البوابة

“البوابة” مقطع من “ماش على الريح”- كولاج لثلاثة من اعمال الروائي والمفكر الفلسطيني سلمان ناطور (1949-2016) سيصدر باللغة العبرية في الذكرى الأولى لرحيله بمبادرة من معهد فان لير. 
سلمان ناطور

 

اتصلت من باريس لنتفق على موعد للقاء

قالت لي فدوى: كل الطرق تؤدي الى روما

واتفقنا على أن نلتقي في روما

وضعتُ سماعة الهاتف وضحكتُ على حالنا

نلتقي في روما؟ كما لو كنا سنلتقي في رام الله، في شارع رُكب أو عند بوظة بلدنا أو في شارع الخوري في حيفا أو في تل ابيب، في المقهى الواقع عند شارع شينكين أو بوغرشوف أو مقصف المكتبة في شارع كابلان.

نلتقي

نحن الذين نحترف الكلام

نلتقي لنكتب القصائد عن الحجر ونحلم بطفل ترك طفولته ليصبح مناضلاً

نفكر بمن أعاد إلينا الحلم ونخطط للمعركة من أجل تحرير الانسان

نتقن التخطيط ونتفنّن في تحرير الإنسان وفي صياغة مستقبله وحربته وأمله وحلمه ونهوضه وثورته

 

كأنها..

لو أنها فعلا تتحدى لنسفوها بصاروخ أرض أرض

عند الحاجز وقف شرطي وجنديان وكثيرون من حرس الحدود

هذه هي الإشارة الأولى إلى أنني مُقبل على مغامرة المغادرة

توقفت عند ضوء أحمر وشرطي يعتمر قبعة خضراء

قرأ الإسم في بطاقة الهُوية وجواز السفر، فتغيرت وتبدلت ملامح وجهه

بدأ التحقيق الأوّلي؛ من أين وإلى أين؟ لماذا؟ كيف؟ أين حقائبك؟

الرجل ذو القبعة الخضراء ينفذ التعليمات بحذافيرها

يتأكد من أنني عربي أولا ولا أهدد سلامة أحد ولا أمن الدولة

العظمى ولا أحمل الأسرار ورسائل العشاق

عليه أن يكون واثقاً أيضاً من أنني لن أدخل الى الطائرة إلا وقد

انهارت أعصابي تماما، فألقي بجسدي المنهك على المقعد ولا أحرك

ساكناً وأنتظر المضيفة لتأتي وتبلّ ريقي بعصير أو بجرعة ماء

تنفستُ الصعداء بعد أن تحررتُ من قبضة الرجل ذي القبعة الخضراء

وطئت قدماي أرضَ المطار بسلام

حامت طائرة في السماء وهبطت وحلّقت أخرى واختفت وعلا هدير وجلبة

 

مهمّة ضخمة أخذناها على عواتقنا

أسهل ما تفعله هو أن تتفق على موعد للقاء، في رام الله مثلا، أو حيفا أو الناصرة أو روما أو باريس أو فيينا أو لندن.. مربط خيلنا!

سنلتقي بعد أن أعبر الحواجز وأقدم بطاقة الهوية لشرطي يتأفف حين يقرأ الاسم، وعندها سأخرجه من طُمأنينته

قد لا أسبّب له أي حرج لأنني حالة عادية بالنسبة له، وقد يزعجني تفتيشه، لكن يسرني أيضاً لأنني أزعجه وأخرجه من بطالته

ها أنا أُعد حقائبي وأستعدّ للسفر

أضع جانباً كل ما قد يثير شكوك الشرطي عند الحاجز أو موظفة التفتيش قبل ركوب الطائرة

بعناية فائقة أختار الكتب التي أحملها معي وأتأكد من أنني أحمل التذكرة وجواز السفر

أنسى أنني تأكدت، فأتأكد مرة أخرى وأتأكد كي أكون متأكداً أنني تأكدت

كان خانقا في الطريق إلى المطار

عرّجت السيارة من الشارع الساحلي إلى مدخل المطار الجاثم على أراضي قرية الخيرية الممسوحة عن وجه الأرض

مئذنة جامع الرملة تتحدى برج المطار بقامتها الطويلة

كأنها تتحدى

 

البناية الكبيرة تبدو وكأنها الحد الفاصل بيني وبين الفضاء أو بين الوطن وخارجه

أروع ما في هذه البناية هو البوابة الزجاجية التي تفتحها وتغلقها عين إلكترونية

لا تسألك من أنت ولا يعنيها انتماؤك أو جنسيتك

تقترب من البوابة فتُفتح وتُغلق عندما تعبر وتبتعد

في تلك اللحظة صرت أداعب هذه البوابة كطفل صغير

أدخل ثم أخرج ثم أدخل، وهي تُفتح وتُغلق

كم هي جميلة هذه البوابة

لا تعرف العنصرية

* بتاريخ 15.2.17 يقيم معهد فان لير أمسية لإحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل الروائي والمفكر الفلسطيني سلمان ناطور(1949-2016)، تتخلل اطلاق كتاب “ماش على الريح” باللغة العبرية. الكتاب من ترجمة يونتان مندل، وهو الكتاب الأول في سلسلة مكتوب (إصدار “عولام حداش”) لترجمة الآداب العربية للعبرية. معلومات أوفى تجدونها على رابط الحدث على الفيسبوك.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.