومن تمثل دارين طاطور كذلك، وسألناها ماذا تغير في علاقة الجهاز القضائي مع الفلسطينيين بالعام الأخير. “التعامل مع الفلسطينيين فيما يتعلق بالتظاهر وحرية التعبير عن الرأي تغير بالتأكيد”، قالت لاسكي وأضافت بأن حالة ابو دعيبس ثثبت، على ما يبدو، بأن حس الفكاهة ممنوع على العرب. ولو أنه من غير الواضح ان كان ابو دعيبس سيقدم للمحاكمة وبتهمة أية ترجمات، تشير لاسكي بأنه عدا عن حالة دارين طاطور المشهورة فان مكتبها يتابع أربعة حالات شبيهة وبأن هناك عشرات المعتقلين الآخرين.

هل هناك معطيات حول اعتقالات الفيسبوك بالفترة الأخيرة؟

“في اطار قضية دارين طاطور تقدمنا بطلب الى المحكمة للحصول على هذه المعطيات بالتحديد: عدد لوائح الاتهام التي قدمت، عدد الناس التي اعتقلت ولم تقدم ضدها لوائح اتهام بمخالفات انترنت. المحكمة حكمت ضد الكشف عن هذه المواد. في نهاية المطاف، حصلنا على جزء من المعطيات بمساعدة الصحافي جون براون الذي تقدم بطلب بحسب قانون حرية المعلومات. من المعطيات التي كشفت، بإمكاننا ان نرى بأن تقديم لوائح الاتهام يتم فقط ضد العرب او الفلسطينيين بحجة التحريض. في المقابل، لا أحد يولي اهتماماً بنداءات “الموت للعرب” على “الفيسبوك” او بكل ما كتب ضد زهافا جلؤون مثلاُ. هناك قضايا كهذه ضد فلسطينيين أيضاً في المحكمة العسكرية ولكن بشكل غريب عندما يتم اعتقال شخص هناك على مشاركة يقومون بإطلاق سراحه بكفاله أو بنقله للسجن المنزلي ولكنهم لا يقومون بذلك في البلاد”.

كيف تراقب الشرطة عملياً الشبكات الاجتماعية؟

“افترض بأن لدى الشرطة أناس وظيفتهم البحث عن مشاركات حسب كلمات معينة، وقد تكون لديهم طرق خاصة لذلك، ولكن في حالة دارين الحديث كان عن وشاية. الذي نستطيع ان نراه في كلا الحالتين، حالة طاطور وابو دعيبس، بأن الحديث عن ترجمة  سيئة. هذه حالات كلاسيكية يقوم فيها شرطيون جاهلون لا يتقنون العربية بتحضير ترجمات تغفل الفروق الدقيقة وتخلق معنى عكسياً تماماً لما قصده الشاعر.”

ألا ينطوي الاعتقال على خلفية تصريح على مس بحرية التعبير؟

“بشكل مبدئي، حرية التعبير يجب أن تكون متوازنة مع حقوق أخرى كالحق في حماية السمعة والحق لعدم المساس بالنظام العام. أما في الخطاب فهناك مكانة راسخة أكثر لحرية التعبير ولهذا نجد بأن هناك توجه في القضاء الجنائي يقول بأنه يجب الحذر من المس بحرية التعبير واستخدام القضاء الجنائي فقط في الحالات الشاذة. يجب محاولة عدم تجريم حرية التعبير. لكننا نجد أنفسنا الآن في خضم نزعات تتراجع فيها حرية التعبير أمام مصالح أخرى. لا يوجد في إسرائيل قانون أساس حرية التعبير او قانون أساس التظاهر مع ذلك فهناك مكانة هامة لحرية التعبير في النظام الديمقراطي، ونحن نشهد كيف تتآكل هذه بشكل جدي بالسنوات الأخيرة: من الشرطة التي بدأت تعتقل أناس الى المحكمة التي تتركهم رهن الاعتقال على مخالفات حرية التعبير وحتى النيابة التي تقدم لوائح اتهام على هذه المخالفات. من يعاني من ذلك بالأساس هم الفلسطينيين من الأراضي المحتلة او من إسرائيل”.

أيضاً حالة دارين طاطور تقع ضمن هذا الصراع بين “حرية التعبير” و”منع الارهاب”؟

“نعم، لأنه عندما يتم التعامل مع حرية التعبير في اطار محاربة الارهاب يصبح من الشرعي بأن تمس السلطات بأناس معينين وليس بآخرين. هم ينسبون للأشخاص الذين يكتبون أمور من هذا النوع او ذلك على “الفيسبوك” نوايا لتنفيذ عمليات ويحولون القضية بذلك لقضية مخالفات أمنية. في المقابل، اذا ما قال شخص “الموت للعرب” فمباشرةً ينسبون له الغباء وليس القصد لإلحاق الضرر.

في حالة دارين، فهي تخضع للمحاكمة بسبب ترجمة لأمور كتبتها. احد الامثلة الأفضل لدينا بهذه القضية بأن عبارة “أنا الشهيد القادم” ظهرت في احدى صور البروفايل التي وضعتها على “الفيسبوك”، وهو الأمر الذي يعتبر من ناحية المنظومة كإثبات لشيء ما. الشهيد في الثقافة الفلسطينية هو ضحية. بعد حرق الطفل علي دوابشة ومحمد ابو خضير قامت مجموعة من الفلسطينيين لتقول “أنا الشهيد القادم” أي: أنا الضحية القادمة. ولكن في اطار المركزية الاثنية كدولة إسرائيل، حيث لا يوجد فهم للثقافة العربية ولا يوجد سياق كهذا، يقومون اتهامها مباشرةً بالكذب. دارين قضت في السجن ثلاثة أشهر ومن ثم تسعة أشهر أخرى بالسجن المنزلي الكامل مع حلقة الكترونية. فقط في الاسبوع الماضي فكوا عنها الحلقة وصار باستطاعتها أن تخرج للعمل. الآن هي رهن الاعتقال المنزلي الليلي”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.