قانون التسوية: هل تتوجه السلطة الفلسطينية إلى هاج أم تخون أصحاب الأراضي؟

الحكومة الإسرائيلية مستمرة في محاولتها لتمرير قانون تنظيم المستوطنات رغم تحذير المستشار القضائي بأن ذلك قد يوصلها إلى مقاعد محكمة الجنايات الدولية. يبقى السؤال، هل تخيب السلطة الفلسطينية آمال أبناء شعبها مرة أخرى أم تتحمل مسؤوليتها تجاههم وترفع قضية أصحاب الأراضي الفلسطينيين إلى هاج؟ 
جهاد ابو ريا

 

المستشار القضائي للحكومة يهدد أعضاء الحكومة الإسرائيلية أن سن قانون تنظيم المستوطنات قد يوصلهم الى مقاعد محكمة الجنايات الدولية في هاج، وقد كرر ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه وأعضاء اخرون من حكومته الذين أعربوا عن خشيتهم من ملاحقتهم واعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. رغم ذلك، ونتيجة لضغوطات المستوطنين، فإن الحكومة الإسرائيلية مستمرة في محاولاتها لتمرير هذا القانون، ويبقى السؤال ماذا علينا فعله ليأخذ هؤلاء جزاءهم.

عام 1995، يقوم مستوطنون بالاستيلاء بالقوة على اراضي خاصة تتبع ملكيتها إلى مواطنين فلسطينيين من قرى سلواد، الطيبة وعين يبرود، ويشرعون بإقامة مستوطنة جديدة فوقها يسمونها “عمونا “. أصحاب الاراضي يتوجهون إلى سلطات الاحتلال، التي تعترف بصحية ملكيتهم الخاصة لهذه الاراضي، ويطلبون تدخلها لإخلاء المستوطنين من اراضيهم الخاصة. هذه السلطات تبدأ بلعب لعبة مزدوجة: من جهة، تصدر أوامر اخلاء بحق المستوطنين، ومن جهة أخرى، تحول لهم الميزانيات للاستمرار في بناء المستوطنة.

المستوطنون يمارسون كل أنواع الألاعيب والخداع لمنع اعادة الاراضي إلى اصحابها، من ضمنها محاولات لتزوير عقود بيع أو لإغراء اصحاب الاراضي، وينجحون في عمليات المماطلة. عام 2008، يتوجه اصحاب الاراضي إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، وبعد تأجيلات مستمرة تصدر المحكمة قرارها في ديسمبر 2014، الذي يلزم سلطات الاحتلال بإخلاء المستوطنين من اراضي الفلسطينيين حتى موعد أقصاه 25/12/2016. خلال هذه الفترة كلها تحاول سلطات الاحتلال استنفاذ كل الطرق لضمان عدم اخلاء المستوطنين المعتدين إلا ان اصحاب الاراضي الفلسطينيين بقوا مصرين على موقفهم وحقهم بالعودة إلى اراضيهم وعدم تأجيل عملية الاخلاء.

الحكومة الإسرائيلية تقرر عدم احترام قرار المحكمة بإخلاء المعتدين، وتبدأ بالتشاور والبحث عن صيغ قانونية تشرعن عملية سلب ونهب أراضي الفلسطينيين الخاصة. قبل عدة أسابيع تقر الكنيست بالقراءة التمهيدية مشروع قانون يضمن عملية سلب وسرقة الاراضي الخاصة للفلسطينيين وتحويلها إلى المستوطنين اليهود. تمرير مثل هذا القانون فيه تحقير صارخ لمحكمة العدل العليا وقراراتها، وإشارة واضحة أن سلطة القانون غير سارية المفعول عندما يتعلق الامر بحقوق الفلسطينيين. لكن الاهم من ذلك هو أن هذا القانون مناقض للقانون الدولي ويمكن ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عنه في محكمة الجنايات الدولية.

التوجه إلى محكمة الجنائيات الدولية هي مسؤولية كبيرة جداً، ولا يمكن تحميلها على ظهور اصحاب الاراضي بل هي مسؤولية تقع على السلطة الوطنية الفلسطينية. امتناع هذه عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية ستكون بمثابة خيانة لأصحاب الارضي وطعنهم بالسكين في ظهورهم.

بحسب القانون الدولي لا يمكن مصادرة اراضي سكان الاراضي المحتلة إلا من اجل اهداف عسكرية أو من اجل المصلحة العامة لسكان الاراضي المحتلة. مما يعني بأن مصادرة حقوق السكان الفلسطينيين من أجل توطين سكان دولة الاحتلال يناقض القانون الدولي بشكل صارخ، وعلى اية حال فإن صلاحية سن القوانين في المناطق المحتلة، بحسب القانون الدولي، تعود للقائد العسكري الذي يتوجب عليه سن القوانين لمصلحة سكان الاراضي المحتلة وليس لمصلحة سكان دولة الاحتلال، وليست هناك اية صلاحية لبرلمان دولة الاحتلال لسن قوانين تخص اراضي المناطق المحتلة وإلا سيعتبر ذلك كعملية ضم لهذه الاراضي لدولة الاحتلال.

جميع المسؤولين الإسرائيليين يعرفون أن ما يقومون به مناقض للقانون الدولي، لذلك فهم يحاولون اتباع سبل الخداع والمراوغة للتحايل على هذا القانون، فتارةً يفحصون امكانية الاعلان عن المستوطنين كسكان اصليين في المناطق المحتلة، وبالتالي يمكن مصادرة اراضي خاصة لمصلحتهم، لكنهم يتراجعون بعد ان يدركون تبعات مثل هذا الاعلان، من ثم يحاولون التعلق بالادعاء ان هذه مناطق “محررة ” وليست محتلة ولذلك فإنها لا تخضع للقانون الدولي. بحسب القانون الدولي فان القانون الذي يحكم الضفة المحتلة هو القانون الاردني الذي كان يسري عليها قبيل الاحتلال لذلك فقد وجهت سلطات الاحتلال مستشاريها القانونيين إلى القوانين والأنظمة الاردنية لعلهم يجدون بها مخرجاً من هذا المأزق.

مشروع القانون الذي مر بالقراءة التمهيدية هو مثال واضح على اساليب الاحتيال والنصب التي تستعملها دولة الاحتلال. مشروع القانون لا يصادر ملكية الاراضي من اصحابها بل يصادر منهم امكانية استعمالها ويهديها إلى المستوطنين اليهود. بحسب اقتراح القانون تبقى الاراضي مسجلة على اسماء اصحابها لكنهم يمنعوا من استعمالها او حتى من الوصول اليها. حتى اليوم نجحت إسرائيل بسلب الاملاك العامة وأقامت عليها بيوت لليهود فقط بشكل مناقض للقانون الدولي دون ان تلقى اية ملاحقة، ولعل ذلك ما يشجعها على تمرير هذا القانون الذي يعني شرعنة وقوننة عمليات سلب ونهب الاراضي الخاصة في مئات المواقع.

المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، الذي لا يعتبر من المناصرين لحقوق الانسان والمحسوب على المعسكر اليميني المتطرف، يعي أن جميع الاقتراحات التي بحثت، ومن ضمنها مشروع القانون الذي تم تمريره بالقراءة التمهيدية، مناقض ومخالف للقانون الدولي، ويدرك بأن ذلك قد يؤدي إلى إرساله إلى مقاعد الاتهام في محكمة الجنايات الدولية، لذا فهو يحاول بتصريحاته ضد مشروع القانون انقاذ نفسه.

أصحاب الاراضي الفلسطينيون من قرى سلواد والطيبة ويبرود دافعوا عن اراضيهم لأكثر من عشرين عاماً ولاحقوا المستوطنين المتورطين في عمليات السلب والنهب، ولم تردعهم عن ذلك الاغراءات أو التهديدات التي تعرضوا لها، لا بل أبدوا اصراراً يثير الاعجاب حتى أن الوقت الطويل الذي مضى لم يحبط عزائمهم بل، على عكس توقعات المستوطنين، زادهم ذلك ثباتاً وإصراراً.

التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية هي مسؤولية كبيرة جداً، ولا يمكن تحميلها على ظهور اصحاب الاراضي بل هي مسؤولية تقع على السلطة الوطنية الفلسطينية. امتناع هذه عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية ستكون بمثابة خيانة لأصحاب الارضي وطعنهم بالسكين في ظهورهم. لطالما خيبت السلطة الفلسطينية آمال ابناء شعبها، لعلها هذه المرة تكون سنداً لهم وتبادر بتحضير الملفات اللازمة والتوجه بشكوى إلى محكمة الجنائيات الدولية ضد كل المتورطين.

محامي وناشط، مؤسس مجموعة “فلسطينيات”.

*نشر المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية على موقع “Middle East Eye” بتاريخ 5.12.2016.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.