من يخشى التصعيد؟

الحكومة الإسرائيلية اتخذت قراراً بتصعيد العلاقات مع المجتمع العربي، وهي تحظى بمساندة كاملة من المجتمع الإسرائيلي. من هنا، ودون علاقة بالأحداث الصعبة الأخيرة، يجب أن تكون هناك نقلة جوهرية في النضال. السؤال: هل تستمر القيادات العربية بالحديث عن التحلي “بالمسؤولية” ام تقف في الصفوف الامامية للمواجهة؟
عبد ابو شحادة

 

قبل أن يبدأ البعض بترويج مقولات على شاكلة “على ضوء الأحداث الأخيرة، يتوجب على القيادة العربية التحلي بالمسؤولية وتهدئة النفوس”، أجد نفسي ملزماً بأن أذكر الجميع بأن الوضع سيء منذ مدة طويلة، طويلة جداً، وبأن التصعيد هو الحل الوحيد الذي يظهر في الأفق. الخطاب الجماهيري والإعلامي الذي يجري الآن يخلق انطباعاً بأن روتين وجودة حياة المواطنين العرب اضطربت بسبب بعض الأحداث غير الاعتيادية. ولكن فقط في يوم السبت لأخير قتل شابين في يافا، وقبل أسبوع من ذلك قتل شخص في اللد أما في اليوم الذي اقيمت به المظاهرة الكبيرة بوادي عارة فوقع شجار جماهيري في أم الفحم. وعليه، أي تحليل ل”وضع المجتمع العربي” يجب أن يعكس صورة شاملة تتطرق أيضاً للفقر، النقص بالموارد، العنصرية الممأسسة وسياسة الشرطة التي لا يختلف تصرفها عن تصرف الخارجين عن القانون. من هنا، ودون علاقة بالأحداث الصعبة الأخيرة التي شهدناها، يجب أن تكون هناك نقلة جوهرية في النضال ولا يمكن تجاهل هذه الحاجة أكثر.

في أعقاب ما حصل في قلنسوة وأم الحيران، قررت لجنة المتابعة للمواطنين العرب في إسرائيل تنظيم مظاهرة مركزية في عرعرة يوم السبت الماضي. كما هو متوقع وعلى ضوء الأوضاع، وصل ما يقارب العشرة آلاف شخص من الشمال وحتى الجنوب (وبينهم بضعة مئات من اليهود). المظاهرة خرجت من مدخل عرعرة وتفرقت بمنتصف الطريق، بشكل رمزي بعض الشيء، لمجموعتين: مجموعة شملت الفئات البالغة أكثر والتي توجهت شمالاً واستمرت، كما هو مخطط، بالسير خلف القيادة التقليدية- أي قيادة الحركات السياسية داخل وخارج الكنيست-  واستمعت إلى الخطابات وهي تجلس على كراسي البلاستيك: أما المجموعة الثانية، وغالبيتها من الشباب، فتوجهت يميناً وواصلت التظاهر في وادي عاره، الأمر الذي تطور سريعاً إلى مواجهات مع الشرطة: نفس الجسم المسؤول، لأذكركم، عن مقتل يعقوب أبو القيعان في أم الحيران.

اذا كان مفترق الطريق الذي يقف به المجتمع العربي هو الاختيار بين الوضع القائم وبين التصعيد، فمفترق الطرق الذي تقف به القيادة هو الاختيار بين وظيفة الوسيط بين المجتمع العربي والدولة والمجتمع الإسرائيلي وبين كونها جزء من القيادة القومية الفلسطينية

الشباب وقفوا أمام قوات الشرطة ووسائل تفريق المظاهرات لوحدهم تقريباً بينما على بعد مئات الأمتار منهم صعد رجالات القيادة التقليدية للمنصة وخطبوا مطولاً عن العدل، التضحية والنضال  القومي. الكثير من الأفكار خطرت في بالي بسبب هذا المشهد الهزلي خاصةً في هذه الاوقات من عدم الوضوح. من جهة، الشباب الذين كبر بعضهم داخل الأحزاب وتأثر بقادتها، قرروا بأنهم سئموا من المظاهرات الهادئة التي تنتهي بنفس الخطابات، وأرادوا تحدي الشرطة وإغلاق الشوارع: وفي المقابل، القيادة العربية غير المعنية بالتصعيد والتي تقدم تحليلات وتفسيرات سياسية تلخص كلها إلى الحاجة للتحلي “بالمسؤولية”.

بدل مواجهة الادعاءات، صار البعض يقول بأن هؤلاء الشباب “غير مسؤولين” وبأنهم تصرفوا على عاتقهم بدلاً من الانصات للقيادة. وهو التوجه المحافظ الذي يصعب عليه أن يذوت بأن العكس هو الصحيح- بأن هؤلاء الشباب انصتوا للقيادة منذ أن ولدوا وتأثروا بأقوالها وآمنوا حقاً بعدالة طريقها وبأنه من الأفضل بأن نناضل من أجل ما هو عادل من أن نحيى بمذلة. القيادة هي التي لم تصغي لنفسها.  بعد أن رأيت إلى اين تتوجه الامور اثر المواجهات مع الشرطة، اعتقدت لسذاجتي بأن الخطباء المحترمين سيرتجلون عن المنصة ويتحلون بالمسؤولية بأنفسهم لكنهم استمروا بالجلوس على الكراسي وبإلقاء الخطابات التي تتحدث عن أفضلية الموت بكرامة على العيش بمذلة. لم أصدق ما رأيت، كيف يجلسون على المنصة على بعد مئات الأمتار من الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ويسمحون لأنفسهم بقول أمور من هذا النوع دون أن يقفوا في الخط الأول للمواجهة. حتى اذا ما اعتقدوا بأن ذلك لم يكن قراراً صائباً، من واجبهم بأن يقفوا مقابل قوات الشرطة، فقرار شرطي واحد ورصاصة واحدة كانت لتكون كافية لوقوع مصيبة.

يتوجب علينا بالطبع ألا نستهين بالقيادة التي تعمل منذ بضعة عقود. ولكن مثلها مثل أي تنظيم آخر بوضعها، تميل الأحزاب التقليدية إلى العمل بشكل طبيعي تقريباً للحفاظ على الوضع القائم. كل من يعتقد عدا ذلك يكفي بأن ينظر إلى السلطة الفلسطينية التي ضحى بعض قادتها بالكثير من أجل الشعب الفلسطيني ولكن تمأسسها بات يحول دون احتمالات التغيير الجوهري خاصة عندما تقوم هذه بقمع الطابع الثوري للفئات الشبابية. على القيادة أن تستوعب بأن رغبتها ليست ما يحسم الأمر هنا. الحكومة الإسرائيلية اتخذت قراراً بتصعيد العلاقات مع المجتمع العربي، وهي تحظى بمساندة كاملة من المجتمع الإسرائيلي الذي يطالب بالانتقام. تستطيع القناة العاشرة أن تعرض عشرات الأدلة الأخرى حول مسؤولية الشرطة عن مقتل يعقوب ابو القيعان والشرطي ايرز عمدي ليفي لكن الحقائق فقدت شرعيتها ومعناها في الخطاب الجماهيري اليوم.

على مدى سنوات الاحتلال السبعين تقريباً، ادرك الإسرائيليون الأكبر سناً ماذا حصل في يافا وحيفا بسنوات الخمسين والأربعين أما الشباب الذين يتجندون للجيش فيرون ماذا يجري في الخليل ونابلس، وجميعهم يعرفون بأن هناك حصار وشاهدوا بالبث المباشر حربين على غزة على الأقل، ورغم كل ذلك لم يتصدوا لهذا الغبن. فهل ما زالت القيادة العربية تؤمن حقاً بأن هذا المجتمع سيخرج عن طوره مثلاُ اذا ما قرروا غداً اعادة الحكم العسكري؟ في الحقل السياسي الذي نتواجد به اليوم، ليس باستطاعتهم ان يؤثروا حقاً بواسطة مؤسسات الدولة ولكنهم لا يريدون أن يصدقوا ذلك. وحتى اذا ما اقاموا جمعيات فستبقى هذه تحت مسؤولية مسجل الجمعيات، وكما رأينا في حالة الحركة الإسلامية الشمالية، بقرار من الوزير وبمساعدة أنظمة الطوارئ، اغلقت كافة مؤسسات الحركة وتمت مصادرة أموالها. وهذا تماماً ما قد يحدث لبقية الأحزاب باللحظة التي تصبح لديها قوة كافية لأن تتحدى الدولة بواسطة مؤسساتها.

لا أريد بأن اضفي هالة من الرومانسية للنضال ولكن التصعيد قد يخلق الأمل وينجح في توجيه احباط الشباب العرب إلى المتهم الحقيقي بمى آلت اليه الاوضاع- الدولة. اذا كان مفترق الطريق الذي يقف به المجتمع العربي هو الاختيار بين الوضع القائم وبين التصعيد، فمفترق الطرق الذي تقف به القيادة هو الاختيار بين وظيفة الوسيط بين المجتمع العربي والدولة والمجتمع الإسرائيلي وبين كونها جزء من القيادة القومية الفلسطينية بحيث تستخدم وظيفتها لخلق اجماع قومي على اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل التحرر القومي.

ناشط وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

المزيد:

“خروج النواب العرب من الكنيست: مطلب الساعة”، عبد ابو شحادة. 

“ابني شعبي بيحميك”، هلال علوش. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.