"روح القائد": المصادقة على القتل مسبقاً

الحالة الوحيدة التي تمت فيها ادانة جندي بقتل مواطن منذ عام 2000 وحتى قضية اليؤور ازاريا كانت مقتل ناشط حقوق الانسان البريطاني توم هرندل: هذا يوضح كيف تجري الامور على أرض الواقع لا سيما وأننا نعرف حجم انتهاك حقوق الانسان بالأراضي المحتلة. مقابلة مع زيف شطهل من “يش دين”
اللسعة

 

ادانة اليؤور ازاريا بالأسبوع الماضي بالقتل غير المتعمد للشاب الفلسطيني عبد الفتاح الشريف اعادت إلى السطح النقاش الذي لا ينتهي حول وجود أعشاب ضارة في “الجيش الأكثر أخلاقية بالعالم”، ذلك مقابل كون جندي مثل ازاريا جزء من ماكينة مزيتة جيداً قام بما هو متوقع منه إن كان على مستوى الأجواء العامة او على مستوى الواقع اليومي- لكن الكاميرا ببساطة أمسكته.

يجدر بنا بأن نفتح العدسة إلى ما بعد هذة الحالة لنرى الصورة الكبيرة. فبحسب منظمة حقوق الانسان “يش دين”، تم في عام 2015 فتح 186 تحقيق جنائي في وحدة التحقيق بالشرطة العسكرية بشبهة مخالفات نفذها جنود بحق فلسطينيين. من ضمن هذه التحقيقات، تم اغلاق 120 ملف، 7 ملفات أدت إلى اتخاذ اجراءات تأديبية، وفقط 15 أدت إلى لوائح اتهام (من ضمنها 4 فقط من سنة 2015 أما البقية فتعود لسنوات سابقة). بحسب معطيات منظمة “بيتسلم”، قتل في ذلك العام 99 فلسطيني بالضفة الغربية بيد قوات الامن الإسرائيلية (23 منها بيد شرطيي حرس الحدود و- 76 بيد جنود)، وفي شرقي القدس قتل 17 فلسطيني آخرين- مع ذلك فقد تم فتح 21 ملف تحقيق فقط. ماذا كان مصير عشرات الحالات الأخرى اذاً؟.

“سياسة الجيش بالسنوات الأخيرة، ذلك بحسب تصريحات النائب العسكري العام، بأنه يجب فتح تحقيق في كل حالة يموت فيها مواطن نتيجة حدث لا يعرف كقتالي”، تقول لنا في مكالمة هاتفية زيف شطهل، مديرة قسم البحث في “يش دين”، وتضيف: “لكن ما يحصل عملياً بأن الجيش لا يفتح تحقيق في كل حدث يتم التبليغ عنه، على الرغم من السياسة المعلنة. هذه المشكلة لا تقتصر على التحقيق بحالات الموت: في جهاز فرض القانون العسكري بشكل عام، على العكس من الجهاز المدني (أي الشرطة) فتح تحقيق بشكل اوتوماتيكي هو ليس الزامياً. بل يجرى فحص يقرر في نهايته فتح تحقيق أم لا، وفي كثير من الحالات يتم اغلاق الملف قبل ان يتم التحقيق فيه.”

الواقع بالفترة الأخيرة يثبت بأن اليد سهلة على الزناد وبأن النيابة العسكرية- التي لا تفتح تحقيق غالباً- تصادق عملياً على القتل مسبقاً.

“عملياً، منذ سبتمبر 2000، عندما بدأت انتفاضة الأقصى، تم فتح 262 ملف تحقيق فقط في أعقاب حالات موت لفلسطينيين بيد جنود- ولكننا نعرف بأن الأرقام أكبر بكثير. من بين ال- 262 ملف التي فتحت، فقط 17 أدت إلى تقديم لائحة اتهام- من ضمنها تمت ادانة 1 بالقتل غير المتعمد، 4 بالخطأ و- 2 بالإهمال. البقية تمت تبرئتهم او ادانتهم بمخالفات لا علاقة لها بالموت مثل التصرف غير اللائق او أمور من هذا النوع.”

“أي حتى قضية اليؤور ازاريا، الحالة الوحيدة التي تمت فيها ادانة جندي بقتل مواطن منذ سنة 2000 كانت مقتل ناشط حقوق الانسان البريطاني توم هرندل عام 2003 في رفح. هذه المعطيات لوحدها كافية لتوضح كيف تجري الامور على أرض الواقع لا سيما وأننا نعرف ماذا يجري في الأراضي المحتلة ونعرف حجم انتهاك حقوق الانسان”.

هل حالة ازاريا شاذة بتلك الدرجة مقارنة بحالات قتل أخرى؟ لماذا حصلت على كل هذا الاهتمام؟

المعطيات التي حصلنا عليها من الناطق باسم الجيش تؤكد بأنه كان هناك ارتفاع بعام 2015 بحالات القتل ولكن ملفات التحقيق التي فتحت بالشرطة العسكرية، في المقابل، كانت قليلة جداً. لا يتم حقاً تنفيذ تلك السياسة التي تنص على فتح تحقيق بحالات الموت. الكثير من حالات القتل هي ما يسمى “احباط” متهمين بمحاولات طعن أو عمليات أخرى في اطار “انتفاضة الأفراد” او “السكاكين”، وأحياناً مواطنين أيضاً حدث بأنهم كانوا في موقع الحدث.

السبب الوحيد لوصول حالة ازاريا إلى المقدمة كان التوثيق. ادانته مفاجئة في سياق عمل وحدة التحقيق بالشرطة العسكرية والنيابة العسكرية- أيضاً في مخالفات أقل خطورة. فالتوجه العام هو عدم التقديم للمحاكمة: ففي كثير من الأحيان، يتم اغلاق ملفات دون تحقيق، او بعد التحقيق، وفي بعض الحالات يتم اختيار اجراءات تأديبية.

ماذا تستطيعين أن تقولي لنا عن “روح القائد” والأجواء والروتينية في مكان مثل الخليل؟ اي دور يلعب المستوطنون؟

بالإمكان القول بأن ما يجري في اطار الاحتلال، يجري في الخليل ولكن بقوة أكبر. بشكل عام، استطيع ان اقول بأن المستوطنين هم من يتواجدون في الميدان ويعرفونه بأحيان كثيرة أفضل من الجنود الذين يتغيرون طوال الوقت. أصحاب الوظائف من بين المستوطنين- مركزي الأمن وصفوف التأهب- يتسببون بخلل جوهري بعلاقات القوة، لأن الجيش يجب أن يكون هناك ويدير الأمور ولكن المستوطنين هم المدراء عملياً. وليس من المستغرب بأن ذلك يشعر الجنود بالبلبلة: من القائد ومن المواطن، من يقرر كيف تتم ادارة حدث معين، من يعطي الاوامر. هناك الكثير من الشهادات المصورة التي يظهر فيها مركزي الأمن وهم يعطون الاوامر بينما الجنود ينفذون- ليس فقط في الخليل- يغلقون مناطق، يطلقون النار.

هم ينظرون إلى انفسهم كأصحاب البيت والجيش يرضخ لهذا الأمر. الدفاع هو بشكل قاطع عنهم وليس عن الفلسطينيين. عندما يتحدث أحد مع جنود حول وظيفتهم بالضفة فهم يقولون بشكل واضح بأن وظيفتهم حماية السكان اليهود فقط، المستوطنين.

الجمهور الإسرائيلي يستصعب جداً سماع ما تقوله “بيتسلم”، “نكسر الصمت”، “يش دين” ومنظمات أخرى. هذه أمور كان يفضل ألا يعرفها، لذا فقتل الرسول أسهل من مواجهة ما لديه ليقوله.

عدا عن ذلك، ففي اوقات مثل هذه الفترة التي نتواجد بها- “انتفاضة الافراد” كما سبق وذكرت- يتم نشر تعليمات مخففة أكثر لإطلاق النار. الواقع بالفترة الأخيرة يثبت بأن اليد سهلة على الزناد وبأن النيابة العسكرية- التي لا تفتح تحقيق غالباً- تصادق عملياً على القتل مسبقاً. قد يكون هناك تبرير لبعض عمليات “الاحباط” هذه ولكن حقيقة عدم اجراء تحقيقات لا تمكننا ان نعرف ان كانت هذه هي الحال حقا. لهذا لم يفهم ازاريا ماذا يريدون منه- فروح القائد تقول بأنه يتم اطلاق النار ولا يتم التحقيق بالموضوع. هناك انواع عديدة لإطلاق النار وبالإمكان احباط الخطر دون القتل. ولكن عندما يعرف الجنود مسبقاً بأنه لن يتم فتح تحقيق، يفسح هذا المجال لإطلاق النار بشكل غير مسؤول، وهذا أقل ما يقال عنه.

كيف تدخل “يش دين” إلى الصورة في حالة انتهاك حقوق الانسان للفلسطينيين بالأراضي المحتلة؟

نحن نركز بدرجة أقل على المرحلة التي نفذت فيها المخالفة لأننا لا نتواجد في الميدان ولا امكانية لدينا لتوثيق المخالفات وهي تحصل تماماً، على العكس من “بيتسلم” مثلاُ. المجال الذي نركز عليه هو فرض القانون والتحقيق، أي مرحلة ما بعد وقوع الحدث. عندما نعرف عن الحدث، غالباً عن طريق ضحايا المخالفة أنفسهم، نلتقي بهم ليحدثونا عما جرى، نحصل على شهادات- مصورة اذا كان لديهم او غيرها- ونفحص الموقع. اذا ارادوا تقديم شكوى، نحن نساعدهم في تقديمها.

هذه مساعدة مهمة لأنه لا توجد عملياً محطات لوحدة التحقيق بالشرطة العسكرية في الضفة الغربية، والفلسطيني الذي يريد تقديم شكوى لا يستطيع القيام بذلك إلا عن طريق شرطة إسرائيل- وهذا يعقد الامور ويصعب عليهم. ما يجري عملياً عندما يريدون تقديم شكوى بأننا نتوجه للنيابة العسكرية التي تقوم بدورها بتحويل الملف إلى وحدة التحقيق بالشرطة العسكرية اذا ما رأت بأنه يجب فتح تحقيق. وعليه فحتى سؤال متناولية العدل هو سؤال مهم.

ما رأيك بتشكيك الجمهور الإسرائيلي بمصداقية منظمات حقوق الانسان مثل “يش دين” و”بيتسلم”؟ فبعض الناس يقولون بأنه تم تحرير تسجيل الفيديو (الذي يظهر فيه ازاريا وهو يعدم الشاب الفلسطيني)- وعامةً يصفون هذه المنظمات كمن “تحقد إسرائيل”.

الجمهور الإسرائيلي يحب اطلاق النار على الرسول. من السهل سحق من يأتي ويضع أمامك هذه المرآة غير اللطيفة بشكل خاص. لكن كل المعطيات التي تحدثنا عنها تعتمد على المعلومات المتوفرة لدى الناطق باسم الجيش. هذه ليست ملفات ادرناها نحن، بل هذه الارقام التي يحولها لنا الناطق باسم الجيش ولهذا من الصعب الادعاء بأننا نمس بالمنظومة- فالمعطيات تأتي من داخلها.

الجمهور الإسرائيلي يستصعب جداً سماع ما تقوله “بيتسلم”، “نكسر الصمت”، “يش دين” ومنظمات أخرى. هذه أمور كان يفضل ألا يعرفها، لذا فقتل الرسول أسهل من مواجهة ما لديه ليقوله.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.