السيرك السنوي لقانون الميزانية وقانون التسويات

ادارج اسرائيل في رأس سلم الفقر وعدم المساواة مقارنة بدول ال- OECD لم يمنع الكنيست هذا الاسبوع من تقليص 1.2 مليار شيكل للخدمات الاجتماعية، ذلك لأن القرار حول الميزانية في اسرائيل يتلخص بتوزيع الغنائم على أحزاب الائتلاف وليس بنقاش ديمقراطي حول سلم الاولويات الاجتماعي والاقتصادي
يوسي دهان

 

بالإمكان وصف ظاهرة أعضاء وعضوات الكنيست النعسانين الذين يصوتون في منتصف الليل بلجنة المالية على بنود قانون وضعت أمامهم فقط قبل وقت قصير بأوصاف عدة: المؤكد بأن وصف الديمقراطية ليس واحداً من هذه. ما حصل هذا الأسبوع في لجنة المالية في النقاش على قانون فرض الضرائب على ملك شقة سكنية ثالثة ليس استثناءاً متطرفاً لمى يحصل مع قانون التسويات في كل عام. اهلاً وسهلاً بكم في السيرك السنوي الذي يسمى “نقاشات على قانون الميزانية وقانون التسويات”.

خلال النقاش على فرض الضريبة على ملك شقة ثالثة، مثلاً، لم يتسنى لأعضاء الكنيست معاينة بنود القانون بجدية، مع ذلك فقد قرر رئيس لجنة المالية، عضو الكنيست موشيه جفني، مواصلة النقاش والمصادقة على القانون خلافاً لرأي المستشار القضائي للكنيست الذي أقر بأن الاجراء غير سليم.

بمساعدة أموال الجباية الفائضة التي جمعتها الدولة هذه السنة، والتي ستصل قيمتها إلى 6 مليار شيكل، كان بإمكان رئيس الحكومة ووزير المالية ان يمولوا الرشاوى التي يقومون بتوزيعها على شركائهم في الائتلاف وكذلك أن يوسعوا الخدمات الاجتماعية وشبكة الأمان الاجتماعية.

قانون التسويات شرع عام 1985 كنظام طوارئ حيث كان من المفترض بأن يكون استثناءاً لمرة واحدة فقط، ولكن كما هو متبع هنا، فقد تحول استخدامه لروتين. الحديث عن قانون يمكن الحكومة وموظفي المالية من الغاء، تغيير وتأجيل قوانين قائمة وكذلك من ادخال قوانين جديدة بعملية تشريع سريعة تخلو من الشفافية والنقاش الديمقراطي اللائق. المستشارة القضائية السابقة للكنيست، نوريت الشطاين، أقرت بأن “الحكومة تستخدم القانون بشكل مناور كمكبس مركزي وتعسفي تقريباً يشل عمل الكنيست”. قضاة محكمة العدل العليا عبروا هم الآخرين عن استيائهم من قانون التسويات وشككوا في قانونيته. فنظراً لارفاق قانون التسويات بقانون الميزانية، عدم المصادقة عليه من طرف الكنيست يعني عملياً اسقاط الحكومة.

أعضاء الكنيست من الائتلاف يعون جيداً بأن التصويت ضد القانون قد يقودهم إلى خارج الكنيست. لهذا تبدو النقاشات حول الميزانية أشبه بطقوس سنوية ثابتة تتناوش فيها احزاب الائتلاف على توزيع الغنائم أكثر من كونها نقاشاً برلمانياً ديمقراطياً وعقلانياً على سلم الاولويات الاجتماعي والاقتصادي لدولة إسرائيل.

توزيع الغنائم يتجسد أيضاً في قرار الحكومة من بداية الاسبوع تقليص 1.2 مليار شيكل بالسنة من قاعدة الميزانية لوزارات الحكومة. هذا التقليص يشمل، من بين أمور أخرى، تقليص ميزانيات الخدمات الاجتماعية- السكن، الرفاه، الصحة والتربية. في المقابل، سيتم تحويل مبلغ يضاهي ربع المبلغ الذي سيتم تقليصه كإضافة لجهاز التربية الرسمي-الديني والأرثوذكسي. مع العلم بأن الطالب في ثانوية رسمية-دينية يحصل، من قبل هذه الاضافة، على ميزانيات أكبر ب- 16% مما يحصل عليه الطالب في مدرسة ثانوية رسمية عادية، وأكبر ب- 36% مما يحصل عليه طالب ثانوية في مدرسة عربية.

هنا لا بد من التذكير بأنه في هذا الشهر نشرت نتائج امتحانين دوليين- “تيمس” و”بيزا”- أظهرت بأن فجوات التحصيل بين الطللاب الأقوياء والضعفاء في اسرائيل هي الأكبر من بين دول ال- OECD. كما نشر تقرير الفقر الذي يظهر بأن اسرائيل تستمر في تصدر سلم الفقر وعدم المساواة مقارنة بدول الOECD. شهر ممتاز من ناحية الحكومة حتى تقرر بأن هذه فرصة جيدة لتقليص خدمات الرفاه ولتمد بالأموال شعبة الاستيطان التي تهتم بالأساس بجمهور ناخبي “البيت اليهودي”.

لا يوجد أي تبرير موضوعي لقرار الحكومة هذا الاسبوع لإجراء تقليص- وهو القرار الذي يضيق بالأساس على حياة عائلات من الطبقات الوسطى والدنيا. هذا تقليص ببساطة غير ضروري. بمساعدة أموال الجباية الفائضة التي جمعتها الدولة هذه السنة، والتي ستصل قيمتها إلى 6 مليار شيكل، كان بإمكان رئيس الحكومة ووزير المالية ان يمولوا الرشاوى التي يقومون بتوزيعها على شركائهم في الائتلاف وكذلك أن يوسعوا الخدمات الاجتماعية وشبكة الأمان الاجتماعية. كان بإمكان الحكومة أن تقلص مستويات عدم المساواة والفقر، وأن تمرر ميزانية تسعى الى توسيع النمو الاقتصادي والعدل الاجتماعي في نفس الوقت. لكن قراراً من هذا النوع يعتبر خروجاً عن الايديولوجية الاقتصادية والاجتماعية التي تحملها الحكومة منذ سنوات- ايديولوجية لفرض سياسة التقشف التي تجسدت في تقليص 150 مليار شيكل من نفقات الحكومة بالعقد الأخير. للأسف الشديد، بالواقع السياسي الحالي، كما ينعكس من نقاشات الميزانية في هذه الأيام، لا يوجد احتمال لتغيير هذه السياسة. فلننتظر لتقرير الفقر القادم.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.