عمال البناء لم يعودوا مجهولي الهوية

48 عامل، غالبيتهم من الفلسطينيين، قتلوا في مواقع البناء بإسرائيل في سنة 2016: حتى مؤخراً مات هؤلاء في العتمة دون أن يعرف أحد تفاصيلهم. بفضل الائتلاف لمحاربة حوادث البناء بدأت القضية تحظى باهتمام جماهيري واسع ولكن التقصير الحكومي يحول دون تخفيض عدد القتلى والمصابين حتى الآن
هداس تجري

 

في هذه الصورة الصعبة تظهر جثة ربيع ابو ذيبة بعد أن سقط عن إسقالة في موقع بناء فندق “وست لجون” في نتانيا نهاية شهر آذار السنة الماضية. ابو ذيبة وجد ميتاً على شرفة العمارة حيث كان قد سجد لقضاء الصلاة بينما البحر يمتد في الخلفية. وقد استمدت عائلته بعض المواساة من موته المأساوي بهذه الوضعية التي كانت من ناحيتها بمثابة منة الهية ولكن لا مواساة بتاتاً في ظاهرة حوادث البناء في إسرائيل. فهذه تحدث كل الوقت بسبب الاهمال الاجرامي لا سيما وأن عمليات البناء في هذه المشاريع تستمر بالرغم من كل شيء حتى يتم تسكين اناس فيها لا تكون لديهم فكرة على الأغلب عمن دفع ثمناً باهظاً لكي يحصلوا على سكن او على مكان لقضاء اجازاتهم.

ابو ذيبة كان ابن 37 في موته وترك ورائه في طرعان، القرية التي خرج منها، امرأة وأربعة أولاد، أقارب وأصدقاء. في حالته كان الحديث عن مشروع لبناء عمارتين سكنيتين فاخرتين وفندق ولكن بغض النظر عن ذلك يجب أن يفهم الجمهور ما معنى هذه الحوادث التي يسمع عنها بهذه الوتيرة العالية: معنى ذلك بأن هناك من قتل على الشرفة التي تجلسون عليها الآن وتنظرون منها إلى البحر. هناك عمال يدفعون بحياتهم أحياناً لكي تبنى هذه العمارات ولكي نحصل على امكانية للجلوس على الشرفة واحتساء القهوة، الخروج للتبضع في المجمع التجاري او السكن في شقتنا الجديدة. على الجمهور أن يعرف بأن عدد العمال الذين يقتلون في إسرائيل أكبر من ذلك في الدول الاوروبية بأضعاف.

ربيع أبو ذيبة مات وهو يركع لقضاء الصلاة
ربيع أبو ذيبة مات في موقع البناء وهو يركع لقضاء الصلاة

48 عامل قتلوا في مواقع البناء في سنة 2016 فقط. آخرهم كان اركان ابو هنية ابن ال-27، من قرية عزون بجانب قلقيلية، والذي وقع عن سلم بتاريخ 26.12.16 في موقع بناء في بيتاح تكفا وتوفي بتاريخ 1.1.17 اثر جراحه. بتاريخ 29.12.16 قتل الفتى علي الدغامين ابن ال-17، من قرية السموع بجانب الخليل، بعد أن سقط عن علو 8 أمتار خلال أعمال لبناء مخزن بالمنطقة الصناعية التابعة لكيبوتس “حفيتس حاييم”. هذه كانت الحادثة القاتلة الأخيرة في مواقع البناء بإسرائيل لسنة 2016، ولكن عدد القتلى قد يرتفع، للأسف الشديد، اذا ما تم الكشف عن معلومات جديدة او في حال، لا سمح الله، توفي عمال آخرين ممن اصيبوا بالسنة الماضية والتي ابلغ فيها عن أكثر من 200 مصاب بشكل بالغ حتى متوسط بمواقع البناء. بحسب معطيات مؤسسة التأمين الوطني من السنوات الأخيرة، بإمكاننا أن نقدر بأن 7000 عامل آخرين أصيبوا في هذه السنة في حوادث بناء بدرجات خطورة مختلفة.

أيضاً القتيل الذي سقط في الحادثة الأخيرة لسنة 2015، محمد عليان من عرابة الذي توفي بعد أن تكهرب بموقع بناء في العفولة، كان فتى ابن 17 عام خرج للعمل خلال عطلة عيد الميلاد. في سنة 2015 اشارت المعطيات الرسمية لدائرة السلامة المهنية بأن عدد القتلى في مواقع البناء كان 34.

محمد عليان توفي بعد حوالي الشهر ونصف الشهر من انطلاق النشاط الذي أدى إلى إقامة الائتلاف لمحاربة حوادث البناء والذي يشمل منظمات عنوان العامل، معاً، أطباء لحقوق الانسان، جمعية حقوق المواطن في إسرائيل، عيادة حقوق العمال في جامعة تل أبيب، وناشطات ونشطاء  متطوعات ومتطوعين. بفضل هذا النشاط عرفنا كما عرف الجمهور التفاصيل الشخصية لمحمد عليان، ظروف الحادثة التي قتل فيها، تفاصيل موقع البناء والشركة المقاولة التي عمل معها: هذه المعلومات لم تكن في متناول يد الجمهور قبل ذلك فالمعلومات حول الحوادث اختصرت، هذا في حال تم نشرها أصلاً، على أخبار موجزة ومقتضبة لا تحتوي على أية تفاصيل للأطراف المنخرطة بالحادثة- ولم يسمع الجمهور عن هذه الحوادث أكثر من ذلك. عمال البناء ماتوا مجهولي الهوية، بصمت وفي العتمة بعيداً عن أعين الجمهور وكأن الحديث عن أمر عديم الأهمية.

عندما بدأنا بنشاطنا لم تكن لدينا أية معلومات عن هوية القتلى ولا عن الشركات التي قتلوا في مواقعها بالطبع. ولا حاجة لأن نذكر هنا بأن كل واحد من القتلى- عربياً كان أم يهودياً، صينياً ام مولدوفياً، فلسطينياً أم تركياً- هو عالم بحد ذاته، حياة أخذت، ذكريات وآمال بمستقبل لن يكون، أقارب وقريبات، أصدقاء ومعارف تيتموا جميعاً. حياة الكثير من المصابين وأبناء عائلاتهم لن تعود أيضاً إلى مسارها الذي كان قبل الاصابة.

اليوم نحن نعرف بأنه من ضمن العمال الذين قتلوا بعام 2016- 21 كانوا فلسطينيين (44%)، 13 مواطنين عرب (27%)، 7 مواطنين أجانب (15%) و-7 مواطنين يهود (15%). نحن نقدر بأن نسبة اليهود من مجمل القتلى في هذا العام أعلى منه بالوضع العادي بسبب عدد اليهود الذين قتلوا بحادثة انهيار موقف “رمات هحيال”. الأغلبية الساحقة من القتلى بحوادث العمل، كما اتضح هذا العام على ضوء جمع المعلومات التي لم تنشر بالسنوات السابقة، هم فلسطينيين ومواطنين عرب.

لا شك بأن التغيير الأهم الذي شهدناه هذه العام بموضوع سلامة العمال بمواقع البناء والانجاز الأهم للائتلاف هو الاهتمام الجماهيري والتغطية الاعلامية الواسعة الذي حظيت به حوادث البناء للمرة الاولى. هذه التغطية والاهتمام الذي اثارته نبعت بشكل مباشر من المعلومات التي قمنا بجمعها من خلال العمل الميداني الذي مكننا من تحريك الاهتمام الاعلامي اعتماداً على الحقائق. نشاطنا هذا كان من وراء مباشرة دائرة السلامة المهنية بنشر معلومات عن حوادث العمل القاتلة بشكل دوري، وقيامها للمرة الاولى بالإعلان عن تفاصيل الحوادث من سنة 2015، خاصة أسماء الشركات المقاولة التي قتل عمال في مواقعها.

الكثير من العمال بقطاع البناء- عمال البناء، سائقي الرافعات، مدراء العمل المسؤولين عن السلامة، المهندسين، جهات المراقبة- تجاوبوا بقوة مع الاهتمام الذي أظهره الجمهور وأخيراً بواقع حياتهم الصعب وبظروف عملهم، وأصبحوا شركاء فعالين في النضال من أجل التغيير

تطور مركزي آخر كان الالتفاف البرلماني من حول القضية والذي قاده رئيس لجنة العمل والرفاه في الكنيست النائب ايلي الالوف الذي طالب وزارة الاقتصاد في نهاية جلسة اللجنة التي عقدت بمنتصف كانون اول 2015، بالعمل على الفور من اجل تجنيد مراقبين اضافيين بمواقع البناء وتخصيص سيارات لهم لكي يقوموا بعملهم، كما اعلن عن التزام اللجنة بعقد جلسات متابعة لموضوع حوادث البناء كل ثلاثة أشهر.

عضو الكنيست الالوف وفى بوعده هذا حيث كان الناتج الأهم لهذا النشاط تشريع بند 6أ لقانون تنظيم المراقبة على العمل الذي عمل عليه سوية مع النائب ايال بن رؤوفين والنائب عبد الحكيم حج يحيى، والذي نص على وجوب وقف الأعمال في مواقع البناء التي تقع فيها حوادث قاتلة وصعبة لمدة يومين على الأقل يتم بعدها فحص الحاجة لمواصلة اعمال المراقبة لضمان سلامة العمال. هذا التعديل التشريعي وضع حداً للواقع الفظيع الذي تعرفنا اليه في بداية عملنا- مواقع البناء التي تواصل عملها وكأن شيئاً لم يكن قبل ان يتم حتى اخلاء جثث القتلى والمصابين. هذه الخطوة، مهما كانت صغيرة، استطاعت أن تخلق تغييراً في التعامل مع الحوادث على مستوى الوعي ذلك مقارنة بما كان في السابق، وكذلك أن تكثف المراقبة في المواقع بعد وقوع حوادث.

التغيير المهم الأخير الذي بدأ يتشكل بنهاية عام 2016، ولو أنه لم يصبح ملموساً بعد، هو استعداد شرطة اسرائيل ودائرة السلامة المهنية لتحسين طريقة ادارة التحقيقات الجنائية في الحوادث الصعبة والقاتلة، الأمر الذي من المفترض بأن يؤدي إلى تغيير دراماتيكي في نسب المقاضاة التي لا تتعدى ال-10% من حالات الحوادث القاتلة مع العلم بأن نسبتها أقل من ذلك حتى بحالات أخرى.

الكثير من العمال بقطاع البناء- عمال البناء، سائقي الرافعات، مدراء العمل المسؤولين عن السلامة، المهندسين، جهات المراقبة- تجاوبوا بقوة مع الاهتمام الذي أظهره الجمهور وأخيراً بواقع حياتهم الصعب وبظروف عملهم، وأصبحوا شركاء فعالين في النضال من أجل التغيير- في كشف المعلومات وتوثيقها، في طلبات المساعدة وعروض المساعدة، حتى عندما كان ذلك على حساب المخاطرة بفقدان مكان عملهم ومصدر دخلهم. سائقي الرافعات بشكل خاص تحولوا لوكلاء تغييرمركزيين حيث بدؤوا يعملون على تنظيم أنفسهم واستخدام مكانتهم المركزية في مواقع البناء لتعزيز سلامة وحقوق كافة العاملين في هذه المواقع.

ولكن إلى جانب هذه التغييرات الايجابية، استمرت البلادة الحكومية والعجز المؤسساتي. ومما يثير الغضب بشكل خاص في هذا السياق لامبالاة وزارة الرفاه والخدمات الاجتماعية التي نقلت اليها دائرة السلامة المهنية قبل خمسة أشهر. فعلى الرغم من توجه الائتلاف لوزير العمل والرفاه، حاييم كاتس، منذ ثلاثة أشهر بمجموعة من المطالب المفصلة لتحسين وضع سلامة العمال، لم يرد الوزير حتى الآن وامتنع عن تخصيص أية موارد لدائرة السلامة المهنية كما لم يكن هناك أي تغيير بحجم الملاكات او بالسيارات. وقد يكون الأخطر من ذلك هو صمت مسجل المقاولين في وزارة الاسكان الذي يمتنع عن استخدام صلاحياته بحق الشركات المقاولة، ولم يسحب رخصة شركة مقاولة واحدة حتى بسبب مسها بسلامة عمالها.

وقفة احتجاجية لذكرى عمال البناء القتلى، 3.8.2016.
وقفة احتجاجية لذكرى عمال البناء القتلى، 3.8.2016.

أما وسط الشركات المقاولة وشركات العقارات، المسؤولين المركزيين عن سلامة العمال والرابحين الاوائل من القطاع، فقد لوحظ تأثر كبير لكشف حجم القتل في مواقعهن. بعض هذه عملت في أعقاب ذلك على تحسين مستوى السلامة ولكن الكثير منها ركزت جهودها لتحول دون الخطوات الحكومية التي تلزمها بضان سلامة العمال مستخدمة قوتها السياسية والاقتصادية حتى أن بعضها قامت بملاحقة العمال الذين كشفوا عن الاخفاقات بشكل شخصي.

صوت آخر هام لم يسمع تقريباً بالسنة الماضية، للأسف الشديد بشكل غريب، كان صوت الهستدروت الجديدة. كان من المتوقع بأن تقوم نقابة العمال الأكبر والأقوى في إسرائيل واحدى التنظيمات الاقتصادية والسياسية القوية عامةً بأن تكون اول من يستخدم مكانته وموارده لوقف القتل في مواقع البناء- ولكنها خيبت هذا التوقع.

سنة 2016 كانت عاصفة وديناميكية جداً من ناحية النضال من أجل سلامة عمال البناء. هذه السنة كانت بمثابة قفزة هامة على مستوى الوعي الجماهيري لمأساة عمال البناء- ولو أنه لم يطرأ هناك أي تغيير بعد بحجم الاصابات وسط العمال. الحراك ما زال في بدايته وما زالت هناك حاجة للكثير من التغييرات. كلنا أمل بأن يبدأ النضال في سنة 2017 بجني النتائج الفعلية وبأن نرى انخفاض جدي بعدد العمال المصابين والقتلى.

مؤسسة ومديرة الائتلاف لمحاربة حوادث العمل.

المزيد:

“عمال البناء: حملة ضد حوادث العمل تفتح فرصة لتغيير الواقع المر”، اساف اديف. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.