ارفعوا الغمامة عن أعينكم!

على الجمهور أن يرفع الغمامة عن عينية وأن يفهم بأن المشكلة ليست رئيس الحكومة نتنياهو: حتى اذا ما ادرنا رأسنا لما يسمى اليسار سنجد نفس وجهة النظر الفاشية، البيضاء، الذكورية وصاحبة الامتيازات في البرنامج السياسي “للمعسكر الصهيوني”، “يش عتيد” وأصدقائهم.
عمر عبد القادر

 

رأيت ولم أصدق. ما لم أصدقه لم يكن قيام شرطي إسرائيلي بإعدام انسان. لا، ففقط في السنة الأخيرة، قبل مقتل يعقوب ابو القيعان، كانت هناك دزينة من حالات الاعدام على الملأ. ولا، لا أقصد بذلك حالات كحالة الجندي اليؤور ازاريا الذي أصبح “ابن الجميع”. الحالات التي اتحدث عنها لم تذكر تقريباً بالإعلام الإسرائيلي لأن الإعلام الإسرائيلي يعمل ببساطة في خدمة الحكم ويساهم في خلق نمط تفكير صهيوني في صفوف الشعب المختار.

بالإمكان تصديق عمليات الاعدام اذاً ولكن ما يصعب تصديقه هو بأنه، مثلما كانت الحال فيما سمي “انتفاضة الحرائق”، يكفي بأن يخرج شخص على الجمهور الإسرائيلي وبأن يطلق بالوناً في الهواء حتى يتحول هذا البالون، رويداً رويداً، إلى منطاد لا يستطيع التيار المركزي الإسرائيلي النظر إلى الواقع إلا من خلاله. بعد غد سنعود إلى الروتين ونحن ما زلنا مؤمنين بأن القيعان كان اسلامياً من الشق الجنوبي\مخرباً\داعشياً “أحبط” على يد شرطي بطل ضحى بحياته من أجل حماية القانون السامي. وربما لا. ربما لم يكن كذلك. لقد كان اباً لثلاثة عشرابناً وابنة، معلم رياضيات في مدرسة السلام في حورة وطالب دكتوراة.

لكن ذلك لم يعد يعنيكم. لن تتوقفوا للحظة للتفكير في العائلات العربية التي اقتلعت من بيوتها للتو من أجل فرض بلدة يهودية أخرى على أرض مرتوية بالدماء الرخيصة. ولا بد بأنكم ستشعرون بالبلبلة عندما يتم ذكر العائلات العربية لأنكم لا تعتبرون البدو عرباً- فالبدو هم هؤلاء الذين يحضرون لكم اللبنة بلفائف الخبز والقهوة السوداء القوية عندما تتجولون في “نقبكم” الذي أصبحت، على فكرة، 90% من أراضيه مناطق تدريب لدولة جيش إسرائيل.

Umm al-Hiran – 18 January 2017 from Forensic Architecture on Vimeo.

الفيديو الذي نشر بالأمس ليس الاول من نوعه الذي تعده وحدة البحث “Forensic Architecture”، وهو يظهر بأن ابو القيعان قاد سيارته بسرعة منخفضة عندما تم اطلاق ثلاث رصاصات باتجاهه من الجانب (وليس بالجو كما ادعت الشرطة): بعد ذلك تم اطلاق المزيد من الرصاصات باتجاه السيارة من الخلف، فأسرعت السيارة ودهست الشرطي ايرز عمدي ليفي. بالإمكان سماع صفارة السيارة لمدة ثواني طويلة بينما التم الشرطيون من حولها وأطلقت طلقة واحدة أخرى فقط. باختصار، لا يوجد أي دليل بأن الدهس كان متعمداً. بالاضافة إلى ذلك، فكما كشفت القناة العاشرة بالأمس فالقيعان قد أصيب  بركبته اليمنى وبصدره وتوفي اثر نزيف لعدم حصوله على علاج طبي بساحة الحدث.

لا تغلطوا للحظة، الفلسطينيون هم ربما الضحية المباشرة والمعلنة لوجهة النظر الفاشية هذه لكن الحكم يمتطي ظهر الفئات المستضعفة لكي يضرب بسوطه ويفرض عقيدته.

في ايار 2014 قام شرطي من حرس الحدود بإطلاق النار من مسافة بعيدة مقتنصاً فتى باسم نديم نوارة: بواسطة تحليل المواد الخام التي التقطتها الكاميرات في المكان، قدمت “Forensic Architecture” ادلة قاطعة تثبت بأن الشرطي اطلق النار عمداً بهدف القتل ولو أن حياته لم تكن معرضة للخطر. الإعلام الإسرائيلي مر على الخبر باقتضاب شديد والمحاكمة، على فكرة، لن تنتهي أبداً. العمل الهام الذي تقوم به وحدة البحث هذه لا يصل إلى الوعي الجماهيري بشكل عام لأنه ليس هناك إسرائيليين بشكل عام ضمن القتلى الذين يسقطون بحالات تطبيق الابرتهايد.

دولة إسرائيل تنجح، عن غير قصد، بإيقاظ آخر “العرب الإسرائيليين” من وهمهم وهم الذين اعتقدوا أنهم، بطريقة او بأخرى، مختلفين عن غير اليهود الذين يعيشون في الضفة وغزة، ذلك لأنها لم تعد تميز بدرجة الاقصاء التي تلحق بهؤلاء مقابل هؤلاء. قبل عدة أيام علقت في تل أبيب يافطات تحمل شعار “قريباً سنصبح الأغلبية” وبالخلفية صور لعرب يرفعون علم فلسطين. الحملة التي بادرت لها “حركة ضباط من أجل أمن إسرائيل” تمرر رسالة واضحة: يجب الانفصال عن الفلسطينيين. هذه لم تعد يافطة في أم الحيران بل تطبيقاً عملياً للأيديولوجية.

على الجمهور أن يرفع الغمامة عن عينية وأن يفهم بأن المشكلة ليست رئيس الحكومة نتنياهو: حتى اذا ما ادرنا رأسنا لما يسمى اليسار سنجد نفس وجهة النظر الفاشية، البيضاء، الذكورية وصاحبة الامتيازات في البرنامج السياسي “للمعسكر الصهيوني”، “يش عتيد” وأصدقائهم. لا تغلطوا للحظة، الفلسطينيون هم ربما الضحية المباشرة والمعلنة لوجهة النظر الفاشية هذه لكن الحكم يمتطي ظهر الفئات المستضعفة لكي يضرب بسوطه ويفرض عقيدته.

اليوم (السبت) ستنطلق مظاهرة في وادي عارة من المتوقع بأن يشارك بها عشرات الآلاف من الناس. بجريدة “هآرتس” سيقولون بأننا تصادمنا مع قوات الأمن أما في “ynet” فمن المرجع بأن يقولوا بأننا أثرنا الشغب. الأكيد بأننا سنكون هناك. سنعبر عن غضبنا ونصرخ بكل قوتنا على مسمع إسرائيل- اليهودية وغير القادرة على أن تكون ديمقراطية.

ناشط سياسي، طالب في أكاديمية الفنون والتصميم “بتسلئيل”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.