محاكمة اليؤور ازاريا: ورقة التوت التي تغطي عورة الاحتلال

قضية الجندي اليؤور أزاريا الذي أعدم الشاب الفلسطيني عبد الفتاح الشريف بالخليل هي بمثابة الشاذ الذي يدل على القاعدة: مئات الجرائم وعمليات الاعدام والقتل التي قام بها الجنود الإسرائيليين بحق الفلسطينيين وتم التغاضي عنها وعدم التحقيق فيها. محاكمة أزاريا الآن ليست إلا ورقة التوت التي تغطي عورة الاحتلال.
جهاد ابو ريا

 

بتاريخ 24.3.2016 قام الجندي الإسرائيلي اليؤور ازاريا بإعدام الشاب الفلسطيني عبد الفتاح الشريف البالغ من العمر 21 عاماً  بدم بارد وهو ملقى على الارض لا يشكل خطراً على أحد في تل الرميدة وسط مدينة الخليل. لسوء حظ هذا الجندي فإن الكاميرات في المكان رصدت ووثقت عملية القتل لحظة بلحظة بينما تجول من حوله في الموقع ضباط الجيش، مما حتم على سلطات الجيش البدء في التحقيق ضد هذا الجندي وتقديم لائحة اتهام ضده بتهمة القتل غير المتعمد.

منذ ذلك الحين أثارت القضية عاصفة قوية داخل المجتمع الإسرائيلي بين المؤيدين لمحاكمة الجندي أزاريا والمعارضين لذلك: لم تكن هناك أصوات تدين عملية الاعدام والقتل نفسها بل كان الجدل حول الضرر الذي قد تتعرض له صورة الدولة والجيش الإسرائيلي في حالة عدم تقديم لائحة اتهام ضد القاتل.

قبل عدة أيام، ذنبت المحكمة العسكرية في يافا الجندي بجريمة القتل غير المتعمد. في شريط الفيديو الذي رصد عملية الاعدام يظهر سائق سيارة الاسعاف الإسرائيلية عوفر اوحنا وهو يصرخ ” لم يمت، أطلق الرصاص على رأسه”: بعد أن يتقدم هذا بسيارته للتستر على عملية الاعدام، يقوم الجندي الإسرائيلي بإطلاق النار على رأس عبد الفتاح الشريف ويرديه قتيلاً. لم تقدم لائحة اتهام ضد سائق سيارة الاسعاف جراء دوره في عملية الاعدام حيث اكتفت النيابة العسكرية بتقديم لائحة اتهام ضد الجندي بتهمة القتل غير المتعمد رغم أن كل الادلة تشير إلى القتل المتعمد. من متابعة هذه القضية منذ بدايتها داخل إسرائيل يظهر أن الصحافة الإسرائيلية لم تذكر الشهيد عبد الفتاح الشريف باسمه ونعتته بالفلسطيني أو بالمخرب ولم تتطرق إلى حالة عائلته بعد اعدامه بل اعتبرت الموضوع اسرائيلياً داخلياً.

من ينتظر صدور العدالة بحق الفلسطينيين من المحكمة العسكرية الإسرائيلية فهو يحلم: هذه المحكمة، ومقرها في “البيت الاخضر” الذي تعود ملكيته لأحد المهجرين الفلسطينيين من يافا، مسؤولة بأحكامها عن تثبيت الظلم اتجاه الفلسطينيين، وهي ليست إلا مجرد أداة أخرى تسعى إلى تبييض صورة الاحتلال.

مثل هذه الجريمة حدثت في السنوات الاخيرة في الاراضي المحتلة مئات المرات، لكن ذلك يتم عادة  في الظلام، دون توثيق ورصد مباشر مما يتيح لسلطات الجيش الاسرائيلي الامتناع عن التحقيق في هذه الجرائم. على سبيل المثال لا الحصر، فإن هذه الحالة تعيد إلى الذاكرة قضية استشهاد الشاب طارق النتشة، 18 عاماً في الخليل يوم 17.10.2015، الذي شوهد وهو يعتلي سيارة الاسعاف الإسرائيلية بحالة صحية غير حرجه، مع ذلك فقد أعلن عن وفاته بعد وصوله المستشفى، مما يؤكد رواية الفلسطينيين بأن المسعفين الإسرائيليين يشاركون في عمليات الاعدام. كما تعيد هذه الحادثة إلى الذاكرة قضية اعدام الشابة هديل الهشلمون، 18 عاماً يوم 22.9.2015، التي استشهدت في نفس المكان بعد أن أطلق جندي إسرائيلي 15 رصاصة نحوها (!)، وبعد ذلك تم تأخير وصول سيارة الاسعاف اليها ليتضح لاحقاً أنها لم تشكل أي خطر على الجندي: الجيش الإسرائيلي لم يقدم أية لائحة اتهام بحق من قام بإعدامها. وليس بالأمر المفاجىء بأن الجندي أزاريا ادعى خلال محاكمته بأنه ليس من العدل محاكمته بينما لم تتم محاكمة باقي الجنود الذين قاموا بنفس العمل، مؤكداً بأن الجميع يعلم أنه لو لم يتم توثيق عملية القتل بالفيديو لما تم تقديمه إلى المحاكمة أساساً.

تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه يعلون بخصوص الحاجة في اجراء تحقيق حول عملية القتل أدى إلى مزيد من التوتر مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، ومن ثم إلى استقالته من الحكومة بيوم 20.5.2015، حيث تعرض إلى الكثير من الانتقادات لموقفه هذا واتهم بمساندته ل”حقوق الانسان”(!). ومثله تعرض رئيس اركان الجيش الإسرائيلي، جادي ايزنكوت، إلى نفس الهجوم والانتقاد لسماحه باجراء التحقيق وتقديم لائحة الاتهام ضد الجندي. العبثية في الموضوع بأن هؤلاء- المسؤولين بأنفسهم عن تخطيط وتنفيذ مئات عمليات القتل والاعدام بحق الفلسطينيين- يتم “اتهامهم” من قبل جانب آخر من الإسرائيليين بأنهم يدعمون حقوق الانسان(!). النقاش داخل إسرائيل قد يخلق بلبلة ولذلك يجب التوضيح، مرة تلو الاخرى، والتذكير بأن قادة الجيش الإسرائيلي، ومن ضمنهم يعلون وايزنكوت، مارسوا جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بحق الفلسطينيين، وموقفهم من قضية أزاريا لن يحولهم إلى حمائم ولن يمحو من سجلهم الجرائم التي شاكوا فيها.

محاكمة الجندي أزاريا هي بمثابة الشاذ الذي يدل على القاعدة: مئات الجرائم وعمليات الاعدام والقتل التي قام بها الجنود الإسرائيليين بحق الفلسطينيين وتم التغاضي عنها وعدم التحقيق فيها. تقرير قدمته منظمة “يش دين” عام 2013، يظهر بأنه تم تقديم 240 شكوى ضد جنود إسرائيليين حول جرائم كانوا قد مارسوها بحق الفلسطينيين: الشرطة العسكرية الإسرائيلية قامت بالتحقيق ب-80 منها فقط، وفي نهاية المطاف لم يتم تقديم أية لائحة اتهام ضد أي من الجنود الاسرائيليين: هذا الامر يعود على نفسه في كل عام، فمن بين مئات الجرائم تكون لوائح الاتهام النادرة بمثابة ورقة التوت التي يغطي بها الاحتلال عورته ويستعملها أمام المجتمع الدولي ليقنعه بأن إسرائيل دولة قانون تعاقب من يخالف القانون- وبالتالي لا حاجة لملاحقته في المحاكم الدولية.

إلى ذلك، فمن نافل القول بأنه حتى في هذه الحالات النادرة التي يتم بها تقديم لوائح اتهام ضد جنود مارسوا جرائم بحق الفلسطينيين فإن عقوباتهم تكون مخففة جداً. جنود إسرائيليون كانوا قد صوروا انفسهم وهم يتمتعون بضرب وتعذيب أسير فلسطيني تسببوا له في اضرار جسمانية ونفسية بالغة تم اطلاق سراحهم بعد اقل من اربعة اشهر بالسجن. في حالة اخرى قام ضابط وجندي إسرائيلي بإعدام فتى فلسطيني- هو سمير عواد من رام الله الذي بلغ من العمر 16 عاماً- دون أن يشكل أي خطر عليهم: المحكمة العسكرية حكمت عليهم بالسجن ثلاث سنوات وقد تم اطلاق سراحهم بعد اقل من سنتين. في حالة الجندي أزاريا، القيادة السياسية الإسرائيلية لم تنتظر حتى صدور قرار نهائي بالقضية لتعلن عن نيتها إصدار امر بالعفو عنه وتبدأ بالتحضير للتوجه بهذا الشأن لرئيس الدولة: رئيس الحكومة الإسرائيلية نشر على صفحته على الفيسبوك انه يؤيد العفو عن الجندي ازاريا لينضم بذلك إلى وزرائه. حتى الذين دعوا في البداية إلى تقديم ازاريا للمحاكمة، أمثال شيلي يحيموفيتش من “المعسكر الصهيوني”، باتوا يؤيدون ذلك.

اذا كان لدى احد أي شك حول نوعية الديموقراطية الإسرائيلية، تأتي هذه الحالة لتؤكد مرة أخرى أن الديموقراطية الإسرائيلية خدعة كبيرة وغير حقيقية وهي مجرد “ديموقراطية من ورق”. من ينتظر صدور العدالة بحق الفلسطينيين من المحكمة العسكرية الإسرائيلية فهو يحلم: هذه المحكمة، ومقرها في “البيت الاخضر” الذي تعود ملكيته لأحد المهجرين الفلسطينيين من يافا، مسؤولة بأحكامها عن تثبيت الظلم اتجاه الفلسطينيين، وهي ليست إلا مجرد أداة أخرى تسعى إلى تبييض صورة الاحتلال.

 محامي وناشط، مؤسس مجموعة “فلسطينيات”. 

*نشر المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية على موقع “Middle East Eye”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.