خروج النواب العرب من الكنيست: مطلب الساعة

المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر يتواجد بمفترق طرق تاريخي فاذا كان بمقدور أعضاء الكنيست العرب تحقيق انجازات بسيطة هنا وهناك بالماضي فحتى هذا لم يعد ممكنناً اليوم. على خلفية عمليات الهدم الأخيرة، علينا أن نسأل أنفسنا وبصراحة إن بقي هناك أي معنى لتواجد النواب العرب في الكنيست؟
عبد ابو شحادة

 

بعد أزمة عمونا الأخيرة، والتي نجح فيها 40 مستوطناً بابتزاز ما يقارب ال- 150 مليون شيكل من الدولة، دب الاحباط باليمين الذي طالب، لا سيما بعد عملية الدهس في القدس، بالانتقام وحصل على ذلك: رئيس الحكومة التزم بشكل احتفالي بهدم بيوت فلسطينية، وفي صباح يوم الاربعاء الأخير وصلت قوات الأمن وهدمت 11 بيتاً في قلنسوة بالمثلث.

“مكاتب الحكومة لا تساعدنا. بالمرة. لماذا لم تتم المصادقة على الخطة الهيكلية التي وضعتها اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء ووزارة الداخلية منذ 2002؟ ماذا يتوقعون بأن يفعل الناس بأولادهم؟”، كان هذا تعقيب رئيس البلدية عبد سلامة الذي أعلن في نفس المناسبة عن استقالته. لجنة المتابعة العليا أعلنت عن اضراب شامل في المجتمع العربي كما نظمت مظاهرات في جامعة تل أبيب والجامعة العبرية بالقدس وفي مفترق كفر ياسيف، تلتها مظاهرات أخرى اكبرها تلك التي خرجت بقلنسوة بمشاركة الآلاف يوم الجمعة.

عدا عن برنامج “لندن وكرشنباوم” الذي استضاف رئيس القائمة المشتركة ايمن عوده، لم يقم الاعلام الإسرائيلي بتغطية الحدث بجدية: أحداث من هذا النوع أصبحت، كما يبدو، روتينية لدرجة أنها لم تعد خبراً مركزياً لما فيه الكفاية.

بدون رؤية سياسية ومن خلال تعميق الفجوات الاجتماعية، يعمل اليمين الإسرائيلي دون كلل لكي يحافظ على قوته السياسية عن طريق الشيء الوحيد الذي يتفوق به-المس المباشر بالمجتمع العربي لإرضاء الجموع المتعطشة للدماء. هذا النهج يقود المجتمع العربي الآن وللمرة الاولى ربما لمناقشة مشاركة قيادته في الكنيست بشكل عميق. في معرض مقابلة لقناة “الجزيرة”، قالت عضو الكنيست حنين زعبي بأنها لا تستبعد امكانية الاستقالة الجماعية، وبأنه حان الوقت للتفكير من جديد بطرق مقاومة أخرى: زعبي حثت النواب العرب بالوقت الحالي على عدم المشاركة في نقاشات الكنيست لعدة اسابيع.

كوننا جزء من الشعب العربي الفلسطيني يحتم علينا بأن نصبح قوة معادية ومفككة للكولونيالية مقابل القوة المحتلة. الخروج من الكنيست سيمكن من بناء برنامج مقاومة جديد يحصل على شرعيته من الشارع العربي الفلسطيني داخل وخارج الخط الأخضر- دون أية علاقة بالمؤسسات الرسمية.

المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر يتواجد بمفترق طرق تاريخي فاذا كان بمقدور أعضاء الكنيست العرب تحقيق انجازات بسيطة هنا وهناك بالماضي فحتى هذا لم يعد ممكنناً اليوم. انظروا مثلاً كيف اعتلت وزير القضاء اييلت شاكيد منصة الكنيست بنوفمبر الأخير ودون أن يرجف لها جفن قامت بالتصويت بشكل عكسي على نفس اقتراح القانون الذي تقدم به عضوان من المعارضة: دعمت اقتراح قانون عضو الكنيست كرين الهرار من “يش عتيد” وعارضت اقتراح قانون ايمن عوده فقط لأنه عربي.

اثر هدم البيوت بقلنسوة والذي اخرج إلى حيز التنفيذ بشكل واضح في أعقاب الاتفاقية مع سكان عمونا بشكل، يجب أن نسأل أنفسنا وبصراحة ليس فقط ما هو معنى مشاركة أعضاء الكنيست العرب إنما ما هي وظيفة كافة القيادة الفلسطينية داخل الخط الأخضر. رئيس الحكومة شعبوي وعنصري- هذا معروف، ولكن سيكون من الغباء اتهامه فقط وتجاهل دور بقية أعضاء الكنيست اليهود، من اليمين ومن اليسار، كلياً- هؤلاء الذين لا يترددون في الانضمام إلى القطيع عندما يرون بأن التحريض ضد المجتمع العربي يضيف لمكانتهم في الاستطلاعات. هكذا نجد بأن زهافا جلؤون حتى لم تتردد في توجيه اصابع الاتهام ضد العرب خلال موجة الحرائق الأخيرة: ربما أطلق سراح كافة المعتقلين- آخرهم فقط قبل عدة أيام- ولكن التحريض ما زال هناك في الخارج.

حان الوقت لتغيير جذور المقاومة وسط المجتمع العربي. القيادة تواجه معضلة مستمرة في هذا السياق: من جهة، من الواضح بأنه لم تعد فائدة من النضال عن طريق الكنيست ومؤسسات الدولة، ومن الواضح بأن قواعد اللعبة قد تغيرت بصورة دراماتيكية وبأن المواطنين محبطين من عدم قدرتهم على التأثير على العمليات السياسية: من جهة أخرى، القيادة ترفع علامات سؤال حول قدرتها على التأثير وقيادة المجتمع العربي لنضال شعبي يتطلب التضحية. بالأيام الأخيرة، مثلاُ، اطلقت انتقادات ضد الاضراب الذي أعلنت عنه لجنة المتابعة ليوم واحد: البعض تساءل، وبقدر من الموضوعية، عن مدى نجاعة الاضراب، وان كانت هناك امكانية للتفكير بطرق “خلاقة” أكثر: البعض الآخر أشار إلى الانتقائية التي انبثقت عن القرار فقد تم هدم 45 بيت بالأسبوعين الأخيرين في الجنوب، كما صدر 40 أمر هدم في جبل المكبر بالقدس كجزء من سياسة العقاب الجماعي- ولكن فقط بعد عمليات الهدم في قلنسوة قررت لجنة المتابعة ان “تصعد” خطواتها الاحتجاجية.

لكن النقد الذي يجب أن يقلق الجميع هو الطعن في شرعية لجنة المتابعة من اساسها لا سيما وأنها الجسم الذي يمثل كافة القوى بالمجتمع العربي- من الحركات الاسلامية وحتى الشيوعيين. هذا النقد ينبثق بالأساس عن الثقافة السياسية التي يمثلها رئيس بلدية الناصرة علي سلام، على سبيل المثال، والتي تتوقع من القيادة التركيز على المشاكل المدنية وعدم الانشغال بالمواضيع السياسية المشحونة (“هم لا يهتمون بنا- بل فقط بالفلسطينيين في الضفة وغزة”). ذلك على الرغم من أن المعطيات تظهر العكس مرة تلو الأخرى، فبحسب تقرير “صندوق ابراهام” الذي صدر مؤخراً حول عمل أعضاء الكنيست العرب يتضح بأن 97% من عملهم البرلماني يدور حول المجتمع العربي داخل الخط الأخضر. مع ذلك فهذا النقد يعكس الأزمة التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى بين التيار القومي-الفلسطيني وبين التيار الذي يؤمن بأن “الأسرلة” هي الحل للمشاكل- هذا الأخير غير مستعد للتنازل عن الفتات التي يحصل عليها من أجل الشعب الفلسطيني، ويحظى بتأييد قسم غير صغير من رجال الأعمال العرب الذين يرون العالم من منظور اقتصادي فقط ويفعلون كل ما بوسعهم لكي يحافظوا على الاوضاع القائمة.

هذا التوتر الذي بدأ يتراكم بالسنوات الأخيرة يحصل الآن على ابعاد ملموسة فاستمرار حشر المجتمع العربي في الزاوية لا بد أن يؤدي إلى تصادم لا مفر منه. كوننا جزء من الشعب العربي الفلسطيني يحتم علينا بأن نصبح قوة معادية ومفككة للكولونيالية مقابل القوة المحتلة. الخروج من الكنيست سيمكن من بناء برنامج مقاومة جديد يحصل على شرعيته من الشارع العربي الفلسطيني داخل وخارج الخط الأخضر- دون أية علاقة بالمؤسسات الرسمية.  كما قالت عضو الكنيست زعبي بجلسة لجنة المتابعة الأخيرة: “بعد اليوم، لا عودة إلى الروتين”. لان الروتين الذي يشمل هدم البيوت، تجاهل رؤساء البلدات العربية والتحريض ضد القيادة هو ليس روتيناً يجدر بنا أن نعود اليه. السؤال الحاسم هو هل سيكون بمقدور القيادة العربية بناء لجنة المتابعة من جديد بحيث تحظى بشرعية واسعة بما فيه الكفاية وتواجه التحديات التي تقف أمامنا ككل- أي الشعب الفلسطيني؟.

كلمة أخيرة- اذا ما نجحنا أم لا، لكل هؤلاء الذين يعتقدون بأن الوضع ليس جيد بما فيه الكفاية فقط، حان الوقت لتستوعبوا بأن الاوضاع ستصبح أسوأ، أسوأ بكثير، وعلى الجميع.

ناشط وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.