هدم البيوت في الداخل الفلسطيني: الحماية الدولية هي الحل

هدم البيوت في الداخل الفلسطيني ليست قضية قانونية ولا قضية تراخيص بل هي قضية سكان اصلانيين يتعرضون إلى محاولة للتطهير العرقي والثقافي والتاريخي مستمرة منذ النكبة وحتى يومنا هذا: بالتالي فان الحل يجب أن يكون من خارج الملعب الاسرائيلي- عبر الحماية الدولية للسكان الفلسطينيين داخل إسرائيل.
جهاد ابو ريا

 

نحو سبعين الف عائلة عربية في الداخل الفلسطيني تعيش في قلق ورعب مستمر خشية هدم بيوتها بعد ان اصدرت السلطات الإسرائيلية اوامر هدم بحقها. هذه العائلات تعيش في نكبة مستمرة حقيقية، لا تعرف متى تفاجئها السلطات الإسرائيلية بهدم بيتها. هذا ما حصل هذا الاسبوع مع احد عشر عائلة فلسطينية في مدينة قلنسوة في منطقة المثلث داخل إسرائيل، حيث تم مساء يوم الاثنين 9/1/2017 اعلام هذه العائلات عن نية السلطات هدم بيوتها، وفي صبيحة اليوم التالي قامت الجرافات الإسرائيلية برفقة الآلاف من رجال الشرطة وحرس الحدود بتنفيذ اوامر الهدم. لم تبق السلطات لأصحاب البيوت اية فرصة للتوجه للمحاكم ولإصدار قرار لتعليق تنفيذ اوامر الهدم، ولم تتح لهم اية امكانية لتدبير امورهم وايجاد مأوى مؤقت، بل خلال ليلة وضحاها قامت برميهم بالعراء ولم يردعها عن ذلك بكاء الاطفال ولا حالة البرد القارص التي تمر بها البلاد.

قضية هدم بيوت الفلسطينيين داخل إسرائيل ليست جديدة: جرح قديم بدايته في نكبة عام 1948، عندما قامت إسرائيل، بأذرعها المختلفة، بتدمير أكثر من خمسمائة بلدة فلسطينية وهدم بيوتها وتهجير نحو 800000 نسمة بينما بقي في البلاد حوالي 150000 فلسطيني تعاملت معهم إسرائيل كأعداء واعتبرت بقاءهم في البلاد وعدم تهجيرهم خطأً تاريخياً يتوجب عليها “تصليحه” من خلال مضايقتهم وتشجيعهم على الهجرة، واستعملت هدم البيوت، من ضمن ذلك، كإحدى الادوات لتحقيق اهدافها. هذه الاجراءات تتلاءم مع ما جاء في توصيات “وثيقة كينيغ” حول تعامل الحكومة الإسرائيلية مع من بقي من السكان الاصليين في البلاد ووجوب “تطبيق القانون” وهدم البيوت غير المرخصة واثقالهم بغرامات باهظة لكي لا يتفرغوا للمطالبة بالحقوق الوطنية.

المواطن العربي يبقى منشغلاً بالعمل على تأمين سقف يأويه ويمكنه من ممارسة حياة طبيعية، ولا يأمن من امكانية هدم بيته. بهذه الطريقة تحاول الحكومة اشغال المواطنين العرب بالأمور الحياتية الأساسية وابعادهم عن المطالبة بالحقوق الوطنية الجماعية

يقوم الكثير من  الفلسطينيين سكان دولة إسرائيل ببناء بيوتهم على اراضيهم الخاصة دون تراخيص لعدم وجود اي خيار اخر، ذلك بعد أن فشلت كل محاولاتهم وسدت في وجوههم كل الطرق والوسائل للحصول على التراخيص حيث ترفض السلطات الإسرائيلية اعطائهم التراخيص اللازمة، ويترتب على ذلك دفع غرامات باهظة تصل إلى مئات الآلاف من الشواقل والمخاطرة ايضا بعقوبة السجن، ويتم عادة تقديم عدة لوائح اتهام حول نفس البناء ضد اصحاب البيوت بالرغم من مرور عشرات السنين على بنائها بادعاء أن قضايا السكن والبناء لا تخضع لقانون التقادم.

يصنف الحق في المسكن في إسرائيل من الحقوق الاساسية عندما يتعلق الامر باليهود، وتتجند  الحكومة ومؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية للعمل على تحقيق وضمان مسكن آمن لكل العائلات اليهودية اما عندما يتعلق الامر بالمواطنين العرب فإن الموضوع يختلف: المواطن العربي يبقى منشغلاً بالعمل على تأمين سقف يأويه ويمكنه من ممارسة حياة طبيعية، ولا يأمن من امكانية هدم بيته. بهذه الطريقة تحاول الحكومة اشغال المواطنين العرب بالأمور الحياتية الأساسية وابعادهم عن المطالبة بالحقوق الوطنية الجماعية، وهو النهج المستمر منذ اقامة إسرائيل وحتى يومنا هذا. فكما تظهر الاحصائيات، يتم كل عام هدم المئات من بيوت فلسطينيي الداخل في الجليل والمثلث والنقب. أضف إلى ذلك آلاف الشباب في الداخل الفلسطيني الذين يؤجلون مشاريع الزواج حتى يتمكنوا من بناء بيوت مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مشاكل وتوترات داخل العائلات.

إلى ذلك، فهناك عشرات القرى والتجمعات البدوية في النقب والجليل القائمة من قبل عشرات السنين ترفض إسرائيل الاعتراف بها وايصالها بالمياه والكهرباء وتزويدها بالخدمات الاساسية، وقد اصدرت بحقها اوامر هدم. في هذه البلدات يسكن نحو 90000 مواطن. احدى هذه البلدات هي قرية ام الحيران البدوية التي أعلنت الحكومة الإسرائيلية انها تنوي هدمها وتهجير أهلها لإقامة بلدة لليهود تحمل اسم حيران.

تضاعف عدد السكان الفلسطينيين منذ النكبة وحتى اليوم نحو ثمانية اضعاف بينما تقلصت مساحة الاراضي التي يسيطرون عليها، ويتم ذلك عادةً بمصادرة اراضيهم حسب القوانين المختلفة: حيث يشكل الفلسطينيون اليوم نحو 20% من سكان الدولة بينما يسيطرون على 3% من الاراضي فقط، ثلثيها للسكن والثلث الآخر اراضي زراعية. وقد تم بناء أكثر من ألف بلدة جديدة منذ اقامة إسرائيل وحتى اليوم، كلها بلدات يهودية، بالمقابل لم تتم اقامة حتى بلدة عربية واحدة جديدة. كما يمنع المواطنين العرب من السكن في حوالي 70% من البلدات الاسرائيلية، ويتم ذلك حسب تعديل قانون الجمعيات التعاونية (“لجان القبول”) الذي سنته الكنيست الإسرائيلية وبحسبه تم تعيين لجنة قبول لكل واحدة من هذه البلدات تكون وظيفتها فحص طلبات المعنيين بالسكن. ولم تكن صدفة أن هذه اللجان لم تقبل طلب أية عائلة عربية للسكن فيها بادعاء أن هذه العائلات غير مناسبة للسكن في هذه البلدات، وكانت محكمة العدل العليا الإسرائيلية قد رفضت الالتماسات التي هاجمت دستورية وقانونية تعديل القانون.

وقد اتت الهجمة الاخيرة من هدم البيوت العربية بعد التهديد والوعيد الذي صرح به رئيس الحكومة الإسرائيلية الشهر الماضي بالانتقام من المواطنين العرب وهدم بيوتهم في المثلث والجليل والنقب على خلفية قرار المحكمة الإسرائيلية العليا اخلاء مستعمرة “عمونا”، معللاً ذلك بالمساواة في “تطبيق القانون” ومتجاهلاً الفرق الشاسع بين المجموعتين حيث أن المواطنين العرب- سكان البلاد الإصلانيين- يطالبون بالسماح لهم ببناء بيوتهم على اراضيهم الخاصة بينما يقوم مستوطنو “عمونا” ببناء مستعمرتهم على اراضي خاصة لمواطنين فلسطينيين في عملية نهب وسلب في وضح النهار. ورغم ذلك فان الحكومة الإسرائيلية كانت قد عملت كل ما بوسعها لمساعدة المستعمرين في “عمونا” وشرعنة عملية النهب التي قاموا بها.

رويداً رويداً تحولت جميع البلدات العربية في الداخل إلى ما يشبه الجيتوات المحاصرة من جميع الجهات: تسنى ذلك للحكومة الإسرائيلية بعد سيطرتها على نحو 93% من الاراضي، من ضمنها اراضي المهجرين والاراضي التي صودرت من المواطنين العرب

لضمان الحصول على تراخيص للبناء هناك حاجة قانونية للمصادقة على خرائط هيكلية من قبل لجان التنظيم والبناء التابعة لوزارة الداخلية تضمن احتياجات كل بلدة. هذه اللجان تتكون من اعضاء يهود فقط- إلا في حالات نادرة جداً. المصادقة على الخرائط الهيكلية في البلدات اليهودية تستغرق سنوات قليلة بينما معدل المدة الزمنية للمصادقة على خرائط هيكلية في البلدات العربية يصل نحو عشرين عاماً. وفي حين تلاقي الخرائط الهيكلية اليهودية كل التسهيلات لتمريرها من قبل الحكومة ومؤسساتها، ومن ضمنها دائرة اراضي إسرائيل والصندوق القومي اليهودي، فان هذه الهيئات لا تبقي أي من العراقيل إلا وتضعها من أجل إفشال الخرائط الهيكلية في البلدات العربية. بالتالي يضطر المواطنون العرب إلى بناء بيوتهم على اراضيهم الخاصة دون تراخيص مما يتيح الفرصة أمام الحكومة الإسرائيلية إلى ملاحقتهم وتهديدهم بهدم بيوتهم وتصويرهم على أنهم مخالفون للقانون لا يعترفون بسيادة القانون.

رويداً رويداً تحولت جميع البلدات العربية في الداخل إلى ما يشبه الجيتوات المحاصرة من جميع الجهات: تسنى ذلك للحكومة الإسرائيلية بعد سيطرتها على نحو 93% من الاراضي، من ضمنها اراضي المهجرين والاراضي التي صودرت من المواطنين العرب. وتحيط هذه البلدات اراضي تديرها سلطة اراضي إسرائيل مما يصعب توسيع مسطح البناء في البلدات العربية، وفي كثير من الاحيان تتعرض السلطات المحلية العربية إلى الابتزاز السياسي من اجل الموافقة على توسيع مناطق نفوذها.

يقابل المواطنون العرب هدم البيوت بالمظاهرات والاعلان عن الاضراب العام في الداخل الفلسطيني، ويقومون من مرة إلى اخرى بإعادة بناء البيوت التي تم هدمها، وفي حالات كثيرة يقومون بالتجمع داخل البيوت التي تنوي السلطات هدمها لمنع تنفيذ الاوامر لكن هذه النشاطات لا تستطيع الوقوف أمام إصرار الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ مشروعها.

هدم البيوت في الداخل الفلسطيني ليست قضية قانونية وليست قضية تراخيص بل هي قضية وطنية- قضية سكان اصلانيين يتعرضون ليس فقط للتمييز العنصري بل إلى محاولة للتطهير العرقي والثقافي والتاريخي مستمرة منذ النكبة وحتى اليوم. بالتالي فان الحل يجب أن يكون من خارج الملعب الاسرائيلي- الحل يكون عبر الحماية الدولية للسكان الفلسطينيين داخل إسرائيل.

محامي وناشط، مؤسس مجموعة “فلسطينيات”. 

* نشر المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية على موقع “Middle East Eye”.

المزيد:

“الأبرتهايد داخل إسرائيل: ليس مجرد شعار سياسي”، جهاد أبو ريا. 

“خروج النواب العرب من الكنيست: مطلب الساعة”، عبد ابو شحادة. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.