عامين على رحيل نوعم كمينر: المحارب واليهودي الآخر

سيرة نوعم كمينر تغطي قسطاً كبيراً من تاريخ ما يسمى “اليسار الإسرائيلي”، ذلك الذي عرف نفسه كصهيونياً وذلك الذي تنازل عن صهيونيته وانضم لحركات مثل الحزب الشيوعي. يهود قلائل فقط وعرب أقل ما زالوا يؤمنون بأن العالم لن ينجو إلا اذا خرجوا يداً بيد ضد الاستغلال والقمع
جواد بولص

 

“كم هو مؤسف هذا الموت قبل الأوان”، كتب لي قبل سنتين صديقي نبيل عندما أبلغني بحزن عن موت نوعم كمينرعن عمر يناهز ال-61 عاماً. نوعم، شريكنا في حركة “كامبوس” في الجامعة العبرية بسنوات السبعين لم يتوقف عن إيمانه بطريقه على مدى أربعة عقود، ورحل تاركاً ورائه سمدار، زوجته المحبة وشريكته بالحياة والدرب، وولديه، متان وكرمل، اللذان يواصلون طريقه ويخلصان لميراثه الانساني.

محمد بركه كتب على صفحته الشخصية عن امسية اقيمت بذكرى مرور عامين على رحيل نوعم شارك فيها، إلى جانب بركه، أصدقاء كانوا شركاءً في النضال اليهودي-العربي بتلك الأيام. الأمور التي كتبت حول الأمسية شحذت ذكرياتي المبهمة من جديد.

تلك الأيام كانت بمثابة عصر المواجهة الحامية بيننا وبين رواد حركة “كستل”، حركة طلاب يمينية عنصرية ادعت بأنها تمثل “الليكود” في الجامعة. من بين قيادييها في حينه برز تساحي هنجبي، يسرائيل كاتس وايفت ليبرمان. هؤلاء نجحوا في احتلال العناوين في حينه بفضل تطاولهم المنفلت على الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية وعلى حلفائهم اليهود، ومن بينهم نوعم كمينر، لف جرنبيرغ، اودي ارنون وغيرهم الكثير ممن آمنوا بالنضال المشترك وبالحاجة للتصدي معاً لتلك القوات الغاشمة خاصة في سياق النضال ضد الاحتلال منذ سنة 1967.

קמפוס1
مظاهرة في حرم جبل المشارف

للأسف الشديد لم يكتب حتى الآن بشكل منهجي عن التجربة الطلابية في تلك السنوات الواقعة بين بداية السبعينات ومنتصف الثمانينات ولا عن الأحداث المهمة التي شهدتها تلك الفترة. الحركة الطلابية العربية حققت نجاحاً في حينه في تنظيم صفوفها وأظهرت نضوجاً في احد أهم الحراكات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الأحرام الجامعية. قيادييها  نجحوا في بناء ومأسسة لجان قوية للطلاب العرب في كل الجامعات بإسرائيل تنافست على رئاستها حركتان: “جبهة الطلاب العرب” التي كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي صاحب التوجه الدولاني مركب هام فيها، ومقابلها “حركة أبناء البلد” صاحبة التوجه القومي.

سيرة نوعم كمينر تغطي قسطاً كبيراً من تاريخ ما يسمى “اليسار الإسرائيلي”، أيضاً ذلك الذي عرف نفسه كصهيونياً وأيضاً ذلك الذي تنازل عن صهيونيته وانضم لحركات مثل الحزب الشيوعي الذي استقطبت حركة الشبيبة التابعة له نوعم في صغره. معظم المشاركين في امسية الذكرى شددوا على ما آمن به نوعم ورفاق دربه وأجمعوا بأن هناك حاجة، أمام قلة عدد هؤلاء الأصدقاء، لإحياء درب النضال العربي-اليهودي المشترك ولمعارضة قوى اليمين المتطرفة، المهمة الصعبة والهامة من الدرجة الأولى. هذه المهمة هي شرط لا بد منه في حياة هؤلاء الذين يؤمنون بالشراكة الحقيقية، بالمشاركة السياسية المتساوية، بالحاجة لإنهاء الاحتلال، لإرساء السلام الحقيقي ولتحصيل الحقوق المدنية والقومية للأقلية العربية في إسرائيل.

لست أدري ماذا حصل بالسنوات الأخيرة: لماذا تغيرت طرق العمل بلا رجعة ولماذا خفت صوت الطلاب والطالبات العرب في جامعات إسرائيل. ورغم أنني بعيد عملياً عن الأجواء الحقيقية هناك فأنا أشعر، مثلي مثل الكثيرين، بتغيير جوهري بوتيرة النشاط وبأشكاله. هناك أيضاً من يستصعبون حتى الآن تقبل الغياب المؤلم لانجازات جيل المؤسسين في تلك السنوات العاصفة.

يبدو من الطبيعي بأن يتأثر عالم الاحرام الجامعية بالمعطيات والتحولات الاجتماعية، السياسية وغيرها التي تطرأ من حوله. صعود الحركات الإسلامية، تشكل جيوب عديمة الانتماء القومي الحقيقي (الأمر الذي لم يكن بزماننا)، تضعضع قوة استقطاب الجبهة امام الصوت القومي المتصاعد- كل هذه أثرت كثيراً على العلاقات بين حركات الطلاب العربية واليهودية المستعدة للتحالف ضد اليمين على تعدد أذرعه وتنوعه: وفي معظم الحالات أدت حتى إلى اختفاء هذه الحركات نهائياً.

קמפוס2
من اليسار- نوعم كمينر في مظاهرة من أجل رافضي الضمير في حرب لبنان الاولى (تصوير “عل همشمار، 19.11.82)

من يستعيد سيرة حياة نوعم يلاحظ بأنها كانت مختلفة وخاصة، وقد يجد بها دلالة للحائرين وجواب لكل سؤال تقريباً. نوعم عكس دون شك صورة المحارب واليهودي الآخر الذي لا يكل أمام الفشل ولا يستسلم لليأس رغم الصعوبات والزلات. لا يمكن أن نكون منصفين تجاه هذه الظاهرة في الاحرام وفي حياة الطلاب دون أن نشير إلى الأمراض المزمنة لليسار الإسرائيلي والتي أدت إلى فشل الكثير من النضالات: التردد، مشاعر الفوقية المضرة، النزعة الانفصالية، الانتهازية، وازدواجية الموقف لدى الأفراد والجماعات. هذه عناصر أثرت كثيراً على نجاح النشاط المشترك او على فشله منذ ان أقيمت حركات التضامن: هذا ما كان في حالة اللجنة من أجل قرية بيتا الفلسطينية، التي خضعت للحصار في تلك الأيام، في حركة التضامن مع جامعة بير زيت ونشاط حركة “كامبوس” التي كانت لها وظيفة خاصة جداً في تلك الأيام.

نوعم بادر إلى إقامة عشراك التنظيمات السياسية والاجتماعية: كلما فشلت احداها سارع إلى اقامة واحدة جديدة. هذا ما قام به حتى يوم مماته. لقد ترك ورائه ميراثاً غنياً وتجربة ضخمة قلائل هم من يستطيعون تقليدها وجيلاً من الشباب الذين ينظرون اليه كمثال وقدوة ويسلكون طريقه: من بينهم برز ابنه متان الذي يرفض الخدمة في جيش الاحتلال ويدفع الثمن بحريته ليلبي نداء ضميره: تماماً كما تعلم من والده.

نوعم ترك ورائه عائلة تريد أن تحيى وتترك الآخرين ليحيوا بحرية، بكرامة وبشراكة كاملة لا تشوبها شائبة. بداية طريق نوعم بنهاية سنوات السبعينات كانت يهودية مترددة حتى تعلم عبرته واستفاق. حيث رفض مواصلة الخدمة في جيش الاحتلال بعد أن شهد الدمار الذي يزرعه الجيش والمعاناة التي يتسبب بها لضحاياه. ثم اعتقل عدة مرات بسبب رفضه الخدمة بالجيش وفضل بأن يدفع الثمن بحريته على أن يكون شريكاً في الحرب ضد العدل والقيم الانسانية. وقف نوعم بثبات وبكل وضوح وحزم ضد الاحتلال، وآمن من كل قلبه بالحاجة للشراكة الحقيقية الكاملة مع المواطنين العرب في إسرائيل. لقد بقي شاباً خالداً، لم يشخ ولم ينحني يوماً.

נעם קמניר
نوعم كمينر، 1970

“لماذا انكسر قلبنا هكذا لموت نوعم؟”، سألني صديقي بينما ذكرني بأننا لم نلتقي به منذ سنوات كثيرة. كم منا لم يعد يؤمن بمبدأ الدولانية السامي، على الأقل ليس بتلك الطريقة الرومانسية والساذجة لتلك الأيام عندما وقفنا إلى جانب نوعم وأصدقائه وصرخنا بأعلى صوتنا بوجه اليمين: “الفاشية لن تمر” و- “أخوة يهودية عربية”!.

كثير من أصدقاء نوعم اليهود هجروا دربه عملياً وابتعدوا عما آمنوا به ونادوا به سوية بأعلى صوتهم عندما كانوا شركاء في حلم السلام لحركة “الكامبوس” ولنضالات أخرى. كان هناك من كفروا أيضاً بمبدأ الشراكة الدولية وبمبدأ المصير الانساني الواحد، ومثلهم أصدقاء عرب سأم بعضهم من السياسة والساسة، واختار بعضهم عالم الأعمال او ظلوا الطريق، بعضهم وجدوا الراحة في الوعود السماوية أما بعضهم الآخر فامتثلوا تحت راية القومية العربية. يهود قلائل فقط وعرب أقل حتى ما زالوا يؤمنون بأن مستقبل الكرة الأرضية لن ينجو إلا اذا مشوا يداً بيد بشراكة حقيقية إلى جانب كل المعارضين للاستغلال والقمع.

لم أتواجد في الأمسية التي أقيمت لذكراه في تل أبيب لكنني أعرف بأن نوعم رحل في اوقات الشدة تاركاً ورائه جزيئات من الايمان والأمل تبحث عن من يتقصاها ويتعقبها. ربما استفاق بعضهم في تلك الامسية عندما تذكره الكثير من الأصدقاء الحالمين وبينهم صديقه محمد بركه، الذي أصبح اليوم رئيس لجنة المتابعة للجماهير العربية في إسرائيل، والذي يؤمن بالشراكة التي حلم بها نوعم وبمستقبل أفضل رغم الظلمة التي تحيط بنا اليوم.

المشكلة، للأسف، تبقى دائماً لدى هؤلاء الذين لا يرون ضوء الشمس ومن غير الواضح كيف سيتلمسون طريقهم في العتمة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.