بيت نتيف: "الأشجار غرست لتتستر على ظلم فظيع"

كيف كان القس باستيان يان آدر، الذي أنقذ عدداً كبيراً من اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، سيشعر إزاء رؤية اسمه مربوطًا بغابة غرستها الكيرت كييمت على أراضي القرية الفلسطينية المهجرة بيت نتيف. مقتطفات من الكتيب الصادر حديثاً عن منظمة “زوخروت-ذاكرات” والذي يروي قصة القرية من قبل النكبة. 
زوخروت - ذاكرات

مقدمة

غرست الكيرن كييمت (الصندوق القومي اليهودي) على أرض بيت نتيف غابة على اسم القسّ الموقر باستيان يان آدر الذي أنقذ عددًا كبيرًا من اليهود خلال الحرب العالمية الثانية في هولندا. في 21-22 تشرين الثاني 1944 تم إعدامه من قبل النظام النازي بسبب نشاطه ذاك. لم يعلم الكاهن، منقذ مئات اليهود من النازية، ولم تعلم عائلته أن الكيرن كييمت سوف تخلد ذكراه بواسطة غرس أشجار على أراضي لاجئين فلسطينيين احتلت دولة إسرائيل قريتهم وأرغمتهم على النزوح في 22 تشرين الأول 1948، ثم منعت عودتهم، هدمت منازلهم، استولت على أراضيهم وأقامت عليها بلدانُا ومواقع للإسرائيليين مثل كيبوتس هلامد هِ، موشاف أفيعيزر، نفيه ميخائل، رمات بيت شيمش، حديقة وطنيّة وغيرها، وما زالت تعارض عودة السكان الفلسطينيين.

في تشرين الثاني 2016، تمّ تهشيم حجر التخليد واللافتة التي تحمل اسم القسّ باستيان يان آدر في الغابة في بيت نتيف. كما يبدو، فإن ذلك حدث مباشرة بعد إصدار الدعوة، من قبل زوخروت والسيد إريك آدر- نجل القسّ ودبلوماسي هولندي سابق، إلى نشاط في بيت نتيف يشمل جولة بين أنقاض القرية المدمّرة وطقس اعتذار واحتجاج ضد الكيرن كييمت التي استغلت اسم القسّ في مشروع أنشئ على حساب اللاجئين الفلسطينيين. إن تهشيم الحجر، من قبل مجهولين حتى اللحظة، بكونه عملًا عنيفًا وانتقاميًّا هو جزء من ذات القضيّة ونفس السلوك العنيف المتبع منذ بداية النكبة وحتى يومنا هذا. قمع الحقيقة، كمّ الأفواه، إخفاء الشهادات وملاحقة من يسعى إلى إنشاء حياة ممكنة ومتساوية لكل المواطنين والسكان في هذا الحيّز، حياة لا تستند على التهجير والاستعلاء والعدوان.

بيت نتيف الحرش
اللافتة وحجر الذكرى المهشمة على أرض بيت نتيف قرب مدخل كيبوتس هلامد ه.

صدر هذا الكتيّب بمناسبة الفعالية في بيت نتيف، وسينضم إلى سلسلة طويلة من الكتيبات والفعاليات التي تنظمها زوخروت- ذاكرات في المدن والقرى الفلسطينية المدمّرة بهدف توعية الإسرائيليّين بتفاصيل النكبة الفلسطينية، والمناداة بتحمّل الطرف الإسرائيلي المسؤولية عن دوره في تسبيب النكبة، والإدراك بأن الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين هو أساس لأيّ عملية عدالة وسلام في البلاد ولمستقبل بني البشر فيها.

يشمل الكتيب شهادات لاجئين فلسطينيين يعيشون اليوم في مخيم عايدة للاجئين وفي مدينة بيت جالا، وقصة الكاهن باستيان يان آدر، ومعلومات عن القرية الفلسطينية بيت نتيف، وصورًا من أرض القرية المهجرة، وخرائط بريطانية وفلسطينية تحمل اسم بيت نتيف خلافًا للخرائط الإسرائيليّة.

احتلال القرية

احتلت الكتيبة الرابعة، التابعة للواء هرئِل، بيت نتيف في أثناء عملية “ههار” أي الجبل. يشير تقرير للبلماح إلى أن “السكان فروا للنجاة بحياتهم” عندما كانت القوات الإسرائيلية تتقدم. وتفيد رواية “الهچناه” أن بيت نتيف احتلت “بعد مقاومة خفيفة”. وتذكر الرواية يوم 22 تشرين الأول/أكتوبر 1948 تاريخاً لاحتلال القرية، بينما يذكر تقرير البلماح اليوم السابق له تاريخاً للهجوم. وقد جاء في “تاريخ حرب الاستقلال” أنه “عُثر في بيت نتيف على صُرر السكان الذين كانوا ينوون – كما يبدو- ترك القرية، لكن لم يتح لهم الوقت لأخذ أمتعتهم معهم”.
كان موقع القرية استراتيجياً؛ وهذا ما سمح للقوات الإسرائيلية، بعد احتلالها، بقطع طريق بيت لحم-عجّور- بيت جبرين، “شريان المواصلات المهم بالنسبة إلى نظام القوات المصرية في هذا القطاع”. وقد تواصلت الغارات الإسرائيلية في منطقة بيت نتيف خلال الأشهر الفاصلة بين احتلالها وتوقيع معاهدة الهدنة في نيسان/أبريل 1949. ويذهب المؤرخ الإسرائيلي بِني موريس إلى أن الهدف كان طرد اللاجئين الذين قدموا إليها من القرى المجاورة، والذي ضربوا خيامهم في المنطقة الواقعة إلى الجنوب من بيت نتيف.
يعرّف “تاريخ الهاغاناه” بيت نتيف بأنها “قرية الذين قتلوا الـ35″؛ إشارة إلى طابور من البلماح مؤلف من 35 جندياً، قتلوا جميعهم خلال معركة مع مقاتلين فلسطينيين من المنطقة في كانون الثاني/يناير 1948 وهم في طريقهم عبر الجبال إلى مستعمرات عصيون لإمدادهم بالعتاد والسلاح ومساندتهم في القتال. وقد تركت هذه المعركة أثرًا كبيرًا لدى الإسرائيليين وتطورت حولها أساطير وقصص وكتبت قصائد عن أعمال بطولية وصمود فئة قليلة أمام مئات العرب وعدم الاستسلام وعدم الانسحاب. ومن جهة أخرى، أثارت الحادثة جدلًا بين الإسرائيليين حول سوء التخطيط واتخاذ قرارات خاطئة. حين وقوعها كانت هذه المعركة حلقة واحدة من عدة معارك ومواجهات لها علاقة بمستعمرات عتصيون في منطقة بيت لحم.

سقطت بيت نتيف بعد انسحاب الجنود المصريين والأردنيين من المنطقة. مما سهّل على الإسرائيليين مهاجمة القرية. وقد حاولت بعض العائلات العودة إلى بيت نتيف – بعد مكوث عدة أسابيع على ظهر الحجة، إحدى التلال المواجهة للقرية- إلا أن الجنود الأردنيين طردوهم من المنطقة باتجاه بيت لحم، والجنود الإسرائيليين كانوا يغتالون “المتسللين” باتجاه القرية.

يسكن لاجئو بيت نتيف اليوم في عدة تجمعات في الضفة الغربية والأردن، كمخيم الدهيشة ومخيم عايدة قرب بيت لحم، ومخيم البقعة ومخيم حطين ومخيم مادبا في الأردن، كما يسكن بعضهم في مدن في الضفة كبيت جالا وبيت لحم، وفي عمان ومادبا والزرقاء في الأردن.

شهادة عبد المجيد أبو سرور (مواليد بيت نتيف عام 1933، ويسكن حالياً في مخيم عايدة)

أنا عبد المجيد حماد إبراهيم أبو سرور. كنت كبير لما طلعنا من البلد. الانجليز كانوا مسؤولين عن فلسطين. كان استاذ واحد بالبلد اسمه رشاد. أهلنا ما كانوا يبعثونا ع المدارس. أنا ما تعلمت بالمدرسة. كانوا الاولاد يتعلموا لكن أنا ما تعلمت. وبنات البلد ما كانوا يروحوا ع المدرسة. هذا كان عيب. كان معلم واحد. اسمه رشاد. كانت المدرسة ع طرف البلد. لما تطلع من القمر الصناعي أول شي تلاقيك هي، ع إيدك الشمال. كانت بناية كويسة مبنية من حجر. القمر الصناعي ما كان قبل الـ 48.

جيراننا كانوا من الشرق علار، وادي فوكين، هاي موجودة بالضفة، الجبعة، صوريف، عجور، زكريا، بيت جمال، الدير ظل الرهبان الطليان فيه، رافات، صرعة، عرتوف وكان فيها يهود، واحد اسمه قاقون ودكتورة تحكّم، كان ييجوها من جبل الخليل تدقهم ابرة ويرجعوا مشي، وبعدين من شامة دير أبان وجراش وبيت عطاب. اليهود الوحيدين بالمنطقة كانوا في عرتوف، كانت سكة حديد ومركز للانجليز، مختارهم اسمه قاقون. ودكتورة مش متذكر اسمها، يمكن مريم، أنا رحت تحكمت عندها، كنا نشرب ميّ ملوثة بالأرض، كانت مي راكدة يطلع فيها طحالب وتعمل مرض ملاريا، أخذوني عندها وضربتني ابرة ورجعت كأني ما في إشي. وكان كمان واحد في بيت جمال ولكن هي أشطر منه. كانت العلاقات مع عرتوف اليهودية علاقة ممتازة. كانوا يشتروا من عندنا جاج وبيض. وكنّا نبعث بضاعة لسوق محنيه يهوده بالقدس. لكن هم كانوا يخططوا لدولة. الحركة الصهيوينة كانت تجيب يهود حتى يشوفوا فلسطين. زعامة الفلسطينية الحسيني والنشاشسيبي كانوا يعرفوا وعد بلفور يعني وطن قومي لليهود.

بيت نتيف
بلغ عدد سكان القرية عام 1948 نحو 2500 نسمة، وكانت موقعاً أثرياً يشتمل على كهوف وصهاريج وأرضيات من الفسيفساء وآثار طريق روماني.

احنا ستة اخوة. أمي أصلها من يازور. كل أخوتي ولدنا ببيت نتيف. 3 قتلوهم اليهود. اثنين بالبلد بالـ 48. كان يروحوا مع الثوار. بس ما كان معهم كفاية سلاح. كان الواحد يبيع غنم حتى يشتري سلاح. واحد ثالث انقتل بلبنان. أخوي كان معاه برن اخذه من المصاروة. أنا كنت بالبلد، أخوي استشهد.  أبوي كان فلاح. نزرع ونعمل جبن. ما كنا نحتاج نشتري أي شي للأكل. موقع بيتنا كان بوسط البلد وين كانت السيارات توقف. بعدين بعناها وبنينا دار بالبر، يعني خارج مركز البلد. الأرض كانت وساع والناس صارت تبني برّة. كانت البلد قسمين الكفرية بالبلد فوق، والجمارنة تحت، عند الشيخ ابراهيم. مقام أثري وفيه درج. لكل عيلة كانت ساحة يتجمعوا فيها زلام العيلة. من الجمارنة كانت عائلات أبو سرور وخميّس والنجول والمشايخ وغيرهم. الكفرية كان منهم أبو شعيرة أبو راشد منصور وغيرهم. بالساحة كان الختيارية يقعدوا ويعملوا قهوة ويتحدثوا. كان بالبلد جامع الأربعين وكانوا يغسلوا الأموات فيه والمقبرة قريبة منه في منطقة أم رمان. وكان فيها بير الطويل، بير عميق. جامع الأربعين كانوا يروحوا عليه الدراويش. وكانوا يصلوا بالساحات. كل عيلة تعمل صلاة بساحتها.

حوالي البلد مليان عدود [آبار ارتوازية]. كل الميّ تنزل من الجبال علينا. بير الكُرّامة، عين  الكذابة، بير الزاغ، بير الصفصاف، بيارة خميّس وغيرها.  كنا نزرع قمح وشعير وبندورة وفقوس. كان شجر زيتون كثير. وكان شجر فواكه داخل البلد. وكان حلال كثير بالبلد. كل الحلال يشرب من هذول العدود. كان واد بيجي من الجبال بمر عند القمر الصناعي بكمل على عجور وزكريا حتى الرملة اسمه وادي السمط.  والسهل اسمه وادي السمط. كنا نزرعه قمح وشعير وفول وعدس. أما الخضرة فكنا نزرعها عند الدار في البلد. وكان عند كل دار بير ميّ، هاذ لاستعمال البيت.

مدينتنا هي الخليل. وكنا نروح على سوق بيت جبرين نبيع الحلال (الغنم) وبعدها صار سوق أقرب  علينا في عجور وقبل ما نتهجر بكم سنة صار عندنا سوق بالبلد. وكان بالبلد تراكتورات. بالأول كنا نحرث على جاموسين، أنا كنت أشتغل بالبلد بالفلاحة، ولكن مع التراكتورات صار الشغل أسهل. يمكن كان اثنين بالبلد. كان طه أبو شربي كان عنده شاحنة. وبعدين صار باصات على خط القدس لكل منطقة العرقوب، هذه منطقة قرى القدس-بيت لحم من هذه الجهة اسمها العرقوب. والقطار كان قريب كنت تسافر لتل أبيب ويافا والرملة بالقطار، اللي اليوم اليهود سموها محطة بيت شيمش كنا نسميها محطة عرتوف. أنا سافرت من هناك قبل الـ 48 للرملة واللد. وبالباص كنت أروح ع القدس.

كان واحد اسمه يوسف أبو خميّس، هو كان مختار. ما كان يعرف يقرأ ويكتب ولكنه كان نابغة ومتكلم وكريم. هو اللي بتواصل مع الانجليز واليهود. لما كان ييجينا مكتوب للبلد كان يطلب من واحد يقرأ المكتوب. عادة المكتوب ييجي بلاغ من الحكومة لشخص من البلد مطلوب لمقابلة في مركز بيت جبرين. هناك كانت شرطة ومحكمة. كان بالبلد مختارين اثنين واحد من الكفرية عبد ربه أبو شعيرة، وواحد من الجمارنة هو يوسف خميّس. مرض بآخر فترة. مسكين.

بذكر أخوي الكبير اللي استشهد ببيت نتيف كان متجوز بس شهر. يمكن هو كان آخر واحد تجوز بالبلد. ما بنعرف وين انقتل وشو صار فيه. هجموا على مستعمرة وما رجعوش.

المقبرة من البلد وشامة. في الواد. فيها قبور فردية وفيها فستقيات. يمكن آخر واحد مات بالبلد هو المختار يوسف خميّس اللي طب فيه المرض الخبيث. وهو مريض كانت تيجي سيارة من بيت جالا زي تاكسي بريطاني توخذوا على الدكتور بالقدس يتعالج. مات وما اندفن بمقبرة البلد وانما دفنوه لحاله في أول دخول البلد على راس الطلعة.

المناوشات بين العرب واليهود بدت بأول الـ 48. اليهود هم اللي بدوا بالفساد. بدهم يعملوا دولة. كانوا يطلعوا على القرى بمجموعات صغيرة ويطخوا ع البلد حتى يهربوا ناس. صاروا يحتلوا بلاد واحنا نسمع شو بيعملوا. صاروا عرب منطقتنا يهجموا على عرتوف. هجموا خمس ست مرات. وكانوا اليهود يطلعوا منها. ويعاودوا يرجعوا. وفي منطقة كفار عصيون وحبيلة [مسوئوت يتسحاق] ودير شعار [رڤاديم وعين تسوريم] كانوا مستوطنين يهود. كانت مجموعة مسلحين يهود طالعة على عصيون. بالنهار انكشفوا. كانوا 35 واحد. طالعين مشي. كشفوهم رعيان بمنطقة ظهر الحجة. من القمر الاصطناعي وشرق، رعيان من دار خميّس. هناك ساكنين دار خميّس. صاروا يصيحوا لأهل البلد أجوا اليهود أجوا اليهود. هجمت الناس من بلدنا وبلاد المنطقة. طوقوهم. ظلهم اليهود يقاوموا لآخر واحد. كلهم انقتلوا. المنطقة كانت جبال وعرة. المعركة ظلت لآخر النهار. أنا رحت هناك وحضرت المعركة. أجوا الإنجليز رافعين اعلام بيض وقالوا بدنا ناخذ الأموات. اليهود شعروا حالهم مهزومين. وخسروا عدة معارك بالمنطقة.

الجيش المصري أجا على منطقتنا ولكنه كان يذل شبابنا. صاروا يدربوا الشباب. لكن كانوا يمسكوا الواحد من رقبته ويقول له “ابرخ يا جمل حداد” ويضربه بالبسطار (الحذاء العسكري). واللي أجوا من منطقة بيت لحم كانوا جنود جلوب باشا، الجيش الأردني. وهذول الجيوش العربية هم اللي سلموا البلاد لليهود. انسحبوا المصاروة انسحاب، وتركونا. الناس خافت. صاروا يقولوا اليهود دخلوا. قسم طلع بنص الليل. ما أخذنا معنا ولا حاجة. هذا صار يمكن بشهر عشرة، بقت صارت الدنيا شتا. اليهود كانوا يطلعوا على الجبال قبال البلد ويطخوا باتجاه البلد حتى يرهبوا الناس. بالآخر اليهود دخلوا عن طريق بيت جمال. أنا كنت بالدار وقتها. دشرنا كل شي وطلعنا شردنا بالجبال. في نفس منطقة ظهر الحجة اللي انقتل فيها الـ 35 يهودي. لأنها هاي المنطقة قبال البلد. وصرنا نروح كل يوم نجيب اغراضنا وحلالنا من البلد. ما كان فيها يهود. ظلينا هيك شهرين. وفجأة بدؤوا اليهود ينسفوا البلد. قلبوا أسفلها أعلاها. نسفوها قدام عينينا. كان البيت يفقع ويصير غبار ودخان. ومع ذلك كنا نقول بدنا نرجع. واحنا بظهر الحجة أجوا علينا الفرسان الأردنية، لابسين حطات صفر وحاملين سلاح، وهذول جنود جلوب باشا، سألونا شو بتعملوا هون. قلنالهم بدنا نرجع ع البلد. قالوا وين ترجعوا؟ ما في رجعة. معاكم 24 ساعة، حملوا اغراضكم وروحوا من هون. انتو وجودكم هون راح يخلي اليهود ييجوا ويوخذوا بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور. والله هذا الكلام صار أمامي وعلى سمعي. رفضنا وقلنا وين نروح؟ بدنا نرجع ع بلدنا. اتصلوا بقوة مشاة. أجونا جنود ملثمين وقامونا بالقوة. سقنا الحلال ورحنا باتجاه جبال الحبيلة واللي كانت عصيون. هاي عصيون كانت مستعمرة احتلوها العرب قبل كم شهر [13.5.1948] واحنا بالبلد بعدنا واخذوا منها أسرى للأردن. كملنا مشي. وصلنا بيت ساحور وهناك صرنا نرعّي في جبل أبو غنيم اللي بنوا فيه مستعمرة هار حومه. المصريين كانوا عند مار الياس عند تلبيوت بالقدس. مش بعيد عن أبو غنيم. وطردونا. قالوا وجودنا بيخرب عليهم. كانوا يضربونا بالحزام. وكانوا يقولوا للناس انه احنا جواسيس. انجبرنا نبيع الغنم. بعناها وسكنّا في بيت ساحور. هناك صرنا نسمع انهم بيبنوا مخيمات للاجئين واللي بده يسكن فيها ييجي. هون مخيم عايدة، هناك مخيم العزة، وبعدين الدهيشة والعروب والفوار. إحنا جينا هون يمكن سنة 1950-1951، كنا بايعين كل شي. ، كانوا يعطوا خيام كبيرة لسبع عائلات، فيها سبع عمدان. كل عيلة عند عمود. أرضها تراب. الخيمة ما بتتحمل مطر. عيشة صعبة.

بعد الـ 67 زرت بيت نتيف. كنت أروح ألقط تين واتجول فيها. كل شي فيها مدمّر. أما العودة فلن تتم إلا إذا أصلحنا حالنا واتحدنا ورجعنا إلى عقيدتنا. بوضعنا الحالي للأسف مش شايف أمل. مع اني مشتاق اعيش في بلدي.

شهادة عبد العزيز أبو حميدة (مواليد بيت نتيف عام 1927، ويسكن حالياً في بيت جالا)

أنا عبد العزيز عبد الهادي عليّان أبو حميدة. من مواليد بيت نتيف سنة 1927. بلدنا تقع جنوب بيت جمال ودير ابان وجراش. أما علار ووادي فوكين فمن شرقها. ومن الجنوب تحدنا الجبعة وصوريف وام برج. ومن الغرب عجور وزكريا. مستعمرات يهودية بالمنطقة كانت عصيون جنوبنا وكانت عرتوف شمالنا، وانا حاربت فيهن. إشوَع وعسلين وصرعة ودير رفات هذول كمان من شمالنا. البريج شمال غرب. كانت بيت نتيف زمان من قضا الرملة ولكن الانجليز عملوها من قضا الخليل. أنا كنت أعرف هذي المدن. كنت أسافر عليها كلها حتى حيفا وعكا وام الفحم. كان في سيارات، بالأخص تراكّات (شاحنات). كنا ندفع عشر قروش. وصلت من يافا لحيفا للرملة واللد. الهدف كان عادة شغل وتجارة. كنا نبيع هناك حلال (غنم). كان سوق بالرملة وسوق باللد. سوق اللد كان أبو البرّين، لأنه كانوا ييجوه ناس من عمان، كانوا تجّار ييجوا ويبيعوا جمال. احنا كنا نوخذ عدد بسيط من الغنم أو البقر ونبيعها. بعدين صار عندنا سوق بالبلد، تأسس حوالي سنة الأربعين، وكان على طرف البلد من الشرق. ع القدس كنا نروح ولكن قليل. يافا كانت أقرب وأسهل. كان ناس يروحوا للأقصى ولكن قليل. مش مثل اليوم. الناس ما كانت ملتزمة كثير، لا بالصلاة ولا بالحج. بكل بلدنا كان ثلاث أربع ختيارية وثلاث أربع ختياريات حاجّين وبس. ولا عمرة ولا غيرها. كنت أسافر بالقطار، كنت أروح لمحطة عرتوف مشي أطلع بالقطار للقدس وأرجع من القدس لعرتوف ومن عرتوف للبلد مشي. 3 كيلو. تمرق عن دير أبان وعن جراش.

البيت والمدرسة

البلد فيها حارتين حارة الكفرية وحارة الجمارنة، واحنا كفرية ، العدد النص بالنص. الكفرية بشرق البلد ع التلة والجمارنة غربها. كمان بالأرض كنا النص بالنص. أرض واسعة. زراعية وحرش ومراعي. بالحرش زرعوا الانجليز صنوبر ولكن كان فيه أشجار طبيعية تطلع لحالها، بلوط وملّول وسوّيد وعدك وغيرها. البلد كبرت لما هذول الحمولتين سكنوا فيها. قبل هيك كانت بلد صغيرة. زرعنا وفلحنا واشترينا بآخر المدة سيارات. وعندنا كواشين. في ناس كانت تخاف تسجل اسمها في كوشان خوف من الضرايب فكانوا ناس ثانيين يسجلوا بدالهم.

بيت نتيف
كل مباني القرية مدمرة سوى بيت عبد الفتاح خميّس الذي ما زال قائما دون استعمال. أما موقع القرية الرئيسي فكله مدمّر عن بكرة أبيه.

بيتنا بناه أبوي من حجر والسقف من بوص (قصب) وعليه طينة. ومن الداخل السطح على شكل أقواس من الأربع زوايا. فش بالبلد تقريبًا بيوت من اسمنت وحديد. كلهن من حجر وطين.

كان بالبلد مدرسة للصف الرابع، كانت مدرسة صغيرة وبعدين بنوا مدرسة أكبر، كان عمري خمس سنين، يعني بنوها حوالي سنة 1932. كانت من حجر وكان حواليها اثنين دونم. أنا ما تعلمت. أبوي مات وعمري 12 سنة وصرت أفلح الأرض. وأمي كانت متوفية قبله بخمس سنين. كان لي أخ من أم ثانية لكنه كان كبير واولاده أكبر مني. ومن أمي كنا خمسة ثلاث بنات أكبر مني واولاد اثنين، أنا وأخوي الصغير. كانوا الولاد يتعلموا للصف الرابع، وبعدين كانوا لازم يروحوا يكملوا بالخليل، ولكن كانت بعيدة ولازم تنام هناك، ع شان هيك ما حدا راح تعلم. كان عندنا معلم من بيت جبرين، وكان مدير المدرسة واحد اسمه أبو رشاد، من منطقة رام الله، كان ساكن بالبلد هو وعياله. المدرسة كانت بطرف البلد من الجنوب، يمكن ثلاث اربع بيوت بعدها وبس.

الجامع

كان بالبلد جامع قديم ولكن موجود قبل ما نيجي ع البلد. مثل “الحارات” يعني الساحات، يعني ديوان عام للعائلة، هذي كانت بنايات قديمة وأهل البلد عملوها حارات. الحارة الفوقى إلنا وحارة للجمارنة اسمها الشيخ ابراهيم. الحارة هي مبنى من طابق ونص. الجامع قديم واسمه جامع الأربعين وفيه محراب، ويصلوا فيه صلاة الجمعة، هو قرب المقبرة، مبنى قديم من حجر. الشيخ ابراهيم، ستة متر ع ستة متر، ما كان فيه محراب، عملوه أهل البلد “حارة” وكانوا كمان يصلوا فيه. لما أهالينا أجو على البلد كانت هذي البنايات موجودة وكان بالبلد مغر وبيار ميّ. اللير اللي يجمع ميّ استعملوه واللي كان خربان صلحوه.

المياه

المقبرة قريبة من جامع الأربعين، باتجاه شامة. فيها بير كفري عمقه حوالي سبعين متر. اسمه بير الطويل. دايمًا عامر. كانت النسوان تروح تنشل منه مي. هذا بير عِدّ ودائمًا فيه ميّ (مياه ارتوازية وليست مياه شتويّة). كان كمان بيرين كبار مبنيات من حجر، عمق 6 متر، واحد بطرف البلد من شامة وواحد بطرف البلد من قبلي. هذي كمان بيار عدّ مليانة ميّ صيف وشتا. أحيانًا كانت الميّ تفيض برّة البير. البير القبلي اسمه بير الصفصاف موقعه جنوب الشارع الرئيسي مش بعيد اليوم عن الأقمار الصناعية، غربها شوي. البير الشمالي اسمه بير الزاغ. وكان كمان بيرين صغار، بعمق حوالي مترين، بير هُقُّش والبير الشرقي بير الكُرّامة، وهي كمان دايمًا فيها ميّ.

الوديان: واد بولس وفيه خربة ومقام من طابقين. قريب من بير الزاغ. الطابق الثاني فيه مكان للصلاة لأنه فيه محراب ومقام. الخربة اسمها خربة النبي بولس. وقبالها في مغارة اسمها الأربعين. يقال انه انقتل فيها اربعين واحد وع شان هيك سموها الأربعين. واد الأشلول من الشرق ووادي النّجيل ومن قبلي خلة الزطّ ومنها وشمال في خربة زانوع، شمالها في خربة أبو فاطمة وفيها مقام. وادي السمط جنوبي البلد. بالشتا كان قوي وبالصيف ينشف.

الأعراس

الأعراس في البلد كانت تستمر 7-8 أيام سمر. الشباب يعملوا دبكة. والختيارية يعملوا صفين قبال بعض ويردّوا على بعض شعر (حداء). ويسهروا كل الليل.

الأول: والله لابكي على الطيب وأقدّ الجيب ….. ع اللي مدى العمر ما يحكي كلام العيب

الثاني: بلادكم عجعجت ما ينسكن فيها …… عمر الوليف مع وليفه ما اتفق فيها

الأول: من سهل روبين شفت اللي على المنطار ….. يا ناس قُطف العنب حمّل جمل وحمار

الثاني: كذاب كذاب، يا عندي حمل الجمل ذهب مرصود للعيلة ….. برّكي ذلولك وميّلي عندنا ليلة

الأول: كذاب كذاب، ما عندك ولا سحتوت ….. وفراخكم يا ولد من قلة العلف بتموت

الثاني: يا صاحبي لا تواخذني بزلًاتي …… زلّ القلم بالورق وايش حال زلًاتي

الأول: الدرب دغري على واد العريش صمّد …. واللي صدف صاحبي يصلّي على محمد

كانوا يقعدوا والنار مولعة. ما كان كهربا. كان حطب. كانوا يحمّلوا على الجمال حطب ويجيبوا ع البلد. النار تظل مولعة ويعملوا عليها قهوة وشاي. وكان صاحب العرس يذبج ثلاث اربع ذبايح. يعزم الناس وقرايبه ويغديهم. ما كان نقوط مصاري زيّ اليوم. كل يوم كان واحد من البلد، وكانوا ينظموا دور بينهم الناس، يحضّر طنجرة لحم وعليها ليرة، والمرأة تبعثها لبيت العريس. كانت عادات حلوة. أنا بعرسي ذبحنا ثور وعنزين. أنا تجوزت سنة 1945.

الانجليز

الانجليز في الـ 36 كان معهم حمير. السيارات ما كانت تمشي بالجبال. كل فرقة فيها عدد من الحمير محملات صناديق ذخيرة. يوم ما انقتل أبو الوليد، انقتل في ام الروس، خربة من خرب بلدنا، عند خربة أم برج. هو من بيت عطاب وكان قائد في الثورة. كانت معركة مع انجليز في ام برج. طلعت الطيارات ع شان تضرب الثوار. منطقة صعبة كلها حجار وشجر. راحت الطيارات بالغلط فوق البريج. والبريج من بلدنا وغرب. صارت تلف فوق البريج. رجعت وقالت ما في طخ. قالولهم مش البريج، أم برج. طلعت الطيارات مرة ثانية وقصفتهم وهناك انقتل أبو الوليد. ما كان امكانيات ضد الطيران. وما كان كفاية سلاح لا بالـ 36 ولا بالـ 48.

معارك 1948

كنا لما نسمع انه اليهود هجموا ع بلد كنا نروح نساعد. من بيت نتيف كنا 70 واحد. كل الوقت مع بعض. أنا متذكر الهجوم على القافلة اليهودية. هاي كانت قافلة تمشي بمنطقة البلد رايحة على عصيون. كان واحد من صوريف جاي على الحمار على بلدنا يطحن قمح. كان الوقت فجر. في الطريق انتبه لمجموعة قاعدة على سفح الجبل. تسمّع لكلامهم وعرف انهم يهود. أجا على بلدنا وصار يصيح يا ناس في يهود بالجبل. اليهود طلعوا بسرعة لظهر الجبل. لو استحكموا وظلوا فوق الجبل كان ما انقتل منهم جدا. لأنه موقعهم أحسن من موقعنا. لكنهم قرروا ينزلوا ويقاتلونا. وهم نازلين كنّا نطخهم بسهولة. انتهت المعركة بعد المغرب. انقتلوا كلهم. أجوا الانجليز وأخذوا الجثث. واحد من بلدنا اسمه حامد انقتل. واحد من جراش تصاوب. واحد من السموع مات موت طبيعي ودفنّاه عندنا بالبلد في نفس القبر مع حامد.

بيت نتيف
المقبرة في وضع مزرٍ، قبورها مهشمة ومفتوحة ويبدو ما فيها من عظام جلياً للعيان.

وأنا شاركت بالمعركة في باب الواد. عند هذول الدبابات الخربانة الموجودة ع طريق القدس. أنا كنت بهذيك المعركة. بتنا بالمنطقة حوالي أسبوع. كانوا أهل بيت محسير يجيبولنا أكل. كنّا ننتظر قافلة. القافلة كانت تطلع من عند النعاني، كان لهم مستوطنة اسمها خُلده، كانت تطلع من هناك. في باب الواد كانت هناك كازية لشخص خليلي، بعدها موجودة، وكان صنوبر ع الجهتين للشارع. قسم منا في القاطع القبلي وقسم بين الشجر. أسبوع واحنا نستنّى. لما الطريق انقطعت من السيارات العاديّة عرفنا انه القافلة قرّبت. وفعلا أجت القافلة وفيها يمكن 70 سيارة ودبابة، الأولى دبابة. ودبابة بالآخر. احنا جبنا تنكتين كاز من الكازيّة. وجبنا من بيت محسير 4 اكياس سكن (رماد) على حمار. وعملنا سدّ فوق ع الطريق. خلطنا وجبلنا السكَن بالكاز. وفردناهن على الشارع.  هذا لما نطخّ عليه بيصير نار وما بتقدر الدبابة أو السيارة تقرّب عليها. عملنا واحد قدامهم وواحد من وراهم. لا بيقدروا يقدموا ولا بيقدروا برجعوا. كانت القافلة ممدودة على نص كيلو تقريبا. وبدينا بالهجوم. وصاروا يتخبوا بالدبابات اللي بوسط القافلة. أجوا الانجليز والصليب الأحمر وطلبوا وقف المعركة ع شان ياخذوا المصابين. فأخذوا الكل، الجرحى والقتلى والأحياء. أخذنا سياراتهم وانسحبنا. احنا أخذنا سيارتين ع بيت نتيف.

كانت معركة ثانية عند خلدة [31.3.1948] ولكن هذيك كانت صعبة وانقتل منا كثير. أرض سهل ومزروعة قمح. القمح عالي. طلعن دبابتين ورايحات ع القدس. [كانتا من ضمن قافلة كبيرة ضمّت 37 مركبة ومصفحة انسحبت عائدة بسبب الكمين ما عدا هاتين المصفحتين بسبب الأرض الوحلية] بدينا فيهن طخ. حاولوا يدوروا ويرجعوا بس ما قدروا. الدبابة غرّزت بالتراب. خلص ظلوا محلهن. والدبابة ما فيها كثير جنود، عادة اثنين. يمكن ثلاث. صرنا نطخ عليهم وهم علينا. كانوا يطخوا من فتحات الدبابة. هم يصيبونا واحنا ما نصيبهم. قتلوا منا ستة او سبعة. كنا كثار ومن جميع البلدان. في واحد منا سبح وطلع على ظهر الدبابة وصار ينادي على الإسرائيلي ويقول له “سلّم يا خواجة” قال بسلمش. “سلّم يا خواجة” قال بسلمش. بالآخر قال شاب اعطوني سيارة، بدي أروح ع الرملة أجيب لغم. احنا سلاحنا خفيف ومش نافع. وفعلا راح ع الرملة وجاب لغم. كل هذا صار والدبابيتين محلهن وبعدنا بنطخ على بعض. أجا الشاب مع اللغم وطلع ع الدبابة ورمى اللغم داخل الدبابة وفجرها. وهو نفسه تصاوب. وانتهت المعركة. [التقرير الإسرائيلي يقول أن قائد إحدى المصفحتين قرر تفجير المصفحة على من فيها حتى لا يقع في الأسر، ويقول التقرير أن 22 من أفراد القوة الصهيونية قتلوا].

أما عرتوف رحلت بالليل [16.5.1948].أنا دخلت على عرتوف ثاني يوم بعد ما طلعوا منها. هم مرقوا على صرعة وبعدين على كفرورية. والناس العرب صاروا يوخذوا اغراض من بيوت المستعمرة.

وشاركت بالهجوم على عصيون. [13.5.1948] كان معنا الجيش الأردني. كنا حوالي أسبوع. بالأول جينا على دير شعار [مستعمرة رڤاديم وعين تسوريم] وانسحبوا اليهود منها إلى مستعمرة عصيون. كنّا نضرب ونقصف عصيون وفجأة أجانا أمر من چلوب باشا [القائد العام للجيش الأردني وهو بريطاني] بالانسحاب. الدبابة اللي جنبي بدت تلف ع شان تنسحب وفجأة فقع تحتها لغم وطار عجلها. أعطى خبر للقائد وهذا قال طيب كملوا الهجوم. كانوا اليهود ملغمين الجبل حول الكبّانية (المستعمرة) وكان كمان سلك “تيل” حواليها ولكنه بسيط. وعاودنا القصف. تقدمنا باتجاه بيوت المستوطنة ولكن مشينا على الصخر خوف من الألغام. في واحد من البيوت طلعت بنت يهودية مع برن وطخت علينا وأصابت منا حوالي 15. وبعدها استسلمت. أخذها الجيش الأردني. وأعطت معلومات للجيش عن الوضع في عصيون. انقتل منهم عدد والباقيين هربوا لمستعمرة حبيلة [مسوؤوت يتسحاق]. حوّطنا حبيلة. طلع واحد يهودي مع راية بيضا وقال احنا بدنا نسلّم ولكن مش الكم وانما للقيادة في القدس، لانكم انتو فوضوية ويمكن تقتلونا بعد ما نسلم. وفعلا بعثوا خبر والقيادة وافقت وأجت 6 باصات تاخذهم. طلب الجيش الأردني منا نبتعد عن المستعمرة، وطلعوا المستوطنين منها بصف ونشيد بالعبري. كان الاتفاق انهم يطلعوا بدون سلاح. دخلنا المستعمرة بعدهم وما لقينا سلاح.  وشاركت كمان في معركة الدهيشة [28.3.1948]. هناك عملنا كمين لقافلة جابت امدادات لعصيون وهي راجعة ع القدس عملنا كمين عند الدهيشة. وقتلنا منهم وغنمنا سيارات كثيرة. وأجا الصليب الأحمر والانجليز وأنهوا المعركة وأخذوا اليهود للقدس.

النكبة

كنا في الجبل عند محطة القطار في دير ابان. كنا حوالي 50- 60 واحد ثوار من البلد. قبالنا عند زكريا [سقطت في 23.10.1948] كمان حوالي 40-50 واحد. اليهود كانوا عند عرتوف. ويهود كانوا في صرعة [سقطت في 18.7.1948]. من هناك كانوا يضربوا علينا بالمدفعية. وصل الجيش المصري وصار ينظم فينا. عيّن منا مسؤولين. وقال بتوخذوا أوامر منا وبس. احنا بنجيب لكم أكل والقيادة موجودة في دير بيت جمال. وبنعطيكم فشك. أعطوا كل واحد قميص وبنطلون جيش. وقالوا انتو تحت أمر الجيش ولازم تنفذوا أوامره. احنا وافقنا. ظلينا على هذا الحال حوالي أربع شهور. واليهود مش عارفين يتقدموا. هم اليهود أقويا بس بالسلاح مش بالشجاعة. احنا كنّا مستحكمين ومانعينهم يتقدموا. لكن يوم من الأيام وفجأة هجمت علينا دبابات عربية وصارت تخوف فينا وترجعنا لورا. ما قتلوا منا حدا. كانوا يطخوا بالهوا. لكن رجعونا ع البلد. شفناها دبابات عربية. عندها حاصروا الاسرائيليين بيت جمال والمصريين هربوا بدون معركة. بعد ثلاثة ايام صاروا يقصفوا بلدنا من منطقة بيت جمال وعرتوف. الناس صارت تخاف وتهرب من البلد. في ناس جابت سيارات واخذت اغراض وقمح. وناس ما أخذت. أنا ما أخذت. مشينا لصوريف. صوريف قريبة، حوالي اثنين كيلو. أخذنا معنا الحلال (المواشي) هناك الناس صارت تتفرق. أنا ومرتي ومعي ولدي محمد كان عمره سنة وشهرين رحنا استأجرنا دار في بيت ساحور. سكنا هناك حوالي 4-5 شهور. كان الإيجار غالي، كنّا ندفع خمس ليرات. وتنكة الميّ بقرش. بعدها رحنا لأريحا. سمعنا انهم عملوا مخيمات للاجئين فانتقلنا هناك وسكنا في مخيم عقبة جبر. كان لي ولأخوي في بيت نتيف حوالي 200 دونم. معي كوشان. وبين يوم وليلة صرت بدون ولا شي. سكنّا في عقبة جبر 15 سنة. في يوم كنت بدي أسافر لألمانيا. عن طريق مكتب سياحة من الخليل. فقلت أجيب مرتي وولادي عند أخوي في الدهيشة. ولكن هذاك الشخص غشني وما سافرت. وظليت في الدهيشة. بعدين اشتريت هذي الأرض وبنيت هذا البيت. هذي المنطقة تابعة لبلدية بيت جالا.

كل هذا اللي عملناه وحاولنا ندافع وانتصرنا في عدد من المعارك، ولكن السلاح كان قليل. وكان غالي. وجيوش العرب انسحبت.

العودة

بعد ما احتلوا البلد حاولنا نرجع ونتسلل ع البلد ولكن كانوا اللي يمسكوه يقتلوه. انقتل من بلدنا حوالي 15 لأنهم تسللوا للبلد. منهم كان بدهم يجيبوا اغراض من البلد ومن أرضهم. عمّي أبو مرتي انمسك بالبلد، وانقتل مع واحد ثاني من بيت أمّر وإيديهم مربوطة للورا. أنا جيت من أريحا ورحت أفتش على الجثة. أول مرة ما لاقيته وبعدين رجعت مع اولاد عمي. أنا مشيت قدامهم ومعي بارودة. لفّينا بالبلد ندوّر ع الجثة. ما لاقيناه وظلينا هناك ليلة. ثاني يوم كانوا يهود بالبلد فوقنا ولكن ما شافونا. ظلينا نفتش حتى لاقينا الجثتين. كانوا مطخوخين. دفنّاهم في بير بالبلد. ورجعنا.

أنا زرت بيت نتيف عدة مرات بعد الـ 67. كانت البلد مهدمة. لو يصح لي أرجع مستعد أنام هناك بمغارة. بعرف البلد بالشبر. بعرف وين أرض كل واحد. بعرف وين داري ووين دار أخوي.

إريك آدر

في حزيران 1936، اعتلى القسّ البروتستانتي الهولندي باستيان يان آدر دراجته الهوائيّة وشرع في رحلة إلى الأرض المقدسة، مهمة جريئة في تلك الفترة. إن روح المغامرة أسدلت بركتها عليه وعلى عقيلته يوهانه عندما شعرا بواجب توفير ملجأ ليهود من بلدهم خلال المحرقة، في البداية في منزلهم فقط، ثم في أماكن أخرى. القسّ آدر أنشأ وأدار شبكة نجحت في إنقاذ “ما مجموعه ….. بين 200 إلى 300 إنسان خلال الحرب”، كما جاء في بحث “يد ڤَـشِم”. هذا العدد كان يمكن أن يكون مضاعفًا لو أنه نجح في خطته لتحرير معتقلي المعسكر الانتقالي “ڤِستربورك” سيّء الذكر، والذي احتجز فيه يهود هولنديون في طريقهم إلى معسكرات الموت. لم يتمّ له الأمر بسبب اعتقاله في تموز 1944. وفي 20 تشرين الثاني 1944 تم إعدامه بيد النازيّين. باستيان يان آدر كان عمره 34 عامًا حين مات، وترك وراءه زوجة وولدين.

بفضل هذا الماضي المشترك نشأت علاقة مميزة بين عائلته وبين الناجين وسلالاتهم، والذين هاجر عدد منهم إلى البلاد. في أعقاب دعوتها، زارت يوهانه آدر إسرائيل عام 1964، وكررت الزيارة عام 1967، وحينها شرّفت بحضورها حفل غرس أشجار في “جادّة الصالحين من أمم العالم” في “يد ڤَـشِم” وطقس إزاحة الستار عن حجر لتخليد الذكرى قرب كيبوتس “هلامد هـِ” في غابة غرسها الكيرن كييمت (الصندوق القومي اليهوي). ناجون ممتنّون تبرعوا بـ 1100 شجرة تم زرعها على اسم زوجها المرحوم.

إن الخبر بأن زوجته ولدت له ولدًا ثانيًا وأن الوالدة والمولود بخير لم يصل إلى آذان القسّ آدر في زنزانة سجنه. عام 1966، قرر ذاك الابن أن يزور إسرائيل، ولكنه بدلًا من أن يطير بالطائرة ارتآى أن يحذو حذو أبيه. قراره بأن يسافر إلى إسرائيل عبر البرّ بواسطة سفريات مجانيّة أخذه إلى ثلاث دول عربية. خلال ذلك التقى بالطبع مع أشخاص كانوا قد عاشوا في فلسطين حتى 18 عامًا قبلئذً، ولكنهم منعوا من العودة إلى بيوتهم. وقد اكتشف أن مقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” نصفها فقط صحيح.

مرشد من طرف الكيرن كييمت رافقه في زيارة قصيرة إلى الأشجار التي غرست على اسم والده. ظهرت أمام أعيننا أشجار صنوبر صغيرة وغضّة على منحدر وعر. قالوا له أنها غرست حتى تجعل الصحراء مزهرة. لم ينتبه أن تحت الأشجار الطريّة كانت آثار مدرجات زراعية. لم يسأل ماذا كان هناك قبل ذلك. ومع ذلك فقد أدهشته نقطة الانطلاق بأن تاريخ البلاد إمّا انه بدأ قبل 1900 سنة أو أنه بدأ عام 1948. وعندما سأل عن التاريخ الذي سبق 1948 فقد واجه جهلًا وعدم مبالاة وعصبيّة من طرف مضيّفيه، حتى اللطفاء منهم. وقد برز أمام عينيه عدم اكتراثهم بالدول التي مرّ بها في طريقه الى البلاد وكأنه طار مباشرة من هولندا.

عاد إلى إسرائيل في 2004 وفي 2005. زار “نتيـڤ هلامد هـِ” ثانية وهذه المرة لم يتعجّل. اكتشف قرب المكان أشجار زيتون عمرها مئات السنين. وفي نظرة عن كثب انكشفت شواهد إضافيّة لاستيطان سابق، من ضمنها مدرجات زراعية. عندما سأل عن ذلك في الكيبوتس لم يستطع أحد أن يقول له ماذا كان هناك قبل أكتوبر 1948. ولكنهم اختاروا القول إن قرية يهودية اسمها “بيت نتيـڤ ” كانت بالموقع منذ أيام التوراة.

عندما سأل في الكيرن كييمت لم يتلقَّ أي جواب. بمساعدة جمعية “زوخروت” اكتشف أن قرية كانت هناك اسمها بيت نتيف. زوخروت وآخرون ساعدوه ليجد عددًا من اللاجئين الذين اضطروا للهرب من القرية عام 1948. “الهرب” هي كلمة غير مناسبة: ج.د.إ طردهم. هم يسكنون الآن في مخيم للاجئين قرب بيت لحم. فقام بإجراء مقابلة مع أحدهم في 2010 واكتشف أن بعضهم، بعد حرب حزيران 1967، استغلّ الفرصة لزيارة قريتهم القديمة، ووجدوا ثلاثة من حيطان منزلهم وجزءًا من السقف ما زالت موجودة في مكانها. ثم استراحوا تحت شجرة الخروب. لم يمر وقت طويل وجاءت جرافات ودمّرت ما تبقى من بيوت قرية بيت نتيف، وحطمت بذلك ما تبقى من وهم السماح للاجئين بالعودة إلى بيوتهم وأراضيهم.

لا شكّ أن تلك الأشجار قد تم التبرع بها بنوايا طيبة. ولا شكّ أن نوايا أرملة القسّ آدر كانت طيّبة حينما أزاحت الستار عن الحجر لذكراه. لكن الواقع هو أن هذه الأشجار قد غرست بهدف محو آثار حياة سابقة وليس لكي تجعل الصحراء مزهرة – إنما لكي تغطي وتستتّر على ظلم فظيع. لا يمكن أن نسأل القسّ آدر كيف كان سيشعر إزاء رؤية اسمه مربوطًا مع هذا الظلم، ولكن ليس من الصعب التخمين ماذا كان ضميره سيصرخ.

بالقرب من ذلك المكان يوجد نصب تذكاريّ ضخم لـ 35 من مقاتلي “هَهَـچـناه” الذين سقطوا في طريقهم لمساندة الكيبوتسات في غوش عتصيون في يناير 1948. أحد القتلى في چـوش عتصيون في أيار 1948 كان زوجًا شابًّا لإحدى النساء المَدينات بحياتهنّ للقسّ آدر، والتي هاجرت إلى البلاد. لا يمكن تجاهل معاناة الشعب اليهودي قبل 1948، ولا معاناة اليهود في إسرائيل قبل وبعد “حرب الاستقلال”. لكن من الواجب علينا أن نفتح أعيننا نحو معاناة الفلسطينيين، في سنوات الـ 30، خلال ومنذ النكبة، وتحت الاحتلال القاسي على مدى جيلين منذ 1967. هم، كما أحسن وصفهم بنيامين بيت-هلحمي، ضحايا “الخطيئة الأصليّة”: تهجير شعب كامل وتنكيل متواصل به، أمام أعيننا، وفي هذه اللحظات.

حلّ عادل ودائم بين الشعوب لا يُرى في الأفق. لكن خطوة أولى نحوه يجب أن تكون اعتراف كل طرف بمعاناة الآخر، والعفو عن أفعاله. أعمال الصندوق القومي اليهودي تهدف إلى جعل ذلك مستحيلًا. فهو مستمرّ بدوره الفعال في تهجير الفلسطينيين. إن ربط اسم القسّ آدر في هذه الأفعال هو عمل مشين.

ينبغي امتداح زوخروت على موقفها الشجاع في مواجهة هذا النسيان الجماعي المفروض على المجتمع الإسرائيلي لأسباب سياسية ظلاميّة.

*للإطلاع على الكتيب الكامل.

*أجرى المقابلات: عمر الغباري ورنين جريس من منظمة زوخروت.

المزيد:

“مدرسة خضوري في طولكرم: من الانتداب حتى الاحتلال”، أريه دوفنوف وتمار نوفيك. 

مذبحة الدوايمة: “قتلوا الاطفال وهم يسحقون جماجمهم بالعصي”، كفاح عبد الحليم. 

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.