لن نسكت!

الحالات التي انكشفت بالأسابيع الأخيرة تثبت بأن العنف ضد النساء موجود في كل مكان خاصة عندما تكون هناك هرمية واضحة وعلاقات سيطرة وغلبة. اذا ما واصلنا صمتنا فيستمر رجال من هذا النوع باستخدام قوتهم ونفوذهم المؤسساتي ضدنا لأنهم ببساطة يستطيعون القيام بذلك!
خلود خميس

 

قبل حوالي أسبوع ونصف وقفت على منصة في حيفا لألقي كلمة بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة كل أنواع العنف ضد النساء. وقفت في نفس المكان الذي منح فيه موشيه افجيني (المتهم باعتداءات جنسية) جائزة الاكاديمية (للسينما) للممثل الأفضل على ادائه في فيلم روائي من سنة 2016.  ربطت بين أنوع العنف المختلفة التي تمارس ضدنا، النساء، على أساس يومي: العنف الجسدي، العنف الجنسي، العاطفي، الكلامي، الاقتصادي، المؤسساتي، الاجتماعي، البيئي وغيرها.

كناشطة نسوية تختلط لدي الجوانب الشخصية بالسياسية تقريباً في كل مجال فكم بالحري بمجال العنف. أجد نفسي في الأيام الأخيرة مغمورة بالموضوع، على المستوى الشخصي والسياسي على حد سواء، من شتى الاتجاهات. سأبدأ بمكالمة هاتفية وصلتني قبل حوالي الأسبوع من عالية، امرأة عربية ابنة 22 وطالبة لقب ثاني في الدراسات النسوية بجامعة حيفا. عالية قبلت لدراسة اللقب الثاني بشكل مشروط فعندما تسجلت لم تكن قد حصلت بعد على كافة علامات اللقب الاول مع العلم بأنها درست الأدب الانجليزية في احدى الكليات العربية بشمال البلاد. عالية كانت مضطربة جداً خلال المكالمة الهاتفية، وبسطت أمامي قصة مستمرة من المضايقة من طرف محاضر كبير في الكلية. المحاضر اياه استخدم قوة نفوذه الاكاديمية وأعاد لعالية، مرة تلو الأخرى، وظيفة البحث التي تقدمت بها للتعديل. وقد اضطرت عاليا للعمل مجدداً على البحث سبع مرات أما في المرة الثامنة فقد أعطاها ببساطة علامة رسوب، وقامت سكرتيرته بالاتصال بعالية لتدعوها للتسجل للمادة مرة أخرى بالفصل القادم. المحاضر كان يعرف بأن عالية قبلت لدراسة اللقب الثاني واستخدم قوة نفوذه فقط لأنه يستطيع القيام بذلك.

قررت بأن أشارك هاتين القصتين الشخصيتين مع اسم عالية واسمي لأننا لسنا المتهمات هنا ولسنا من يتوجب عليه أن يخاف ويختبئ من وراء اسماء مستعارة.

عالية توجهت لي بعد أن يئست، وحكت لي بأنها تعرف عن يقين بأن هذا المحاضر يقوم في كل سنة باختيار طالبة واحدة ليضايقها بأشكال مختلفة وليمنعها من اجتياز المادة بنجاح. دوافع هذا المحاضر غير واضحة. لكن هذه القصة انتهت بصورة جيدة فعالية لم تكن مستعدة لأن تسكت. حيث توجهت لي للحصول على استشارة وأنا بدوري قمت بتوجيهها لإحدى محاضراتها الحاليات. بناءً على توصية هذه المحاضرة، قامت عالية بإرسال وظيفة البحث لمحاضر كبير في احدى الجامعات الأمريكية وحصلت منه على تقدير ايجابي وعلى علامة 93. مزودة بهذا الرأي، توجهت عالية برسالة خطية لرئيس الكلية ووصفت له كل ما مرت به. في اليوم التالي اتصلوا بها من سكرتارية القسم لإغلاق الملف ولتسليمها شهادتها.

هذه القصة ذكرتني بدكتور كنت أعمل لديه خلال دراستي للقب الثاني، والذي كان أيضاً واحد من رؤساء المراكز في جامعة حيفا. كان يتحرش بي جنسياً ويهددني بفقدان مكان العمل. عندما توجهت لموظفة صاحبة أقدمية أكبر قالت لي بأنها لا توصيني بتقديم شكوى لأن الحديث عن رجل مهم في الجامعة ولديه الكثير من القوة، وإذا ما أعلنت الحرب ضده فسوف يسحقني ويسحق مستقبلي الأكاديمي. سكتت ولم أتقدم بشكوى.

أحضرت هذين المثالين الشخصيين هنا لكي أجسد عمق واتساع ظاهرة العنف الذي يمارسه الرجال أصحاب النفوذ المؤسساتي ضد النساء، والطريقة التي تتجند فيها المنظومة للدفاع عن المعتدين ولعدم اجتثاث هذه الظاهرة بالأساس بواسطة الاسكات وغض النظر. الحالات التي انكشفت بالأسابيع الأخيرة لعضو كنيست حالي، جيل شيفر من مكتب نتنياهو سابقاً والون كستيال- وجميعهم أصحاب قوة ومكانة- تثبت بأن هذا العفن موجود في كل مكان خاصةً عندما تكون هناك هرمية واضحة وعلاقات سيطرة وغلبة. الاتفاقية التي تتم صياغتها الآن مع اوفك بوخريس لا تختلف كثيراً بجوهرها عن الحالات التي وصفتها: منظومة ذكورية واضحة تستند الى علاقات القوة، وعندما تستجمع المرأة بعض الجرأة لتتقدم بشكوى يكون العقاب الذي يحصل عليه المعتدي بمثابة اهانة وصفعة للنساء وللمجتمع برمته.

أتوجه لكل من تمر بأي نوع من العنف وأحثها على عدم الخوف والسكوت. اذا ما واصلنا صمتنا فسيستمر رجال من هذا النوع الحقير باستخدام قوتهم ونفوذهم المؤسساتي ضدنا فقط لأنهم يستطيعون القيام بذلك. قررت بأن أشارك هاتين القصتين الشخصيتين مع اسم عالية واسمي لأننا لسنا المتهمات هنا ولسنا من يتوجب عليه أن يخاف ويختبئ من وراء اسماء مستعارة. من المهم بالنسبة لي بأن تعرف كل امرأة تعاني من العنف بأنها ليست وحيدة. من المهم بأن نعرف بأن أمامنا طرق للتعامل ومن حولنا الكثير من النساء ممن لديهم معرفة وتجربة وباستطاعتهن تقديم الاستشارة ويد المساعدة.

وحان الوقت لأن نوحد نضالنا ضد العنف: أيضاً من ناحية أنواع العنف وأيضاً بأن نعمل سوية- نساء عربيات ويهوديات. ادعوكن جميعاً لمشاركة شهاداتكن حول العنف في صفحة الفيسبوك الجديدة وثنائية اللغة #لن نسكت لكي نعمم الموضوع بالحيز العام ونكسر علاقة الصمت كجزء من محاربة العنف ضد النساء على شتى أنواعه. بالإمكان ارسال الشهادة كرسالة وسنقوم بمشاركتها تحت اسم مستعار او تحت الاسم الحقيقي، كما تختارين. تعالوا نرص الصفوف ونتوحد وندعم واحدة الأخرى، وندعم النساء اللواتي يواجهن الون كستيال بوجه مكشوف واللواتي عليهن الآن ان يتحملن العنف الكلامي والشتائم التي يوجهها لهن الكثيرون من بين الجمهور. أدعو النساء لأن يكن قويات ويقوين غيرهن وبالأساس لأن يؤمن بأن علاقات القوى الاستغلالية والمشوهة التي يرتكز عليها مجتمعنا لن تبقى على حالها لكثير من الوقت.

تسكتيش

هذا المساء ستنظم مظاهرة مقابل دوائر الحكومة احتجاجاً على التستر على العنف الجنسي. تفاصيل اضافية تجدونها على صفحة الحدث على الفيسبوك.

كاتبة، ناشطة نسوية حيفاوية ضمن منظمة “امرأة لامرأة”، ومن مؤسسات صفحة #تسكتيش حيز آمن للنساء العربيات لمشاركة شهادات حول العنف الجنسي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.