الاتهامات بحق باسل غطاس: الاعلام يلهث وراء اليمين

الاعلام الإسرائيلي يلهث وراء اليمين كالقطيع الأعمى مرة أخرى، ويقوم بالأيام الأخيرة بنشر معلومات مغلوطة بقضية عضو الكنيست العربي باسل غطاس: الحقائق لا تعني أحداً وفي الوقت الذي سينتهي به اليمين من سابقة اقصاء عضو كنيست لن تعود لها أية أهمية بالمرة.
عبد ابو شحادة

 

عندما تم تمرير “قانون الاقصاء” بالصيف الماضي، كان هناك من اعتقدوا بأن ذلك لن يشكل فرقاً حقاً- على اعتبار بأنه لن تكون هناك أغلبية ثلثين (أي 90 عضو كنسيت) توافق على اقصاء أعضاء كنيست. هذا ما قالوه ولكن كان هناك من قال أيضاً بأن من وظيفة الاعلام أن يكون محايداً وأن يقوم بتغطية الأخبار بمصداقية لكي لا يتحول إلى اداة بيد النظام ضد معارضيه. إلا أن ما جرى في اليومين الأخيرين هو العكس تماماً: الاعلام تجند، من الحائط إلى الحائط، وحث على خلق اجماع يقوم بموجبه أعضاء الكنيست، من اليمين ومن اليسار، بإقصاء عضو الكنيست باسل غطاس. ذلك ليكون عبرة لبقية أعضاء الكنيست العرب بأنهم اذا لم يعدلوا خطهم فسيجدوا أنفسهم في الخارج أيضاً. وهاي هي الكنيست تصادق في هذه اللحظات تماماً (الاربعاء، 21.12.16) على  رفع الحصانة عن غطاس.

في يوم الأحد أطلقت شبهات ضد عضو الكنيست غطاس (“القائمة المشتركة”) تتعلق بزياراته الانسانية للأسرى السياسيين. مباشرةً بعد زيارته، نشر بأن الشرطة ومصلحة السجون تشك بأنه يقوم بنقل هواتف نقالة ورسائل خلال زياراته لسجن “كتسيعوت”. موقع “Ynet” ذكر حتى بأنه “تمت مراقبة عضو الكنيست منذ أن وصل الى السجن بعد وصول معلومات من شعبة الاستخبارات في مصلحة السجون بأنه ينوي تهريب هواتف للأسرى الأمنيين”. في اليوم التالي، كان هناك من ادعى بأن غطاس اختفى عن العيون، وذكرت على الفور العلاقة العائلية التي تربطه بعزمي بشاره- “غطاس هو ابن عم عضو الكنيست السابق عزمي بشاره الذي اتهم بالاستخبار وبتقديم المساعدة لحزب الله وهرب من الدولة” (الرمز واضح جداً).  من مقالته لصحيفة “هآرتس”، يتضح بأنه كان لدى المراسل جاكي خوري الوقت الكافي لمعرفة ما يجري داخل الحزب وللادعاء بأن “الضغوط تمارس على عضو الكنيست غطاس ليعلق عمله او ليستقيل”. نهايةً، تم الادعاء في النشرة المركزية للقناة الثانية بأن عضو الكنيست غطاس اعترف بالأعمال المنسوبة له.

عملياً، ما يريده اليمين، من وراء أمواج التحريض هذه، هو خلق واقع سياسي يبقي الاحتلال خارج حدود الخطاب. هكذا، على سبيل المثال، من بين كل ما قيل حول غطاس بالأيام الأخيرة، لم تكن هناك كلمة واحدة عن الأسرى السياسيين المعتقلين بسبب طموحهم للعيش بكرامة

من تقرير إلى تقرير، نسي الصحافيون ذكر المعلومات المغلوطة التي قاموا بنقلها، مثل عدم هروب غطاس وامتثاله للتحقيق كما طلب منه، او اضافوا اموراً على عاتقهم مثل خوري الذي ادعى بأنه يعرف ما يجري داخل الحزب- قبل أن يعرف الحزب نفسه (!). ولكن الأمر الأكثر غرابة بأن أحداً لم يلتفت إلى حقيقة عدم اعتراف غطاس بالمنسوب له اطلاقاً. في القناة الثانية- عدا عن المعلومات التي حصلوا عليها من الشرطة- لم يقوموا بأقل جهد ليستوضحوا ما هو موقف عضو الكنيست. غطاس، من جهته، أعلن بأنه لم يقم بأية مخالفة ضد أمن الدولة: “زياراتي لدى الأسرى تأتي في اطار نشاط انساني وأخلاقي بقضية الأسرى التي التزم بها بدوافع أخلاقية عادلة.. الأسرى يعانون من ظروف صعبة، ومعالجتي لهذا الموضوع تأتي ضمن وظيفتي الجماهيرية والبرلمانية. لا شيء لدي لأخبئه، نحن ندخل ونخرج من هذه التحقيقات برأس مرفوع”.

المقلق بحق هو السرعة التي تتطور فيها الأمور. فقط بعد يومين من اطلاق الشبهات، نجح وزير الأمن الداخلي، جلعاد اردان، بالعمل على منع زيارات أعضاء الكنيست العرب للأسرى السياسيين والمصادقة على اقتراحه في لجنة الكنيست. أمام تجلي العبثية بعدم اهتمام أحد بالحقائق، يبدو بأنه في الوقت الذي ستنتهي به حكومة اليمين من سابقة اقصاء عضو كنيست- ستصبح نتائج التحقيق غير مهمة بالمرة. ولنذكر أصحاب الذاكرة القصيرة هنا بأنه فقط قبل شهر قام اليمين الإسرائيلي برئاسة بيبي-بنيت بالتحريض ضد المجتمع العربي لأنه أحرق الدولة بخطوة مدبرة على خلفية قومية، وقد انضم الاعلام بدوره ولو أن هذه الاتهامات كانت كلها باطلة كما اتضح للجميع فيما بعد. هذا ما يمكن أن يحدث أيضاً في قضية غطاس: الاعلام سيتجند ويحرض بشكل مبتكر، والجمهور الإسرائيلي الذي لا يدقق بالحقائق سيضع ضغطه على أعضاء الكنيست من اليسار (فهؤلاء في اليمين ومؤيديهم يدعمون من قبل) حتى يتم قبول قرار للبدء بإقصاء أعضاء الكنيست العرب.

عملياً، ما يريده اليمين، من وراء أمواج التحريض هذه، هو خلق واقع سياسي يبقي الاحتلال خارج حدود الخطاب. هكذا، على سبيل المثال، من بين كل ما قيل حول غطاس بالأيام الأخيرة، لم تكن هناك كلمة واحدة عن الأسرى السياسيين المعتقلين بسبب طموحهم للعيش بكرامة، فالنقاش الاعلامي يتم كله من قبل من يقدمون لنا العظات- وهم نفسهم الذين يسيطرون بالقوة العسكرية العنيفة منذ حوالي ال-50 سنة على ملايين الناس، بعضهم تحت الحصار منذ عشر سنوات دون أدنى الحقوق الأساسية. الخطاب الذي يحاول اليمين فرضه بمساندة الاعلام وبصمت اليسار هو قطع علاقتنا مع أبناء شعبنا. وهذا هو السبب لتصدر “التجمع” ونوابه العناوين- لأننا لا ننسى حتى للحظة واحدة بأننا جزء من الشعب الفلسطيني وبأن الاحتلال هو احتلال أراضينا وبأن الأسرى هم أخوتنا وأبنائنا.

كل ما علينا هو أن نراجع ما حدث بالسنة الأخيرة والتي تم فيها، بمساعدة قوانين الطوارئ، اخراج الحركة الإسلامية عن القانون، واعتقال عشرات من أصحاب المناصب والنشطاء في “التجمع” باتهامات باطلة حول قضايا مالية بينما اقتراحات قوانين مثل “قانون عمونا” (قانون تنظيم المستوطنات المعروف ب”قانون التسوية”) وقانون منع الأذان تبدو بنظر الجمهور والحكومة كقوانين عادية أما الاعلام فيتجند، مرة تلو الأخرى، دون ابداء أي تحفظ كالقطيع الأعمى الذي يلهث وراء اليمين. بعد كل هذا، يبدو بأن اقصاء أعضاء الكنيست العرب هو القليل القليل مما ينتظرنا بالمرحلة القادمة.

طالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا.

المزيد:

“ميرتس تتبنى بلاغيات التحريض”، عبد أبو شحادة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.