الأبرتهايد داخل إسرائيل: ليس مجرد شعار سياسي

تدير سلطة أراضي إسرائيل 94% من أراضي الداخل الفلسطيني، وتستعمل هذه الأراضي لإقامة بلدات لليهود فقط ولتنفيذ مشاريع التهويد. رغم أن هذا الموضوع لم يحظى باهتمام دولي فالحديث ليس عن مجرد تمييز عادي ضد مواطنين- هذا هو الابرتهايد بعينه.
جهاد أبو ريا

 

نحو 70 بالمئة من البلدات في الداخل الفلسطيني هي ” لليهود فقط “، ويمنع المواطنين العرب من السكن بها. هذه السياسة مستمرة منذ اقامة دولة اسرائيل وحتى اليوم، اختلفت وتبدلت الطرق والوسائل ولكن الهدف لم يتبدل: اقامة بلدات ” نظيفة من العرب “، بلدات لأصحاب العرق والدم اليهودي فقط. هذا ليس مجرد تمييز عادي ضد مواطنين، هذا هو الابرتهايد بعينه، رغم ذلك لم يحظ هذا الموضوع بالاهتمام الدولي ولم تحاسب إسرائيل عليه قط.

94% من أراضي الداخل الفلسطيني تديرها سلطة أراضي إسرائيل، وتتواجد هذه الاراضي بملكية ثلاث مؤسسات: الاولى دولة إسرائيل وتملك 69% من أراضي الداخل، هذه الاراضي ورثتها عن حكومة الانتداب أو تم الاستيلاء عليها بادعاء أن لا مالك لها أو تمت مصادرتها: الثانية سلطة التطوير وتملك 12% من الأراضي، ونقلت هذه اليها من الحارس على أملاك الغائبين على أنها أملاك مهجرين فلسطينيين: والثالثة هي أراضي الصندوق القومي اليهودي وتبلغ نسبتها 13%، الجزء الاصغر منها كان قد استولى عليها او اشتراها قبل قيام دولة إسرائيل أما الجزء الأكبر فهي أملاك مهجرين فلسطينيين، كان قد حصل عليه “هدية” من قبل حكومة إسرائيل بعد إقامة الدولة ضمن ما يعرف بصفقة المليون الاولى وصفقة المليون الثانية.

هذه الاراضي تستعمل لخدمة اليهود فقط، لإقامة بلدات لليهود فقط ولتنفيذ مشاريع التهويد. عندما يتعلق الأمر بأراضي بملكية الصندوق القومي اليهودي فان سلطة اراضي اسرائيل تعلنها بشكل صريح أنها لليهود فقط ولا يمكن بيعها وتأجيرها لمن هم غير اليهود، بادعاء أن الصندوق القومي اليهودي هو “شركة خاصة” ويمنع بحسب دستوره بيع أو تأجير أرضه لمن هم غير يهود. أما عندما يتعلق الأمر بأراضي دولة اسرائيل أو سلطة التطوير فتستعمل سلطة أراضي إسرائيل الطرق الملتوية، طرق الخداع، للوصول إلى نفس الهدف.

عام 1995 تقدمت عائلة قعدان من باقة الغربية بطلب لاقتناء قسيمة أرض وإقامة بيت لها في بلدة “كتسير” المجاورة. الجواب الذي حصلت عليه كان صريحاً وواضحاً- بأنه لا يمكنها ذلك لأنها عائلة عربية، ولا يسري في عروقها الدم اليهودي. عندما طلبت العائلة ايضاحات من سلطة أراضي إسرائيل اتضح أن الأراضي التي تقوم عليها “كتسير” هي “أراضي دولة” تم تأجيرها لمدة 99 عاماً للمؤسسة المبادرة “الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل” التي توصلت لاتفاقية مع الجمعية التعاونية “كتسير” لإسكان أعضاء هذه الجمعية فقط في هذه البلدة.

عندما يتعلق الأمر بأراضي بملكية الصندوق القومي اليهودي فان سلطة اراضي اسرائيل تعلنها بشكل صريح أنها لليهود فقط ولا يمكن بيعها وتأجيرها لمن هم غير اليهود،  أما عندما يتعلق الأمر بأراضي دولة اسرائيل أو سلطة التطوير فتستعمل سلطة أراضي إسرائيل الطرق الملتوية، طرق الخداع، للوصول إلى نفس الهدف.

لم يكن هناك اي احتمال بأن تنجح عائلة قعدان العربية في مهمتها السكن في “كتسير”، فالجمعية التعاونية “كتسير” ترفض انضمام أعضاء عرب إليها، والوكالة اليهودية ترفض تأجير الأرض لمن هم غير يهود بادعاء أن دستورها يحتم عليها ذلك. بهذه الطريقة الفاشية نجحت إسرائيل بإقامة مئات البلدات في الداخل الفلسطيني تكون مفتوحة أمام اليهود فقط. عائلة قعدان لم تستسلم وقررت عام 1995 التوجه إلى محكمة العدل العليا التي قامت كعادتها في مثل هذه القضايا بالمماطلة عدة سنوات، وأصدرت قرارها عام 2000 بعدم شرعية رفض قبول عائلة قعدان على خلفيتها العرقية.

لم يكن بالحسبان أن تقوم المؤسسة الإسرائيلية بتغيير سياستها وفتح المجال أمام المواطنين العرب للسكن بشكل متساو في هذه البلدات، وكان من المتوقع ان تبحث عن سبل جديدة أكثر خبثاً ومراوغة للاستمرار في سياستها، وكان ذلك من خلال قرار جديد اصدرته ادارة دائرة أراضي إسرائيل بتاريخ 1.8.2004، يحمل رقم 1015، اقيمت بحسبه لجان قبول في البلدات التي تسكنها حتى 500 عائلة وفي البلدات الزراعية: صلاحية هذه اللجان بأن تتخذ القرار حول رفض أو قبول مرشحين جدد للسكن في هذه البلدات: تتكون كل لجنة من خمسة أعضاء، في البلدات الزراعية تقرر الجمعية التعاونية نفسها هوية اعضاء لجنة القبول أما في باقي البلدات فتضم اللجنة ممثل عن الوكالة اليهودية أو الهستدروت الصهيونية، مسؤول كبير في وزارة الاسكان، ممثل الجمعية التعاونية، ممثل المجلس الاقليمي وممثل الحركات الاستيطانية.

قرار 1015 يخضع 838 بلدة تشكل 70% من مجموع البلدات في الداخل الفلسطيني إلى لجان قبول: تسيطر هذه البلدات ومجالسها الإقليمية على 81% من أراضي الدولة، بمعنى أن هذا القرار يغلق هذه البلدات وهذه المساحة من الاراضي امام العرب ويجعلها تحت خدمة اليهود فقط: ليس لهذه اللجان أي اختصاص مهني لفحص مدى ملائمة المرشحين للسكن في هذه البلدات، ولم تكن صدفة أن هذه اللجان لم تقبل أية عائلة عربية، فمهمتها هي أولاً وأخيراً عدم افساح المجال أمام العائلات العربية. ليس هذا فحسب، فعندما تضم منطقة بلدة معينة أراضي بملكية عربية خاصة، فان هذا القسم من الأراضي يمنع السكن عليه ويتم الاعلان عنه كأحراش أو كأراضي زراعية وليست أراضي سكن، حتى تبدو قسائم العرب كجزر داخل بحر: من جهتها، تعمل سلطة أراضي إسرائيل كل ما بوسعها لمبادلة هذه الأراضي، وإذا لم تنجح فإنها تهدد بمصادرتها من اصحابها العرب.

عام 2006 تقدمت عائلة زبيدات من سخنين بطلب للسكن في بلدة “ركيفت” الموجودة في المجلس الاقليمي “مسجاف”. لجنة القبول في “ركيفت”، كما هو متوقع، رفضت طلب العائلة العربية في قرار تندف منه رائحة عنصرية. بعد ذلك تقدمت عائلة زبيدات عام 2007 بالتماس إلى محكمة العدل العليا انتقدت فيه قرار لجنة القبول وانتقدت شرعية قرار دائرة أراضي إسرائيل اعطاء صلاحية للجان قبول بحيث يكون لها القرار في منع المواطنين العرب من السكن في 70% من البلدات، باعتباره قراراً عنصرياً مناقضا لأبسط حقوق الانسان.

عام 2011، وبعد أن أسمعت المحكمة العليا ملاحظاتها حول عدم شرعية قرار 1015 والتعديلات التي اتت من بعده، اتخذت الحكومة الاسرائيلية خطوة استباقية حيث تقدمت بمشروع قانون تحت اسم “تعديل قانون الجمعيات التعاونية( رقم 8 )- لجان القبول” شرعنت من خلاله لجان القبول وأعطتها الصبغة القانونية. في اعقاب ذلك تقدم مركز عدالة- المركز القانوني لحقوق الاقلية العربية في إسرائيل- بالتماس ضد هذا التعديل إلى محكمة العدل العليا بادعاء ان هذا التعديل غير دستوري إلا أن المحكمة في قرارها عام 2014 رفضت الالتماس معتبرة أن هذا القانون الذي يهدف إلى تنفيذ مشروع الفصل العنصري هو دستوري.

نعود ونكرر أن ما يحصل في الداخل الفلسطيني ليس مجرد تمييز ضد جزء من مواطنين- إنه تنفيذ لمشروع أبرتهايد.

محامي وناشط، مؤسس مجموعة “فلسطينيات”.

*نشر المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية على موقع “Middle East Monitor”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.