أهلاً وسهلاً في عصر ما بعد الحقيقة

قبل سنوات من ولادة مصطلح “ما بعد الحقيقة” وقبل أن يتنبأ أحد بصعود ترامب بالولايات المتحدة- كان بنيامين نتنياهو قد أسس منهاجاً كاملاً للعب على الحبل الممتد بين الحقيقة والكذب. رد نتنياهو على قرار الامم المتحدة الأخير مثله مثل الكثير من تصريحاته السابقة- احتفال مستمر للألاعيب الدعائية وأنصاف الحقائق
نوجا ايتان

 

قبل سنوات من ولادة مصطلح “ما بعد الحقيقة”، الذي يشير إلى تجاهل الحقائق الموضوعية لصالح الهيجان، العاطفة والايمان، وقبل أن يتنبأ أحد بصعود ترامب كرئيساً للولايات المتحدة- كان بنيامين نتنياهو نبياً في مدينته. في الأزمنة التي سبقت الفيسبوك وصحيفة “اسرائيل اليوم”، عندما كان ما يزال هناك فصل بين الحقائق والمواقف وكانت الصحافة المطبوعة ما تزال ربحية- أبحر نتينياهو بسهولة في منطقة المشاع بين الحقيقة والتلفيق وبين الألاعيب الدعائية والحياة نفسها. رئيس قسم التعليم والذاكرة في معهد وايزمان، بروفيسور يدين دوداي، قال مرة في معرض مقابلة مع “يديعوت أحرونوت” بأن “بيبي هو مثال لإنسان مع ذاكرة مختلقة”. والقصد هو هؤلاء الناس الذين يكررون أكاذيبهم مرة تلو الأخرى لخدمة مصلحة محددة او للتلاعب بالبيئة حتى يصدقوها هم بأنفسهم.

المصادقة على اقتراح القرار ضد المستوطنات وفرت لنتنياهو فرصة لنوبة غضب دبلوماسية لا سابق لها غطت، ولو لوقت قصير، على الجدل حول “قانون التسوية” (قانون تنظيم المستوطنات) وحول قضايا أخرى سيجري، على ما يبدو، التحقيق بها في الشرطة بالأيام القريبة. قرار الأمم المتحدة رقم 23344 أفضى أيضاً إلى عرض خفة تنقطع له الأنفاس على الحبل الممتد بين الحقيقة والكذب- احتفال للألاعيب الدعائية، أنصاف الحقائق وتشويه الواقع التاريخي. علاقات نتنياهو المركبة مع الحقيقة جهزت الترسانة التي كان بحاجة لها- لكي يحول إسرائيل للضحية المطلقة، لصياغة ادعاء سياسي مزيف ولشق صدع في العلاقات مع عضوات مجلس الأمن للأمم المتحدة.

هكذا، على سبيل المثال، قبل ساعة من خروجه للحرب ضد العالم، هاجم نتنياهو بشدة نفاق المجتمع الدولي: “فكروا في هذه العبثية، نصف مليون انسان يذبحون في سوريا”، قال. “الشرق الاوسط كله يحترق لكن حكم اوباما ومجلس الأمن يختارون بالذات الانشغال بالديمقراطية الوحيدة بالشرق الاوسط”. الحقائق: قبل يوم من التصويت على القرار، أجري تصويت في الأمم المتحدة على اقتراح قرار يؤكد على أهمية التحقيق بجرائم الحرب في سوريا. نتنياهو أصدر تعليماته لممثلي إسرائيل لكي يتغيبوا عن التصويت بسبب صفقة، مختلقة هي الأخرى على ما يبدو، مع بوتين. نتنياهو أعلن هذا الأسبوع أيضاً بأن اسرائيل ستمتنع عن تحويل 30 مليون شيكل مخصصة لمؤسسات فلسطينية للأمم المتحدة، ذلك من ضمن العقوبات الشديدة التي ستتخذها إسرائيل بحق الدول الجامحة. الحقائق: نتياهو أعلن عن هذا العقاب المعين بعد أسبوع بالضبط من تحويل اسرائيل للأموال للأمم المتحدة.

فقط في الصيف الأخير احتفل نتنياهو بعصر جديد من التناغم والوفرة مع دول العالم. أما هذا الأسبوع  فقد أعلن بأن “قرار الأمم المتحدة هو جزء من “أغنية البجعة” للعالم القديم المتحيز ضد إسرائيل”

نتنياهو ادعى بحرقة بأن من قاد اقتراح القرار كان اوباما، الرئيس الامريكي الأكثر عدائية لإسرائيل على الاطلاق والذي حاول فرض شروط غير واقعية للاتفاق الدائم. لكن نتنياهو يعرف جيداً بأن هذه ليست المرة الاولى التي تمتنع فيها الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو على تصويت بمجلس الامن. عملياً، كافة الأنظمة في الولايات المتحدة أيدت حل الدولتين منذ سنوات السعين. كل رؤساء الولايات المتحدة بالعقود الثلاث الأخيرة، وبينهم ثلاثة رؤساء جمهوريين، امتنعوا عن استخدام الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن المتعلقة بعدم قانونية المستوطنات وبتعامل إسرائيل مع السكان الفلسطينيين بالأراضي المحتلة. حكم اوباما، في المقابل، استخدم الفيتو خمس مرات ضد قرارات غير مريحة لإسرائيل.

نتنياهو والجوقة التي تحيطه من اليمين تصر على أن التصويت بالأمم المتحدة كان بمثابة خطوة انتقامية وشريرة تم التخطيط لها جيداً لتكون نغمة الختام لولاية اوباما وبأنه لا توجد أية علاقة بينه وبين قانون التسوية المستفز. الحقيقة، بمعناها الأصلي، تؤكد غير ذلك: “المستوطنات غير قانونية وفق القانون الدولي وتبعدنا عن حل الدولتين الذي يريد الجميع رؤيته”، قال السفير البريطاني للأمم المتحدة، ماثيو رايكروفت، بعد أسبوع من التصويت على القانون وقبل أيام من المصادقة على قرار الامم المتحدة. “نحن قلقون بشكل خاص من قانون تنظيم الأراضي والذي سيجعل البؤر (الاستيطانية) في الضفة الغربية “قانونية” بأثر رجعي. اذا تقدم اقتراح القانون ستكون هذه ضربة جدية لاحتمالات حل الدولتين. سيهيأ ذلك الطريق لنمو المستوطنات في عمق الضفة ويخلق المزيد من الاحباط، غياب الأمل والغضب وسط الفلسطينيين”.

فقط في الصيف الأخير احتفل نتنياهو بعصر جديد من التناغم والوفرة مع دول العالم. خلال جلسة خاصة عقدت في أعقاب تقرير مراقب الدولة حول نشاط وزارة الخارجية التي وقف على رأسها تفاخر: “إسرائيل تخترق الساحة الدولية. كل من يتابع يرى ذلك. يتحدثون عن العزلة؟ أية عزلة؟ لقد أملنا بأن تتحقق هذه النتائج التي نراها اليوم منذ أن اقيمت  الدولة.. انطلاقة لإسرائيل لم نشهد مثلها من قبل”. أما هذا الأسبوع  فقد أعلن بأن “قرار الأمم المتحدة هو جزء من “أغنية البجعة” للعالم القديم المتحيز ضد إسرائيل”. “لكننا على أعتاب عصر جديد”، أضاف. “في العصر الجديد سيكون هناك ثمن أكبر بكثير لمن يحاول المس بإسرائيل، وستتم جباية الثمن ليس فقط بيد الولايات المتحدة إنما أيضاً بيد إسرائيل”. أهلاً وسهلاً في عصر نتنياهو وترامب- عصر ما بعد الحقيقة. اذا ما خاطرنا وصدقنا بنيامين نتنياهو- فقد أصبح ذلك رسمياً.

نتنياهو لا يدع الحقائق تقف بطريقه 

لنذكر هنا، أمام الذاكرة القومية القصيرة او المختلقة، بأن نتنياهو فاز بالانتخابات الأخيرة التي أجريت بعد مقتل رابين بفرقية بضعة مقاعد. ولقد نجح في تهدئة رجال المركز المرتبكين بعد أن بشرهم بأنه يقبل اتفاقيات اوسلو. بعد بضعة سنوات من ذلك، شرح كيف قضى على اتفاقيات اوسلو مع سبق الإصرار ووضع لها حداً. هكذا قضيت على اتفاقيات اوسلو، قال في 2001 خلال محادثة غير رسمية.

نتنياهو حول مزحة قيلت خلال زيارته لايطاليا في 2005 لحقيقة تامة عندما أعلن بأنه عرض عليه أن يكون وزير مالية ايطاليا. “قررت البقاء هنا”، شرح، “في هذه الاوقات الحاسمة، اوقات الحسم بمواضيع المجتمع والاقتصاد”. أما في 2009 فادعى بأنه لم يصوت يوماً لصالح خطة الانفصال (عن غزة) مع أن الحقائق تظهر بأنه صوت لصالح خطة الانفصال بثلاث مرات مختلفة. عام 2011، أعلن نتنياهو أمام هيئة الأمم المتحدة بأن “الفلسطينيين يرفضون الحديث عن اتفاقيات أمن” رغم أن الفلسطينيين أرسلوا له بواسطة المبعوث ميتشل اقتراح مفصل حول الترتيبات الأمنية. في نفس المناسبة، ادعى نتنياهو بأن “الفلسطينيين يرفضون الاعتراف بدولة يهودية”. الحقائق، كما قدمها عكيفا الدار بالتفصيل، بأن الفلسطينيين قدموا في تلك الأيام بالتحديد لأمين الامم المتحدة طلبهم الرسمي للاعتراف بدولة فلسطينية بحدود 67 إلى جانب دولة إسرائيل.

قبل نصف عام تقريباً، بعد أن نقلت دبابة شاركت في حرب لبنان الاولى إلى إسرائيل بواسطة بوتين، أعلن نتنياهو عبر صفحته على الفيسبوك: “زوجتي ساره وأنا شاركنا في احتفال مؤثر بمناسبة إرجاع الدبابة التي سقطت بأسر السوريين بمعركة سلطان يعقوب بحرب لبنان الاولى. هذه الدبابة هي الشهادة الوحيدة للجنود الذين فقدناهم في تلك المعركة: زخريا باومل، تسفي فلدمان ويهودا كاتس. نحن نبحث عن محاربينا منذ 34 عام ولن نتوقف حتى ندفن جثامينهم في دولة إسرائيل. لعائلات كاتس، فلدمان وباومل لم تكن هناك قبور لتزورها على مدى 34 عام. الآن ستكون لديهم هذه الدبابة: شيء من بقايا معركة سلطان يعقوب يستطيعون زيارته في إسرائيل ولمسه ولمس ذكرى ابنائهم”.  ولكن اتضح بسرعة بأن الحديث ليس عن الدبابة التي حارب بها المفقودين، الحقيقة التي كان من المفترض بأن يعرفها نتنياهو، انما بخدعة مشتركة لنتنياهو وبوتين. “نتنياهو يلعب بالروليت الروسية”، قالت فرحية هايمن، اخت يهودا كاتس احد المفقودين، في أعقاب القضية. “ربما لديه صلاحية قضائية من هذا النوع او ذك ليبقى رئيساً للحكومة ولكن ليست لديه صلاحية أخلاقية”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.