هكذا ينفض "اليسار" الإسرائيلي يده من المسؤولية

الموقعين على العريضة التي نشرت ضد قانون التسوية يسعون إلى الحصول على شرعية وسط الجمهور الإسرائيلي كوطنيين حقيقيين، وبالأساس إلى انكار دورهم في نشوء النظام العنصري والقومجي بحدود 67. اذا لم ينبذ رؤيته الكولونيالية- سيستمر اليسار الإسرائيلي بهزيمة نفسه وبإفشال امكانية السلام
أبو ليلى (سمير الأحمد)

 

العريضة التي نشرت في أعداد نهاية الاسبوع لجريدة “هآرتس” و”يديعوت احرونوت” ضد قانون التسوية (قانون تنظيم المستوطنات) والتي وقع عليها أكاديميون، رجال ثقافة ورجال جيش إلى جانب بعض الأسماء العربية التي بدت كالزينة، هي مثال واضح للرؤية الكولونيالية والعنصرية لمعسكر السلام في إسرائيل. من المرجح بأن بعض الموقعين اكتفوا بالعنوان وأسرعوا لإضافة توقيعهم دون أن يقرؤوا المضمون.

يجب تذكير هؤلاء وأمثالهم وكل البقية بأنه لا يوجد مثيل لمعسكر “اليسار” الإسرائيلي في كل تاريخ الكولونيالية ولا في تاريخ اليسار العالمي. فقط في إسرائيل الكولونيالية، كل من يعرف كيف ينطق كلمة “سلام” أو يعلن عن موقف مؤيد لمى يسمى “حل الدولتين”، يتم تتويجه فوراً كرجل\امرأة سلام. ولكن عملياً فهذا المعسكر هو نفسه المسؤول عن النكبة، الترانسفير، التطهير الاثني، مشروع السرقة الكبير، أعمال الذبح الفظيعة، هدم مئات المدن والبلدات الفلسطينية وكذلك عن مصنع الاستيطان.

منذ هزيمة هذا المعسكر في ال-77، يصمم هذا على منافسة اليمين المتطرف والقومجي في ملعبه. أي: بدون عرب ومن خلال التأكيد على طهارة الشعب اليهودي (الانفصال عن الفلسطينيين، الحفاظ على الأغلبية اليهودية- هذه فقط جزء من الشعارات المؤسسة لمعسكر “السلام” الإسرائيلي): يسار لا يتجرأ على صياغة بديل حقيقي للرؤية اليمينية العنصرية ويغمز اليمين في كل تصريح صادر عنه ويصلي بأن ينجح في استقطاب الناخبين دون أن يضطروا لتغيير مواقفهم ودون أن يأبه بتحدي الخطاب الإسرائيلي المهيمن الكولونيالي. هذا هو السبب لعدم قيام معسكر “السلام” حتى اليوم بصياغة بديل مفاهيمي للرؤية الكولونيالية الإسرائيلية. هذه البدائل قائمة ولكنها تتواجد في هوامش المجتمع، وسط مجموعات صغيرة جداً تسمى هنا “اليسار الراديكالي”.

يحصل مرة في كل عقد بأن تستفيق قلة إسرائيلية متغطرسة ومتعجرفة، وبالأساس عنصرية بغطاء ليبرالي، لتقوم بصياغة عريضة\وثيقة\ميثاق (كميثاق طبريا، وثيقة جنيف، دستور بالوفاق، والآن الوثيقة الكولونيالية ضد قانون التسوية)- جميعها دون استثناء تقصي الفلسطينيين وتبجل السيطرة اليهودية الأبدية. الحلم الإسرائيلي بالترانسفير لم يغب عن أي من هذه الوثائق.

في الاعلان الذي نشر بنهاية الأسبوع كتب، من بين أمور أخرى: “قيادة قومجية متطرفة وواهية، يشارك بها متعصبون متدينون ومتعصبون قوميون، ستضطرنا في القريب للاختيار بين العيش تحت حكم الأغلبية العربية التي تتشكل بين البحر والنهر- وبين حكم شبيه بالأبرتهايد يعمتد على كراهية الغرباء وقمع الخصوم”. فقرة واحدة صغيرة تشمل أيضاً رؤية كولونيالية وأيضاً عنصرية وأيضاً كذب وتستر على الحقيقة.

اذا لم يقم هذا “اليسار” اليهودي بنبذ رؤيته الكولونيالية العنصرية، يتوقف عن غمز اليمين، يعترف بجرائم الصهيونية، فسيستمر بهزيمة نفسه وبتخليد النظام الكولونيالي وإفشال أية امكانية لحل سلام يعتمد على العدل والمساواة.

المبادرين للعريضة يحذرون\يتخوفون\يتوعدون الجمهور اليهودي من “العيش تحت حكم الأغلبية العربية” في حال تم ضم الضفة الغربية. هؤلاء المحترمين يعلنون بأنهم يريدون الحفاظ على الأغلبية اليهودية الأبدية وعلى المواطنين العرب كأقلية أبدية. حسناً، كيف ستقومون بذلك، أيها المحترمين والمحترمات؟ هناك أغلبية عربية منذ اليوم في حدود 67 (يهود-عرب وفلسطينيون مواطنو إسرائيل). أيضاً بدون “الأغلبية الحالية” هذه، هناك إمكانية، من ناحية نظرية على الأقل، بأن تتشكل أغلبية عربية داخل حدود إسرائيل (حدود 67)، كيف تخططون بأن تمنعوا ذلك؟ ربما بواسطة الترانفسير؟ المشكلة بحسب من صاغوا العريضة هي ليست التخوف من الفاشية او العنصرية إنما من “الأغلبية العربية”. هذا تصريح ليس فقط عنصري إنما أيضاً قومجي متطرف مليء بالكراهية للآخر.

ولكي يبددوا الشكوك فهم يوضحون للجميع بأن الأغلبية الأبدية التي تضمن طهارة الشعب اليهودي والأقلية الأبدية (إن بقيت هناك أقلية) هي “الامكانية الوحيدة لمستقبل دولة إسرائيل الديمقراطية والمتنورة”، ذلك  لأن الديمقراطية والتنور هي حكر على أبناء الشعب المختار ولا تليق تماماً بالعرب.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد فمن صاغوا العريضة يغلطون ويكذبون حول طابع النظام الحالي القائم بإسرائيل. فهم يذكرون بأن قانون التسوية سوف يضعهم أمام امكانية لاختيار العيش تحت حكم يشبه الأبرتهايد- وكأن نظام الأبرتهايد لا يتواجد اليوم داخل إسرائيل والضفة الغربية: ما معنى كل البلدات اليهودية التي نصبت بمنطقة وادي عارة والجليل على أراضي عربية وهي التي تحيط بالبلدات العربية، تخنقها وتمنع تواصلها وبالأساس تمنع عنها أية امكانية للتطور المستقبلي؟ كم من الأراضي صودرت من المواطنين العرب منذ اقامة الدولة “لاحتياجات الجمهور” أو بحجج أخرى؟ مع العلم بأن “الجمهور” في كل هذه الحالات كان، بشكل عجيب، يهودياً فقط! أليست هذه من مميزات الأبرتهايد؟ وماذا عن الشوارع المنفصلة في الضفة الغربية، الشوارع التي يسمح للسيد اليهودي باستخدامها فقط؟

هؤلاء الذين يلبسون قناع اليسار والليبرالية لا ينسون على طول العريضة بأن يغمزوا اليمين وينفضوا عن أنفسهم تهمة اليسارية. فهذا ما يكتبونه: “اليمين المتطرف والراديكاليين المعادين للصهيونية من اليسار المتطرف- اجتمعوا سوية ليقنعوننا بأن الاحتلال نهائي”. هم يضعون اليمين المتطرف واليسار الراديكالي بنفس السلة ويستنكرونهم مدعين بأنهم يفشلون حل الدولتين. حتى اذا ما تجاهلنا هذه الكذبة، من الصعب بألا نتساءل عن حاجتهم القوية للحصول على شرعية من خلال تجنيد شعارات اليمين نفسه وتبني خطاب نتنياهو-بنيت-ريجف-شاكيد. فاليسار “الراديكالي المعادي للصهيونية” لم يعارض عملياً حل الدولتين. صحيح بأن جزءاً منه يدعم حل الدولة الواحدة المشتركة بصيغ مختلفة ولكن حتى هذا الجزء لا يعارض حل الدولتين.

ماذا تخدم اذاً محاولة التفريق بين من صاغوا العريضة البائسة وبين أية صفة “يسارية”، من جهة، وبينهم وبين “المستوطنين”، من جهة أخرى؟ لقد جاء ذلك لتحقيق غرضين: الأول، إضفاء الشرعية على أنفسهم كوطنيين حقيقيين ورجال مركز يستخدمون مصطلحات ومعتقدات اليمين لكي يكونوا مقبولين على الأغلبية العنصرية في البلاد: الثاني، انكار دورهم في نشوء النظام العنصري القومجي بحدود 67 ونفض يديه من أية مسؤولية عن الظلم والجرائم الفظيعة التي اقترفت هنا. هذا هو نفس التكتيك الذي يسمح للفنانين الليبراليين الذين يسكنون في بيوت عربية سرقت من سكان عين حوض بعد أن طردوا من قريتهم الاحتجاج ضد المستوطنات في الضفة الغربية ومن ثم الذهاب للسكر في المطعم الذي أقيم فيما كان مسجد أهالي عين حوض والنوم الهانئ بعدها بضمير مرتاح واكتفاء ذاتي.

اذا لم يقم هذا “اليسار” اليهودي بنبذ رؤيته الكولونيالية العنصرية، يتوقف عن غمز اليمين، يعترف بجرائم الصهيونية، فسيستمر بهزيمة نفسه وبتخليد النظام الكولونيالي وإفشال أية امكانية لحل سلام يعتمد على العدل والمساواة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.