حلب- الله لم يعد يسكن هنا!

حلب هي حالة تراجيدية تجسد عجز العالم الراهن على مؤسساته وعلى رأسها مجلس الأمن، ذلك ليس بسبب المؤسسات نفسها والدساتير التي تعمل بموجبها إنما لأن المنظومة الدولية تتواجد بعملية تغير متسارعة ستغير وجه الكثير من المناطق ومنها الشرق الاوسط.
مرزوق الحلبي

 

لم يعد هناك الكثير ليقال عن حلب المدمرة ولكن هناك الكثير لنقوله عن من نفذ هذا التدمير ويتوجب علينا قول ذلك بالصراخ حتى. لمأساة حلب أوجه كثيرة تصل حتى هنا، إلى غرفة عملي، إلي شخصياً كإبن لعائلة يعود أصلها من قبل 220 عام لإحدى القرى الصغيرة من حول هذه المدينة واسمها كفر روم. على خلفية تعدد الأوجه هذا، سأستعرض ما لدي على شكل ملاحظات حول حلب- المدينة والمأساة.

– في حلب يتم الآن، بحسب التقارير الواردة من الميدان، تطهير إثني للأحياء الشرقية تحت غطاء ما يصور ك”لفتة انسانية”. حيث يجري اقتلاع السكان السنيين وإرسالهم الى جهنم بعد أربع سنوات قضوها في الجحيم الذي ولده النظام السفاح، روسيا القيصرية، إيران الشيعية وحوالي الخمسين مليشية المسلحة جيداً من قبل نصر الله والخميني. هذا التطهير نفذ في أماكن كثيرة في سوريا، في القصير، على الحدود اللبنانية، وفي داريا، بالقرب من دمشق وغيرها. والتطهير الإثني، كما هو معروف، لا يمر بدون أعمال ذبح مكشوفة او كتلك التي نكتشفها، على شكل قبور جماعية، بعد عدة أيام أو أسابيع. “الله”، بحسب التقارير، “غير موجود” من ناحية القوات المتحيزة للنظام التي تذبح المعارضين المسلحين والسكان المدنيين لتدب الخوف في النفوس وتجبر الناس على الهروب “طواعية”.

– أصبح من الواضح الآن بأن الأسد تحول لأداة بيد قوى عظمى: إيران التي تبحث عن ممر مباشر للساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط لكي تضمن التواصل الأقليمي للحضور الشيعي في المنطقة السنية (وكجزء من خطة معلنة هدفها السيطرة على مناطق استراتيجية على سواحل البحار بالمنطقة): وروسيا التي تبنت مذهباً همجياً وفتاكاً تجاه دول وشعوب المنطقة! هاتين القوتين، بالإضافة إلى الصين، شكلتا السند الدبلوماسي لكل الفظائع التي شهدناها في سوريا منذ 2011. روسيا وإيران نفذتا بنفسهما جرائم حرب فظيعة ضد الشعب السوري. هذه المنظومة شلت مجلس الأمن كلياً وسمحت بحدوث المذبحة التي تجري في حلب بهذه الايام.

– حلب هي حالة تراجيدية تجسد عجز العالم الراهن على مؤسساته وعلى رأسها مجلس الأمن، ذلك ليس بسبب المؤسسات نفسها والدساتير التي تعمل بموجبها إنما لأن المنظومة الدولية تتواجد بعملية تغير متسارعة ستغير وجه الكثير من المناطق ومنها الشرق الاوسط. من المحتمل بأن تختفي دول، تتفكك، تغير حدودها او أن تظهر دول جديدة في الحيز. سينطوي ذلك بالطبع على موجات من اللاجئين، عمليات تطهير وحروبات. ولا ننسى هنا بأن الولايات المتحدة والغرب يتواجدون هنا فقط بما يناسبهم ويناسب حاجتهم للحفاظ على مصالحهم. أيضاً هذا من المحتمل بأن يتغير. في منظومة تتغير فيها استراتيجيات اللاعبين الكبار، قد لا تكون هناك مصلحة في استمرار وجود مؤسسات تبدو بالية وعديمة الصلة. بكل الاحوال، فالأمم المتحدة قد انكشفت وهي عارية لأنها لم تنجح حتى بإرسال المساعدات الانسانية الاساسية لا لحلب ولا لمدن أخرى. وفي حال حدث ذلك فقد تم عن طريق رجال الأسد وبعد دفع مقابل لا بأس به للقتلة الذين اقترفوا الجرائم وفي نفس الوقت قدموا “آية في الانسانية”.

تحفظي هو بالأساس على القيادة الرسمية المنتخبة للعرب في إسرائيل. اواسط واسعة من التنظيمات السياسية انحازت للأسد، لأعمال الذبح، للتطهير الاثني ولقصف المدن وتدميرها. هناك بالطبع أسباب كثيرة لهذا الموقف ولكنه موقف غير مفهوم خاصة من أناس يعانون من القمع ويحاربون العنصرية والاحتلال.

– تركيا، جارة الأسد من الشمال، أظهرت لياقة دبلوماسية مدهشة بكل ما يتعلق بالحاصل في سوريا. فكل ما قامت به تركيا، من الدول الأقوى بالمنطقة، من بعد التصريحات المهولة والتهديدات بالتدخل، هو أنها تاجرت بالغاز والنفط مع داعش، وهيجت حتى سفك الدماء لمنع أي تطور غير مرغوب به على الجبهة الكردية، مثل اقامة كيان كردي شمالي سوريا يشكل نواة لدولة كردية مستقبلية. وقد قامت تركيا، بنهاية المطاف، بتصفية الأجواء مع الروس حتى أنها تحولت لوسيطة بين المتمردين وبين الجيوش التي تحاصر حلب.

– المملكة السعودية المتورطة حتى رقبتها في اليمن انكشفت هي الأخرى على حقيقتها. تورطها في اليمن، جارتها من الجنوب، كان وقوعاً في الفخ الذي نصبته لها إيران. إلى ذلك فسياستها الخارجية بدت هاوية وعاجزة عن التصرف مقابل روسيا وايران. الدولة التي تدعي تصدر العالم العربي خانت المسألة السنية وعلاقتها مع المتمردين. ومثلها قطر التي قدمت الحيل، الدعاية والمال ولا شيء عدا عن ذلك! طريقة التصرف هذه عبرت عن عجز العالم العربي الذي يغير شكله، حدوده ورعاته.

– فيما يتعلق بإسرائيل فهناك محورين: الاول إسرائيل الرسمية والثاني إسرائيل العربية- إن صح التعبير! إسرائيل الرسمية تصرفت وفق قواعد اللعبة- النظرية العقلانية للعلاقات بين الدول- ولو كنت مكانها لتصرفت بنفس الطريقة: استغلال الوضع في سوريا لإضعاف بعض أعدائي وتعزيز تفوقي التنفيذي والاستراتيجي في الحيز. هي لم تخطأ في هذا حتى أنها حاولت أن تضفي لعلاقتها بجارتها من الشمال بعداً انسانياً من خلال استيعاب مئات المصابين وإرسال المساعدات الانسانية للمناطق القريبة من الحدود. تحفظي هو بالأساس على القيادة الرسمية المنتخبة للعرب في إسرائيل- أي إسرائيل العربية. اواسط واسعة من التنظيمات السياسية انحازت للأسد، لأعمال الذبح، للتطهير الإثني ولقصف المدن وتدميرها. هناك بالطبع أسباب كثيرة لهذا الموقف ولكنه موقف غير مفهوم خاصة من أناس يعانون من القمع ويحاربون العنصرية والاحتلال. هناك من رقصوا على الأسطح، كما في كتاب سيد قشوع، عندما دخلت قوات الشر لأحياء حلب الشرقية او عندما ذبحت قوات حزب الله سكان القصير واقتلعتهم من بيوتهم واقتلعت كرومهم وحقولهم حتى تحول دون عودتهم! هذه الاواسط تعبر باندفاع عن فرحتها بانجازات “معسكر المقاومة العربي برئاسة الجيش السوري العربي”- على حد قولهم! مقابل هؤلاء، حلقات واسعة في إسرائيل اليهودية عبرت عن اشمئزازها الحقيقي من أعمال الذبح التي يقترفها الجزار من دمشق وطالبت بتدخل إسرائيلي لوقف الفظائع. إلى جانبهم كان هناك من ابدوا شماتتهم فها هم العرب، مرة أخرى، يذبحون بعضهم البعض، يذبحون اخوتهم في الدين والقومية! شخصياً، ناديت بمقاطعة كل التنظيمات والقيادات التي أيدت الأسد او لم تتخذ أي موقف واضح يخرج ضد جرائم الحرب اليومية التي يقترفها بحق شعبه. دم السوريين لا يقل عن دم الفلسطينيين وكذلك حقهم في الكرامة الانسانية والحريات التي لا تقل عن حقوق الفلسطينيين هنا وفي كل مكان.

– حلب هي ليست إلا ساغة في قصة سوريا والمنطقة الكبيرة. أعمال الذبح التي تنفذ فيها خلال كتابة هذه الأسطر هي تراجيديا انسانية تعبر عن بعض الصفات البنيوية في طبيعة المجتمع الانساني. أساس هذه الصفات هي القدرة على رؤية هذه الفظائع والسماح لها بالحدوث بكامل “تألقها”! لكي ننظر اليها فيما بعد ونلوم أنفسنا بندم ونستنتج استنتاجات ونكتب كتب ونقيم متاحف لذكرى من ذبحوا! حلب ستشكل، على ما يبدو، شرخ آخر في التاريخ البشري يبشر بأعمال الذبح التي ستأتي غداً، بعد غد او في يوم آخر لا محال.

للأسف، لا أحد يستطيع أن يوقف العجلة فهؤلاء الذين يحركونها أقوياء جداً ولأن الله الذي لم يلتفت إلى مذبحة الأرمن، محرقة اليهود، مذبحة البوسنيين، مذبحة التوتسيين وأعمال الذبح وجرائم الحرب في سوريا لم يعد يسكن هنا!

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.