ثقافة داعشية أم شوفينية؟

الجدل حول حالة الشابة ليان صالح التي قتلت خلال العملية الارهابية الأخيرة في اسطنبول يؤكد كيف نفشل، مرة تلو الأخرى، في الدفاع عن حقوق النساء بالمجتمع: ليس الحديث عن ثقافة داعشية بل عن ثقافة شوفينية عامة تسعى إلى تكريس الفوقية الذكورية بكل ثمن.
عبد ابو شحادة

 

الشابة ليان ناصر ابنة ال-19 عام سافرت إلى اسطنبول للاحتفال برأس السنة الميلادية لكنها لقيت حتفها عندما قام مسلح بالدخول للمكان الذي تواجدت به وقتل 39 انساناً بالعملية الارهابية الأخيرة التي ألمت بالمدينة. ولكن لأن ليان امرأة فقد أثار موتها جدلأ يبدو أيديولوجياً بين النشطاء العرب حيث ذهب البعض إلى اتهامها لأنها سافرت لقضاء الوقت رغم أن الشريعة تمنع سفر المرأة إلى خارج البلاد لوحدها متجاهلين تماماً مشاعر العائلة التي فقدت ابنتها للتو بهذه الظروف الصاعقة: في المقابل، اعتبر نشطاء يساريين عرب بأن هذه الاتهامات تنم عن ثقافة داعشية بالمجتمع العربي مدعين بأن هذه الثقافة شائعة بين الكثيرين من معارفنا وأصدقائنا على الشبكات الاجتماعية. هؤلاء يؤمنون بأن المشكلة بالتعامل التمييزي تجاه النساء تكمن في الحلقات الدينية ويرفضون أن يروا كيف لا يتردد اليسار العربي عن اتهام الضحية عندما يخدم ذلك أهدافه السياسية.

لا علاقة لهذة الحالة بالخلافات الأيديولوجية انما بكسب الأرباح السياسية: هذا، أيها الأفاضل،  يجب أن يسمى بالنفاق والجبن من اتخاذ الموقف الصحيح حتى اذا ما كانت لذلك انعكاسات سياسية.

اذا ما قررنا مراجعة حالات الموت وسط الشباب بشكل شامل، سنجد بأن جزءاً كبيراً من حالات القتل بالمجتمع العربي يعود للجريمة. كجزء من تجربتي كمن ترعرع في يافا، ومن تجربة من ولدوا بسنوات الثمانين خاصةً، فقد تعرفت، للأسف الشديد، عن قرب على حالات القتل في المدينة والتي راح ضحيتها أصدقاء ومعارف. منذ بداية سنوات التسعين، لقي حوالي ال- 80 شاب حتفهم، بعضهم كان في المكان غير المناسب بالوقت غير المناسب، بعضهم راح ضحية الفقر والإجرام أما بعضهم الآخر فكانوا أناس سيئين بكل معنى الكلمة عاشوا على حساب معاناة أبناء عائلاتهم وجيرانهم. الناس في المدينة يعرفونهم ويعرفون بأنهم تاجروا بالمخدرات، سرقوا، قتلوا او قاموا بجباية “ضرائب رعاية”. مع ذلك، في اليوم الذي لقوا حتفهم فيه كان هناك اجماع على عدم ذكر الأعمال السيئة التي اقترفوها بحياتهم والتركيز على الجوانب الايجابية. في المقابل، في كل مرة تكون القتيلة فيها امرأة يتحول النقاش لنقاش “موضوعي” حول الحقائق والتحليلات العقلانية بينما يسمح الناس لأنفسهم بتحليل أسباب مقتل الشابة واتهامها بمقتلها حتى ولو أنه لا يخطر في بالهم بأن يفعلوا ذات الشيء عندما يكون الحديث عن شاب حيث تتموه الحقائق أمام المشاعر والتفهم.

اين كان نشطاء لوحة المفاتيح عندما قتل القتلة؟ هل فكروا للحظة بأن يكتبوا مشاركات على الفيسبوك تبرر قتلهم؟ عندما لقي شباب حتفهم تحت تأثير المخدرات او الكحول، هل كتبوا بأنهم يستحقون هذا الموت لأن الشريعة تمنع تعاطي الكحول بشكل قاطع وواضح جداً؟ بالطبع لم يفعلوا ذلك، فهم يعرفون بأنهم سيدفعون الثمن إن قاموا بذلك. ولكنهم لن يعترفوا بهذا بل سيدعوا بأن “الانسان مات، وليسامحه الله ويساعد أبناء عائلته”. هذا بحد ذاته عمل ايجابي باعتقادي فهؤلاء الشباب لم يعودوا بين الأحياء ولا يوجد أي سبب لأن تعاني عائلاتهم من ذم ابنائها. ولكن علينا أن نتساءل هنا لماذا في حالة ليان، الشابة التي لم تمس بأحد ولم تقم بأي عمل سيء، ليس بمقدورهم أن يتحلوا بنفس الرأفة التي يظهرونها تجاه الشباب الذين مسوا بأنفسهم وبالناس من حولهم.

لست من أتباع الادعاء الذي يرفعه اليسار العربي والذي يؤمن بأن هذه من نتائج الثقافة الداعشية بل أعتقد بأنها من نتائج الثقافة الشوفينية وسط النشطاء الرجال الذين يستغلون أي منظور ديني أو علماني لكي يكرسوا الفوقية الذكورية بالمجتمع بكل ثمن، وهذا ما يجعل الأمر أسوأ! ففقط قبل فترة وجيزة رأينا كيف لم يتردد رجل يساري ليبرالي من حزب يدعي بأنه يؤيد حقوق النساء بإهانة امرأة خلال محادثة فيسبوكية فقط لأنها لم توافق معه، وفي النهاية أصبح هو الضحية من كل القصة على اعتبار بأن الهجوم عليه لم يكن إلا بسبب مواقفه السياسية.

حالة ليان تظهر كيف نفشل، مرة تلو الأخرى، في الدفاع عن حقوق النساء بالمجتمع ونقوم، عوضاً عن ذلك، باستغلال حالات المس بالنساء لتعزيز قوتنا السياسية. لا علاقة لهذة الحالة بالخلافات الأيديولوجية انما بكسب الأرباح السياسية: هذا، أيها الأفاضل،  يجب أن يسمى بالنفاق والجبن من اتخاذ الموقف الصحيح حتى اذا ما كانت لذلك انعكاسات سياسية. النشطاء من بيننا الذين يؤمنون بالتغيير الاجتماعي يعون بأن وظيفتنا ليست بأن ننتصر بالمعركة السياسية أو بأن يمس واحدنا بالآخر إنما بأن نبني مجتمعاً يشعر فيه كل واحد منا بالراحة مع نفسه ومع محيطه ويحصل على معاملة منصفة بغض النظر عن كونه رجل او امرأة. كلنا نستحق الرأفة فنحن، لمن نسي، لسنا إلا بشراً.

ناشط وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  1. عبد المنعم

    السلام عليكم ، اولا الاسلام يحرم قتل الابرياء و لنا في سنة حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم الحجة الضامغة حين حرم قتل الطفل و الشيخ و الاعزل … و اقتلاع الاشجار و هذا في الحرب .فما بالك في غيره ؟!.هذا من جهة ،من جهة اخرى الانسان عندما يكون حيا عاقلا و جبت دعوته الا الله بالحسنى اما و قد مات فليس من اخلاق المسلمين ان نذكرهم بسوء فالله عز و جل هو من يغفر سبحانه و هو من يدخل النار و هو من يدخل الجنة … السيدة ماتت و ما فعلته يبقى بينها و بين ربها … لا يضرنا نحن في شيء فما لنا نحشر انوفنا في ذكر عيوب الناس .. غفر الله لها عفر الله لها غفر الله لها … و رحمها فرحمته وسعت كل شيء … و السلام