جولة في أعماق الأرض مع ميري ريجف

هكذا تحول بغمضة عين شارع روماني عتيق مشى فيه أناس من أديان، أجناس وأعراق مختلفة، إلى شارع لليهود فقط- ليس مجرد يهود إنما هؤلاء الذي يصعدون إلى بيت المقدس.
يونتان مزراحي

 

“لم أعتقد بأنني سأنفعل بهذه الصورة”، قالت الوزيرة ميري ريجف. “مستر برزيدنت براك اوباما. أنا أقف هنا، في الطريق التي مشى فيها آباء آبائنا قبل ألفي سنة. لا يوجد شعب آخر في العالم لديه صلة كهذه ببلاده. لا الاوكرانيين ولا النيوزلنديين ولا الانغوليين. لا يوجد شعب في العالم لديه علاقة ببلاده كعلاقة الشعب اليهودي بأرض إسرائيل” (هآرتس، 27.12.16).

هذا ما أدلت به ريجف في شرقي القدس خلال حفل افتتاح طريق “عولي هريجل” (أي: الحجاج)- شبكة الأنفاق التي تحفر منذ سنوات تحت بيوت القرية الفلسطينية سلوان. هدفها، وهدف المحتفلين، كان الاحتفاء بانطلاق احتفالات اليوبيل لتوحيد القدس، دعم المستوطنين بشرق المدينة وتهييج جمهور ناخبيها من أعماق الأرض بتصريحات سياسية ضد العدو اللدود المناوب. كم هو مناسب هذا العمل لعيد “الحانوكا”(عيد الأنوار اليهودي)(!).

من تحت الأرض يسهل نسيان القرية الفلسطينية المكتظة، المهملة، التي تناضل منذ سنوات طويلة من أجل حقوقها الأساسية. الأنفاق التي يتم حفرها بواسطة سلطة الآثار لصالح (الجمعية اليهودية الاستيطانية) “العاد” تكشف عن مقاطع من شارع عتيق يعود تأريخه، بحسب من ينفذون الحفر، وبالأساس بحسب السياسيين الذين يقصدون المكان للمشاركة بالطقوس التي يتم تنظيمها هناك بين الفينة والأخرى، لبيت المقدس الثاني، قبل ألفي سنة. في هذه المناسبات عادةً ما يقوم السياسيين بالتأكيد على حق شعب إسرائيل بأرضه. السياسيان الطموحان اللذان تواجدا في الاحتفال هذة المرة- ميري ريجف ونير بركات (الذي يدير حملته الانتخابية لمركز “الليكود” من مكتبه كرئيس البلدية)- ركزا على العلاقة التاريخية كتبرير للاحتلال، وادعيا بأن العالم كله يجب أن ينزل إلى بطن الأرض ليري آثار الشارع العتيق، على اعتبار بأن هذا لوحده كافي ليظهر للجميع لمن تعود البلاد حقاً.

الشارع الذي تم الكشف عنه يحكي القليل القليل عن القومية والقدسية. لكن ميري ريجف ورجال “العاد” يعرفون بأن القصص التي لا تحكي عن حروبات اليهود ضد العدو القوي والشرس، عن القدسية اليهودية أو عن الحق التاريخي لا تثير الخوف والمشاعر الجياشة بما فيه الكفاية.

لكن الشارع الروماني الذي حفر كان شارعاً رئيسياً مشى فيه أناس كثر- وليس بالضرورة يهود- وشهد حركة نشطة- ليس بالضرورة مقدسة أو يهودية- إلا أن هذا الروتين المليء بالحياة والمثير للفضول ليس جيداً بما فيه الكفاية. الشارع الذي تم الكشف عنه في سلوان ليس مقدساً. على العكس، هو العلمانية بعينها. في العصر القديم، وقفت مباني مقدسة ومباني عامة علمانية على طول الشوارع الرئيسية. لكن المبادرين لحفر الشارع ومعهم السياسيين يفضلون اسم “طريق عولي هريجل”، فهكذا يتحول الشارع بغمضة عين من شارع روماني عتيق مشى فيه أناس من أديان، أجناس وأعراق مختلفة، إلى شارع لليهود فقط- ليس مجرد يهود إنما هؤلاء الذي يصعدون إلى بيت المقدس، المتشددين من أبناء الشعب اليهودي.

في حالة الحفريات التي أمامنا لا يمكن أن نتجاهل بأن ما نشر كان قليلاً جداً. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نشير إلى إشكالية طريقة الحفر التي اعتمدت بالأنفاق- الحفر الأفقي هو طريقة مثيرة للجدل في البحث منذ مئة عام. فهذه الطريقة تعتبر غير دقيقة، مدمرة وتصعب على فهم الطبقات المختلفة والفترة التي استخدمت فيها. في المئة عام الأخيرة تتم الحفريات الأثرية من أعلى السطح إلى عمق الأرض، وإذا تعذر الحفر بصورة منظمة فمن الأفضل ترك الموقع كما هو. هناك من سيدعي “ولكن يوجد هناك مكتشفات هامة”، ولكن لأن هذه الطريقة ليست طريقة حفر علمية ودقيقة، يبدو بأن الحديث عن طريقة مريحة لخلق واقع متخيل- تتواجد من فوقه بيوت فلسطينية. وعلينا أن نضيف هنا بأنه يجب وضع علامة سؤال على تأريخ الشارع فهناك احتمال وارد بأنه قد بني بفترة متأخرة أكثر من القرن الاول بعد الميلاد.

الانطباع، من القليل الذي نعرفه، بأن الحديث عن شارع بني بشكل جيد وربط بين جنوب المدينة ومركزها. في العالم الروماني عامةً وفي القدس خاصةً لم يكن هناك فصل حسب ديانات أو شعوب. من ناحية الرومانيين، كل من قبل سلطتهم كان بإمكانه أن يعيش في مناطقهم ويمشي في شوارعهم. تماماً كما يمشي الجميع اليوم بالشوارع الرئيسية للمدينة: المتدينين والعلمانيين، الإسرائيليين، الفلسطينيين والأجانب، أبناء الديانات، الألوان والأجناس المختلفة.

بناءً عليه، الشارع الذي تم الكشف عنه يحكي القليل القليل عن القومية والقدسية. لكن ميري ريجف ورجال “العاد” يعرفون بأن القصص التي لا تحكي عن حروبات اليهود ضد العدو القوي والشرس، عن القدسية اليهودية أو عن الحق التاريخي لا تثير الخوف والمشاعر الجياشة بما فيه الكفاية- على الأقل ليس لدرجة أن تجعل جماهير كاملة في إسرائيل تؤيد السياسية القومجية والمتعصبة التي يقودونها. السخرية بأن الشارع الذي يعود لفترة بيت المقدس الثاني بحسبهم هو المكان الذي يحكون فيه القصص عن المتعصبين الذين حاربوا الرومان. هذا التعصب في حينه، قبل ألفي سنة، لم يتكلل بالنجاح بالضبط.

عالم آثار ومدير منظمة “عيمك شافيه”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.