القمع لم يبدأ ولن ينتهي بالطالبة العربية من "بتسلئيل"

كل شخص يأتي من خلفية قمع، حتى اذا كان ذلك في دفيئة مثل “بتسلئيل”، يعرف بأن القمع لم يبدأ ولن ينتهي بطالبة عربية يتظاهر الجميع بالاكتراث بسلامتها النفسية بينما يسعون إلى تسويق تقرير آخر للحصول على نسبة مشاهدة عالية. هذا القمع هو الروتين.
عمر عبد القادر

 

أسبوع صعب مر على أكاديمية الفنون والتصميم “بتسلئيل”. فقد بدأ هذا بتقرير للقناة العاشرة يوثق من خلال كاميرا خفية محاضر اتهم من قبل طالبة بالتحرش الجنسي، واستمر بعناوين مهيجة حول ملصق علق بغرفة الدرج في الاكاديمية يظهر فيه حبل مشنقة من أمام وجه بنيامين نتنياهو بينما كتب في أسفله “Rope” (في اعادة صياغة لملصق الانتخابات الشهير لبراك اوباما).

ولأبدأ باعتراف مربك بعض الشيء. عندما مررت من امام الملصق للمرة الاولى، قبل العاصفة الإعلامية، دهشت وتساءلت عن الثقة العالية بالنفس لدى هذا الطالب التل أبيبي المتوسط الذي سمح لنفسه بتعليق مثل هذه الصورة. تخيلته وهو يعلق الملصقات بلا مبالاة، لا يعنيه من يراها وربما من الأفضل حتى بأن يروها فقد يحصل هكذا على خبر وصورة مهنية في جريدة “هآرتس”، وعلى فرصة لاستعراض ما يؤمن به كفنان- لتفتح أمامه أبواب المشهد الفني التل أبيبي. لم يخطر ببالي للحظة بأن من قام بتعليق الملصقات هي طالبة عربية بالسنة الاولى لدراستها والتي قامت بمجرد تمرين اساسي على “الفوتوشوب”، ولم تحلم بأنها ستجعل جهاز الأمن برمته يثب على رجليه بسبب عشرة اوراق A4 في غرفة الدرج.

بتسلئيل
احتجاج في “بتسلئيل”، 15.12.2016

ميري ريجف، وزيرة شيء ما في إسرائيل، ثارت عبر “الفيسبوك” منادية بقطع السيولة عن الأكاديمية، ولاكت كلمة “تحريض” على الطريق مرة أخرى (أو مرتين): كان هناك طلاب خرجوا ضد الملصق بالأساس بسبب الغيرة من التغطية الاعلامية التي حصل عليها: أما الاكاديمية فقد أصدرت تعقيب رسمي آخر يلعب على كل الحبال السياسية. في البداية دافع رئيس الاكاديمية عدي شطرن عن العمل ولكنه اقدم بخطوة استثنائية على ابداء نقده على أعمال طالبة سنة أولى مدعياً بأن “العمل، من ناحية اعلامية، غير جيد على ما يبدو”. ولنضع جانباً بأننا لا نعرف حتى اللحظة اية رسالة ارادت الطالبة تمريرها، من ناحية اعلامية عندما يتصدر عمل اكبر سبعة مواقع اعلامية بالدولة لمدة ثلاثة أيام ويتحدى خطاب الفن الإسرائيلي- فهو، بأقل تقدير، عمل جيد.

هذه ليست المرة الاولى التي تعتقل فيها طالبة عربية من “بتسلئيل” على خلفية سياسية. في العام الماضي اعتقلت في حرم الأكاديمية روان ابو غوش، طالبة في كلية تصميم الأزياء، بهدف الضغط على زوجها المعتقل، وهو مراسل صحفي بمهنته. أيضاً حينها حاولت الأكاديمية ارضاء كافة الأطراف وبدأت بمناقشة الدستور بدل مناقشة الجانب القيمي. في هذه المرة، فهمت الشرطة بسرعة بأنه ليس هناك ما تقوم به مع هذه الطالبة فأطلقت سراحها في نفس المساء الذي أخذت فيه للتحقيق ولو انها زودت الاعلام بعنوان غريب على لسانها بصيغة “بيبي يخنق الأمل بالسلام”.

في اليوم الرابع من تعليق العمل أعلنت رابطة الطلاب في “بتسلئيل” عن اضراب شمل مظاهرة وعرض صوتي في مركز الحرم حيث طبل وصرخ مئات الطلاب والمحاضرين لمدة ساعة كل ما يمكن قوله ضد قمع حرية التعبير. صحيح، كانت هذه تجربة: تحدثنا قليلاً عن حرية التعبير، التقطتنا عدسات الإعلام الإسرائيلي الجائعة وأوقفنا التعليم في الاكاديمية لمدة ساعتين (في كلية “شنكار”، على فكرة، قاموا بإغلاق مفترق عليت في رمات غان على خلفية ما حدث في “بتسلئيل”). ولكن  بينما حاول أعضاء الطاقم التدريسي “تهدئة الأرواح” وثرثر الفنانون عن التضامن قبل “العودة الى الروتين”، لم أصدق بأن هذا كله سيجلب أي تغيير حقيقي. فكل شخص يأتي من خلفية قمع، حتى اذا كان ذلك في دفيئة مثل “بتسلئيل”، يعرف بأن القمع لم يبدأ ولن ينتهي بطالبة عربية يتظاهر الجميع بالاكتراث بسلامتها النفسية بينما يسعون إلى تسويق تقرير آخر للحصول على نسبة مشاهدة عالية. هذا القمع هو الروتين.

ציוץ-סמוטריץ
عضو الكنيست اليميني بتساليل سموطريتش يتسائل في مشاركة: “هل هذا حقيقي؟ اعتقلوا الفنانة عديمة الذوق من “بتسلئيل”؟ على أي أساس بالضبط؟ تحقيق وفهمنا (ولو انه غير ضروري) أما اعتقال؟! ديمقراطية؟! أضعتم الطريق!!

في المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية عامةً، وكذلك في “بتسلئيل”، هناك خوف من مواجهة المواضيع السياسية الراهنة ومناقشتها بشكل حقيقي. في معظم الحالات، عندما يطرح موضوع سياسي، يفضل مؤيدو المؤسسة، ان كانوا اعضاء طاقم أم طلاب، وضع حد له من خلال القاء المسؤولية على من يتحدى الأعراف طالبين منه بأن يعمل لا أن يتحدث على افتراض بأن عمل من هذا النوع او ذك لن يكون قوياً لدرجة أن يزعزع المؤسسة المحبوبة. أما الآن فهذا ما حدث، من يتحدى قام بما اراد القيام به أما المؤسسة فتزعزعت.

ما تبقى لنا، نحن الذين نشمئز من الميزة الاسرائيلية التي تعتبر بقية الايام “روتين” بأن نشكر الطالبة التي علقت الملصقات لأنها جعلت دولة كاملة تخصص دقيقة لفكرة عابرة للحدود، وأن نتمنى بأن يكون عملها الصدع الاول في الجدار الذي يجب أن يسقط. أما أنا شخصياً فأشكرها أيضاً لأنها جعلتني أوافق للمرة الاولى، والأخيرة على الأغلب، على شيء مما يقوله عضو الكنيست بتساليل سموطرتش!.

ناشط سياسي، طالب في أكاديمية الفنون  والتصميم “بتسلئيل”. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.