حكم الهويات: تدمير للثقافة

في إسرائيل اليوم، لا يوجد شعراء جيدين وغير جيدين، لا يوجد كتاب عميقين وغير عميقين، لا يوجد برامج تلفزيونية مبتكرة وغير مبتكرة، هناك فقط شعراء أشكنازيين وشعراء شرقيين، برامج تلفزيونية شوفينية ومقابلها برامج نسوية، ثقافة عربية ومقابلها ثقافة يهودية
يونتان انجلندر

 

منذ سماع الألحان الاولى بألبوم ربيع ابو خليل الرائع “Blue Camel”، يجد المستمع نفسه في حاله من التنافر المعرفي. حيث يميز صوت الساكسفون الغربي، الأداة التي عزف عليها جون كولترين وتشارلي باركر، ولكنه يلاحظ أيضاً بأن الألحان الصادرة عنه عربية بوضوح. ما هذا الذي أسمعه؟ في هذا اللغز بالتحديد يكمن سر عمل أبو خليل الذي يقوم على مدى مسيرته المهنية الطويلة والمتنوعة ببحث خط التماس بين الشرق والغرب ليغزل منه عالماً جديداً كلياً. اسم الألبوم، “جمل أزرق، هو بمثابة اعلان نوايا واضح يصرح عن طموح للمزج بين مصادر الموسيقى العربية التي كبر عليها ابو خليل وبين عالم الجاز.

ابو خليل، المولود في بيروت التي هرب منها مع اشتعال الحرب الاهلية عام 1978، يتمتع بثقافة موسيقية واسعة تتجلى معالمها المتنوعة على طول الألبوم. فرقته تتحرك بشكل طبيعي بين الموروث العربي وبين مايلز ديفيس، لا تتردد للحظة في دمج الايقاع اللاتيني او في السماح للساكسفون بالصراخ كما في الأعمال التجريبية. الموسيقى التي ينتجها ابو خليل تسخر من التعريفات، تتجاهل المتعصبين للموروث وتخلق من خلال ذلك شيئاً جديداً ومميزاً لم يكن ليتشكل داخل الاطار الضيق للتصنيفات المتحجرة. موسيقى عربية؟ جاز؟ موسيقي لبناني؟ فرنسي؟ الجواب الانسب بأن ذلك لا يشكل فارقاً حقاً، ببساطة استمعوا واستمتعوا.

الموسيقي ربيع ابو خليل

“Blue Camel” هو من الانتاجات التي أصبحت ممكنة بفضل اللقاء بين تقاليد وهويات مختلفة. الانتاج الفني على كافة فروعة مليء بأعمال من هذا النوع، ابتدءاً من سلمان رشدي مروراُ بسينما اكيرا كوروساوا وحتى أعمال الفنان فريد ابو شقرة. الانتاج الفني يتغذى من تفكيك التعريفات لا من تكريسها. احتمالات التفكيك الأكبر تتواجد في اللقاء متعدد الثقافات ففي هذه اللحظة يضطر الانسان إلى معاينة نفسه عن طريق عيون الآخر، لأن يطبق على نفسه توجهات وأفكار غريبة عنه ولأن يقيس الطريقة التي يتقبله فيها الآخر، المختلف عنه، هو وتوجهاته.

ولكن في إسرائيل 2016، يحمل حكم الهويات معتقدات أخرى. الخطاب الثقافي في إسرائيل يحاول تكريس توجه يكون هدف الفن بموجبه ليس تشكيل جسر ثقافي وهوياتي انما جدار، علم وحصن منيع. من هذه الناحية، بالإمكان القول بأن النجاح الكبير للمنشغلين بخطاب الهويات هو ليس بالضرورة بالمجالات الاجتماعية والسياسية، حيث يستمر ابناء الطوائف الشرقية (وأقليات أخرى) بالمعاناة من التمييز، إنما بالمجال الثقافي. في إسرائيل اليوم، لا يوجد شعراء جيدين وغير جيدين، لا يوجد كتاب عميقين وغير عميقين، لا يوجد برامج تلفزيونية مبتكرة وغير مبتكرة، هناك فقط شعراء أشكنازيين وشعراء شرقيين، برامج تلفزيونية شوفينية ومقابلها برامج نسوية وثقافة عربية ومقابلها ثقافة يهودية. هناك نقلة من خطاب نوعي (على كل مساوئه، تشوهاته والسياسة التي ينطوي عليها) الى خطاب هوياتي يتجاهل بشكل تام تقريباً مركب الجودة في العمل. قبل ان نسأل ان كان العمل مثيراً ام مجدداً، نسأل ان كان عنصرياً، نسوياً، اشكنازياً أكثر من اللازم، شرقياً أكثر من اللازم، قومياً أكثر من اللازم او غير قومي بما فيه الكفاية. وفقط بعد ذلك، ان بقي هناك شيء من العمل، يكون بالإمكان الحديث عن مضمونه. هذا خطاب يخلو من الفضول الفكري ولا يتعدى الحماس الايديولوجي. هو أيضاً خطاب خالي من ألمفاجئات: بأحيان قليلة سنفاجئ لسماع رأي رجل الثقافة أ بعمل الفنان ب. بإمكاننا عملياً أن نرسم خارطة الدعم والمعارضة حسب مفتاح هوياتي وجندري بالأغلبية الساحقة من الحالات.

من بين المهندسين المركزيين لهذا التوجه نجد المخرج الوثائقي رون كحليلي. فبما يليق بهذا التوجه، من السهل جداً بأن نخمن موقف كحليلي تجاه هذا العمل او ذك، بغض النظر عن جودته، فقط بحسب هوية منتجه (كحليلي، كما هو معروف، يؤكد على دعمة لشخصيات عامة كونها شرقية فقط حتى اذا خالفت هذه  القانون او تصرفت بطريقة تتعارض مع قيمه). بإمكاننا تقريبا ان نتصور هزة الرأس الرافضة والنظرة الغاضبة التي كان كحليلي سيضعها على وجهه عندما يسمع التأثيرات الغربية التي يقوم أبو خليل بتبنيها. “متشكنز” كان سيقول بحزم كما كان ليقول عن كل من يهمل، بنظره، المعالم الصريحة والفخورة للشرقية ويتجرأ على تبني اساليب اسرائيلية عامة على اعتبار بأن هذه، بحسب معايير كحليلي، أشكنازية بالضرورة. ما ينشغل به كحليلي هو الفرز، التصنيف وتحديد السمات: انتم اشكنازيون وهذه صفاتكم ونحن شرقيون وهذه صفاتنا، والآن فليتقوقع كل واحد داخل قبيلته وينشغل بأموره.

تشخيص كحليلي هو تشخيص دقيق لكنه يأتي مع توصية علاجية عديمة الفائدة: لا سؤال تقريباً حول ملاحظاته بخصوص القمع الذي عانى ويعاني منه أبناء الطوائف الشرقية ولكن الحل الذي يقترحه لهذه الآفة هو تبني القمع وتحويله لأيديولوجية: من يخرج ضد تعريف الناس بناءً على اصولهم الطائفية فقط يسعى الى تقسيم وتصنيف المجتمع الإسرائيلي كله بناءً على الأصول الطائفية. هذه التقسيمة تحول الطائفة الى ما يشبه الحدود المناطقية التي يجب عدم اجتيازها. الشرقي الذي يقرر انتاج “مجرد” مسلسل لا يضع مسألة الهوية بالمركز يخون وظيفته الاجتماعية ويتخلى عن أخوته في النضال. أما الاسوأ من هذا فهو الاشكنازي الذي يتبختر بريش ليس له، بريش الشرق.

كحليلي
“متى نظروا اليك كشرقي؟” الشيف اساف جرنيت يسأل الشيف اوري نفون، مشهد من المسلسل الوثائقي الأخير لرون كحليلي.

في الحلقة الاولى من مسلسل كحليلي الوثائقي الأخير يظهر الشيف المعروف اساف جرنيت (الاشكنازي) والى جانبه اوري نفون (الشرقي) شريكه في مطعم “محنيودا”. جرنيت يتحدث وهو جالس بينما ينشغل نفون بالطبخ. في مرحلة ما من المقابلة يسأل جرنيت ان كان نفون هو من يحضر المعرفة المطبخية والأجواء، لا سيما وأن المطعم يقدم أطعمة شرق اوسطية، بينما يعنى جرنيت بالعلاقات العامة بالأساس. هذا السؤال يلخص التوجه الكحليلي بصيغته الأكثر عبثية، كي لا نقول السخيفة. بحسب كحليلي ورفائيل بلولو (مخرج المسلسل)، الاشكنازي غير قادر على تعلم تحضير الأكل الشرقي بشكل ناجح وبالطبع ليس بشكل “أصيل”.  بناءً على نفس المنطق، بإمكاننا أن ندعي بأن كحليلي وبلولو غير قادرين على انتاج سينما وثائقية جدية لأن هذا الفن تطور في الغرب بينما كلاهما من أصول شرقية (ويجب التوضيح هنا بأن المسلسل جيد ومثير للاهتمام). أما نفون فلديه قدرة بديهية على اتقان الطبخ الشرقي لمجرد كونه شرقي، وكأن معرفته لا تتعلق بالمطاعم التي أختص بها، وعلى الأخص مطعم “L`escargot” اللندني والغربي بدرجة كبيرة. وهذا هو لب الموضوع: كحليلي يرى اشكنازي يركب على ظهر شرقي بينما “محنيودا” هو عملياً ثمرة تعاون. في سجون القبائل التي يتخيلها كحليلي لا وجود ل”محنيودا”.

نحن نحظى برؤية توجه كحليلي وهو يتحقق على أرض الواقع عبر نشاط وزيرة الثقافة ميري ريجف. من الواضح لريجف، كما هو واضح لكحليلي، اين يمر الخط بين الشرقية والاشكنازية، ولهذا فهي تعرف كيف ترسمه أيضاً بالثقافة. ولكن على غرار معظم التقسيمات أيضاً تقسيم الثقافة الغربية مقابل الثقافة الشرقية يتفتت لشظايا. من السهل على الوزيرة ريجف أن تنسب تشيخوف للأشكنازيين كما من السهل على روعي حسن (الشاعر الشرقي الشاب) بأن ينسب لهم الشاعر نتان زخ والكاتب يورام كنيوك. بنفس الطريقة، لا أحد يستأنف على تملك الشرقية للشاعر ايرز بيطون او الكاتب سامي ميخائيل. ولكن ما هو حكم ابن جبيرول الذي كتب في اسبانيا قبل أن يكون هناك أي تقسيم بين اليهودية الشرقية واليهودية الاشكنازية؟ ما هو حكم جاكلين كهانوف التي ولدت في القاهرة وعرفت نفسها ك”مشرقية” وسعت الى التشرب من الغرب والشرق؟ ما حكم بيري سحاروف الذي ولد في تركيا والذي يعتمد التقاليد الموسيقية الغربية ولكنه يدمج الكثير من التأثيرات الأخرى ويستخدم أعمال الترمان وكذلك أعمال ابن جبيرول؟ ما حكم مؤور زغوري عندما يقوم باستخدام شكسبير؟ ما حكم رونيت مطلون التي تنفض عن نفسها التصنيف الشرقي وتكفر بمصطلح “الفن الشرقي”؟ فكرة الفن الشرقي الخالي من التأثيرات الخارجية منقطعة عن الواقع تماماً كالفكرة التي تقول بأن الفن الإسرائيلي اشكنازي لا غير.

موقف ريجف بخصوص “التوزيع العادل” يخرج من نقطة انطلاق صحيحة: فمن غير المعقول بأن تمول الدولة الفن بإسرائيل وبأن يكون لهذا الفن نفس الشكل ونفس اللون على مدى عقود كاملة. لكن الحل لا يكون في تمويل مسارح ومهرجانات شعرية خاصة لكل طائفة ووسط. يصدق أعضاء “عرص بوئتيكا” عندما يبدون الاحتقار تجاه الامسيات الشعرية التي يقوم بها متقاعدين أشكنازيين بقراءة الشعر الذي كتبه متقاعدين اشكنازيين لمتقاعدين اشكنازيين آخرين. ولكن الامسيات الشعرية التي يقرأ فيها أبناء الطوائف الشرقية لأصدقائهم من نفس الطائفة الأشعار الشرقية التي تتعاطى مع هويتهم الشرقية لا يمكن أن تكون وجه الشعر كله.

نحن في أوج ازدهار يجلب الى المركز أصوات اضافية وهامة تتحدى الخطاب القائم، وهذا جيد. لكن من الممنوع بأن تنتهي هذه العملية بخلق منظومتين ثقافيتين منفصلتين ليس لديهن استعداد للالتقاء.

عندما تعبر وزيرة الثقافة عن اشمئزازها واحتقارها للأشكنازيين المتغطرسين الذين يقرؤون تشيخوف فهي تقول لمئات آلاف الفتية والفتيات الشرقيين الذين ينظرون اليها كقدوة بأنه لا حاجة لأن يضيعوا وقتهم على هذا الروسي، وبالإمكان القاء دوستويفسكي، تولستوي ونوفيكوف معه في سلة المهملات. أما زخ، كما هو معروف، فمن الممكن ومن المفضل حرقه. في الساحة الثقافية  “للتوزيع العادل” اذاً يذهب الشرقيون الى المسرح الشرقي ويستمعون الى الاوركسترا الاندلسية بينما يقصد الاشكنازيون معارض يئير جربوز ويستمعون الى الاوركسترا السيمفونية. من السهل تصور أبو خليل ينتقل هو وعوده من مدير فني الى آخر ويرفض مرة تلو الأخرى بتفسيرات على شاكلة “نأسف، حقاً، كنت لأقبلك، وأنت تعزف بشكل جميل جداً بحق، ولكن هذا ليس شرقياً بما فيه الكفاية، أو شرقياً أكثر من اللازم، فتمويلنا، كما تعرف، فئوي”.

هناك حاجة للإصلاح، لا شك في ذلك. الثقافة المهيمنة بدولة اسرائيل على مدى سنوات طويلة جداً قامت بكل ما في وسعها لإسكات الأصوات غير الغربية. نحن في أوج ازدهار يجلب الى المركز أصوات اضافية وهامة تتحدى الخطاب القائم، وهذا جيد. لكن من الممنوع بأن تنتهي هذه العملية بخلق منظومتين ثقافيتين منفصلتين ليس لديهن استعداد للالتقاء. من الجدير بأن يكون الهدف بأن يشارك مئير فيزلطر وروعي حسن بنفس الأمسية الشعرية. من الجدير بأن يكون الهدف بأن يقرأ الطالب بجهاز التربية الإسرائيلي تشيخوف وكذلك محفوظ، بياليك وكذلك بيطون. الفكرة التي ترى بأنه يجب الاختيار من بين هؤلاء، بأن هناك تناقض معين فيما بينهم، هي سخيفة، بائتة وتنم عن عنصرية. من الجدير بأن يكون الهدف بأن يصعد عازف عود الى المنصة ويبدأ بالعزف وبدل الانشغال بالهوية الإثنية للألحان بأن نستمتع بالموسيقى لا غير.

يحمل لقب ثاني بالأدب الانجليزي من جامعة تل أبيب، ويبحث في أدب المهاجرين والأقليات.

المزيد:

“النهضة الثقافية الشرقية والطابور لمكتب الرفاه”، سمدار لافي. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.