مشينا ومشينا ومشينا، أين ديمونا؟!

مشروع بحثي يوثق التاريخ الشفهي لمدينة ديمونا في الجنوب التي أرسل اليهود الشرقيين للسكن بها منذ سنوات الخمسينات وهي ما تزال صحراء عارية. “تاريخ ديمونا من وجهة نظر سكانها مختلف بالضرورة عن ذلك الذي تحكيه المؤسسات وأصحاب القوة”
عميت بوطبول، اوفير ايطح وشيلي شؤول

 

أمامكم مقطع من مقابلة مع استر، من سكان ديمونا، أجريت ضمن مشروع بحثي هو الاول من نوعه عن التاريخ الشفهي للمدينة والذي يعمل على اعداده كل من عميت بوطبول، اوفير ايطح وشيلي شؤول (توجيه واستشارة علمية: د.حيرردو لايفنر)، والذي سيتم عرضه هذا الأسبوع في اللقاء الثاني من سلسلة “التاريخ الشرقي- الناقص في الصورة” في سينماتك تل أبيب. “تاريخ ديمونا من وجهة نظر سكانها مختلف بالضرورة عن ذلك الذي تحكيه المؤسسات وأصحاب القوة الذين قرروا كيفية تطورها”، يكتب هؤلاء. “في كل العالم أصبح من المقبول منذ زمن معاينة التاريخ الاجتماعي أيضاً من وجهة نظر الحياة اليومية، الذكريات، آراء ومشاعر أبناء وبنات الشعوب، ومن كانوا في أحيان كثيرة ضحايا لقرارات اتخذها غيرهم. المقابلات التي قمنا بجمعها وتحريرها تسعى إلى دفع هذا الهدف في إسرائيل: فتح المجال لإسماع أصوات الناس ولاعتبار تجاربهم جزء من الذاكرة الاجتماعية الواسعة للتعلم من تجاربهم، خيباتهم وعبرهم من أجل الجيل الحالي والأجيال القادمة. خلافاً لاستهتار وتجاهل التاريخ المؤسساتي والنخبوي، نحن نعتقد بأن هناك أهمية قيمة لذكريات، أفكار وعواطف من بنوا المجتمع الذي نعيش به بعرق جبينهم. ولأنهم لم يبقوا بصماتهم بواسطة الكتابة فهذه المحادثات والمقابلات هي بمثابة شباك على عالمهم”.

***

صعدت (إلى إسرائيل) من مدينة بالمغرب تسمى سفرو. مدينة جميلة جداً، القليل من الأخضر، النباتات. أنا تعلمت في مدرسة فرنسية، “اليانس”. في اطار هذا التعليم تعلمنا الكثير عن أرض إسرائيل، وعندما كنا نمتحن بموضوع ما بالعبرية كنا نحصل على زهرة من أرض اسرائيل. وإذا كنا نجمع 10 أزهار كنا نحصل على شجرة. هذه كانت عملياً العلاقة بيننا وبين البلاد، عدا عن ذلك بأن والديَ كانا يحافظان على التقاليد وبأننا كنا نتحدث دائماً عن أرض إسرائيل وعن حب البلاد.

في أواخر سنوات الخمسين حصل العرب على استقلالهم، ولم تعد العلاقات بين العرب واليهود على أفضل حال. العرب أرادوا حتى بأن يتزوج اولاد اليهود من المجتمع العربي. أبي ذعر عندما جاء الينا أحدهم وقال له أنظر، لديك بنت وما الى ذلك. رتبنا أمورنا بفزع وبسرعة لكي نصعد إلى البلاد.

خرجنا من مدينتنا مع نهاية عيد “الشفوعوت”. ولقد استغرق الأمر الكثير من الوقت، ثلاثة أشهر. توقفنا في كازابلانكا بمعسكر للمهاجرين، هناك اوقف العرب الهجرة. لم يسمحوا بالهجرة لأنهم لم يريدوا بأن ينضم اليهود إلى الصهاينة بأرض إسرائيل ويحاربوا ضد العرب. انتظرنا دورنا بينما انضم المزيد والمزيد من الناس حتى كاد المعسكر يتفجر، الحياة هناك كانت صعبة جداً جداً. بعد ثلاثة أشهر صعدنا على متن سفينة، من كازابلانكا إلى فرنسا، إلى معسكر في مارسيليا. بعد شهر اكملنا طريقنا إلى البلاد. أذكر بأن المطر كان قوياً، خيمتنا امتلأت فقالوا لنا بأن علينا مغادرتها لأننا “سوف نهاجر غداً إلى إسرائيل”. أخلينا الخيمة بسرعة ووضبنا حقائبنا وبتنا في تلك الليلة بالكنيس. كل الليلة جلسوا ودرسوا التوراة. في الغد انطلقنا إلى حيفا.

خرجنا لنرى ما هذا، اين نحن، والديَ كانا مصعوقان.

أنا كنت ما أزال بنتاً واعتقدت بأن هذا معسكر مهاجرين آخر. بأننا سنسافر بعد قليل إلى أرض إسرائيل، هذه ليست أرض إسرائيل

خلال تواجدنا على متن السفينة سألوا أهلي أين نريد أن نسكن. أنا تحدثت الفرنسية وترجمت لأهلي. عائلتنا كانت كبيرة، 8 أولاد، وكل ما طلبه والدي هو مكان يستطيع فيه اعالة العائلة باحترام. اذا أمكن في اللد لأن لدينا أقارب في الرمله واللد. فقالوا اها.. هذه مدينة.. غير مناسبة لكم. ولكن لدينا مدينة خاصة نقترحها عليكم، وهي مدينة كبيرة، مثل كازابلانكا، حيث سيكون لديك الكثير من امكانيات العمل: ديمونا. فقال والدي ان كان بإمكاني أن اعيل اولادي بإحترام، فلتكن ديمونا.

وصلنا الى الميناء. فقط الآن أتذكر فلم أفكر في ذلك حتى اللحظة. أذكر بأننا وصلنا ورأينا مدينة حيفا، أرض إسرائيل بشحمها ودمها، النساء بدأن يزغردن أما الرجال فراحوا يصلوا.. الجميع كان سعيداً وفرحاً بوصولنا إلى أرض إسرائيل. أهلي ركعوا ليقبلوا الأرض طبعاً. كانت هناك شاحنة بانتظارنا، كانت فيها رائحة بصل، شاحنة زراعية. صعدنا إلى الشاحنة، أعطونا ساندويشات جبنة لم نأكلها قط.. لم تكن لدينا شهية للأكل ولا أي شيء آخر، أردنا أن نصل إلى ديمونا فقط.

مشينا منذ الصباح، ومشينا ومشينا، أين ديمونا؟ (تضحك).. واصلنا الطريق بعد بئر السبع. صحراء خالية من الحياة! لا شجر ولا نباتات ولا شيء. حسناً، وصلنا إلى ديمونا. خرج كل السكان فجأة لاستقبالنا. كان هناك سكان وصلوا منذ 55 (ديمونا تأسست عام 55)، ومن بينهم رأينا بعض العائلات من مدينتنا، من سفرو. جاؤوا بسرعة، لم يتركوا لنا مجالاً للتلكؤ. بدؤوا بإنزال الأغراض مباشرةً وأعطونا من الوكالة فرشات قش وأسرة حديدية- وقالوا لنا هذا عنبركم. كان الوقت مساءاً، ليلاً، لم نرى شيئاً. في صباح الغد قمنا، نظرنا إلى اليمين- رمل. الى اليسار، الى الخلف والأمام- رمل برمل، لا يوجد شيء. بضعة عنابر فقط. وأمامنا مجموعة من بيوت الحجر. خرجنا لنرى ما هذا، اين نحن، والديَ كانا مصعوقان.

أنا كنت ما أزال بنتاً واعتقدت بأن هذا معسكر مهاجرين آخر. بأننا سنسافر بعد قليل الى أرض إسرائيل، هذه ليست أرض إسرائيل، هذا.. انتقالي. في كل يوم كنت أسأل والديَ: متى سنصعد إلى أرض إسرائيل؟ أمي كانت تصرخ كفى! (تضحك) كفى! هذه أرض إسرائيل! بعد ذلك أخذني والدي إلى المدرسة، أربعة عنابر. تقدمت للامتحان، كان هناك امتحان قبول- كل من يعرف القراءة ذهب إلى الصف الرابع. لم يكن هناك صف أول او ثاني أو ثالث. كل الكبار، فوق جيل 14 و15، ذهبوا إلى الصف الخامس. دخلت إلى الصف، كنت في التاسعة وكان هناك أبناء 11 سنة، 12، 13، كلنا تعملنا بصف واحد. كان شعوري فظيعاً. انا تعلمت في مدرسة فيها عشب، مدرسة أنيقة، نظيفة، فيها ممرضة ومدير.. مدرسة ممتازة. أما هنا فلم يكن شيء من هذا. كنت حزينة جداً، كل الوقت كنت حزينة. هذه كانت الحياة في “المعبرة” (معسكر القادمين الجدد).

شرطي يوجه السير على شارع بئر السبع-ديمونا الجديد، 1955 (تصوير: موشيه فريدمان)

أبي رفض البقاء في ديمونا بشكل قاطع. أمي كانت تبكي طوال الوقت، أختي الكبيرة التي كانت ابنة 16 لم تستطع الذهاب إلى المدرسة او أي شيء آخر. كن يبكين طوال الوقت، أمي وأختي. أبي قرر تجريب حظه (تضحك) في شراء بيت باللد. أحضرنا القليل من المال، أقاربنا في اللد ساعدونا، قمنا بشراء بيت حجر. اها.. بيت عربي.. في اللد. ثم سافرنا، أحضرنا شاحنة، أخذنا كل أمتعتنا. قبل ذلك كان قد ذهب إلى الوكالة وصرخ وتم توقيفه في الشرطة. لم يرد البقاء في ديمونا، لم يكن لديه ما يقوم به هنا، كان نجاراً ممتازاً.

ما المشكلة في المغادرة؟

لم يكن ذلك ممكناً. لا يوجد شيء من هذا القبيل بأن تنتقل، أين ستسكن؟ أنت بحاجة لمنزل. لم يعطونا. فذهب إلى بئر السبع للوكالة وطلب- قال لهم لا يمكنني البقاء هنا، لا عمل هنا، أنا نجار مهني.

لماذا اوقفوه؟

لأنه صرخ، اوقفوه في الشرطة. قال لهم حسناً، حتى تعطونا كما قلتم مدينة مثل كازابلانكا، أريد مدينة مثل كازابلانكا. صرخ وصرخ. في النهاية قالوا له حسناً، سوف نطلق سراحك ونعطي تعليمات لإعطائك بيت في بئر السبع. أعطونا عنبر كالذي كان في ديمونا، اعطونا اياه في بئر السبع. والدي ذهب ليرى العنبر الذي كان سكانه قد تركوه للتو وانتقلوا إلى مبنى ثابت على ما يبدو. عندما جاء ليرى العنبر اكتشف بأنه تم اقتحامه (تضحك). لم نستطع قبوله. ماذا كان سيفعل بعد أن رأى بأن احدهم اقتحم الشقة، يحارب مرة أخرى؟ يذهب إلى الشرطة مجدداً؟ عدنا إلى ديمونا وبدأنا نرتب أمورنا لشراء بيت في اللد، فاشترينا البيت العربي في اللد وانتقلنا.. أهلي أحضروا شاحنة.. وانتقلنا في يوم خمسيني.. حر رهيب. أمي وصلت الى هناك، أنزلنا كل أغراضنا حتى انتبهت فجأة للحر، لم تستطع الجلوس. نظرت فرأت بيوت عرب.. حتى الظل هناك لم يكن أفضل. أنا غير مستعدة للبقاء هنا بأي شكل من الأشكال، قالت. صممت- أريد أن اعود الى ديمونا (تضحك)، فعدنا أدراجنا إلى ديمونا. أحضروا الشاحنة، نفسها التي أنزلت أغراضنا وعدنا إلى ديمونا. في صباح اليوم التالي قال والديَ، هذا هو، نحن في ديمونا.

غداً الاربعاء (28.12 الساعة 21:00) ستقام امسية في سينماتك تل أبيب يستعرض الكتاب خلالها المشروع ضمن سلسلة لقاءات تحت عنوان “التاريخ الشرقي- الناقص في الصورة”. لتفاصيل اوفى اطلعوا على صفحة الحدث على الفيسبوك.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.